بقلم/ الدكتور عبد الله سيف
ليست كرة القدم، كما تبدو للوهلة الأولى، مجرد صراع بين أحد عشر لاعبًا وآخرين، ولا مجرد أهداف تُسجل أو كؤوس تُرفع. فمنذ أن أدركت الدول قيمة "القوة الناعمة"، غدت الملاعب ساحاتٍ موازية للسياسة، تُكتب فيها رسائل لا تحملها البيانات الرسمية، وتُرفع فيها أعلام قد تعجز الدبلوماسية عن حملها، ويصبح فيها اللاعب أو المدرب، في لحظة صدق، صوتًا لشعب بأكمله.
فالرياضة، حين تلامس الضمير الجمعي، تتحول من منافسة بدنية إلى خطاب حضاري، ومن احتفال بالإنجاز إلى تعبير عن الهوية والانتماء، ومن مباراة عابرة إلى حدث تتجاوز أصداؤه حدود المستطيل الأخضر.
في هذا الإطار، جاء المشهد الذي صنعه المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، عقب انتصار المنتخب على نظيره الأسترالي، حين ارتفع علم فلسطين بين أيدي أبناء المنتخب، ثم جاءت كلماته عن معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة لتمنح الصورة بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الاحتفال الرياضي.
لم يكن المشهد بالنسبة إلى كثيرين مجرد تضامن مع شعب يرزح تحت الحرب، بل بدا وكأنه استدعاء لذاكرة مصرية وعربية لم تنقطع يومًا عن اعتبار فلسطين قضية تتجاوز الحسابات السياسية الآنية. ولهذا وجد ملايين العرب في تلك اللحظة تعبيرًا صادقًا عن وجدانهم، ورأوا فيها امتدادًا طبيعيًا لمواقف ظل الرياضيون المصريون يسجلونها عبر العقود، وفي مقدمتها موقف النجم محمد أبو تريكة الذي رسخ في الذاكرة العربية حين أعلن تضامنه مع غزة في واحدة من أكثر اللقطات تأثيرًا في تاريخ الرياضة العربية.
غير أن المشاهد الكبرى نادرًا ما تمر دون أن تثير أسئلة السياسة.
فقد انقسمت القراءات سريعًا إلى اتجاهات متباينة.
فريق رأى في ما جرى موقفًا عفويًا خالصًا، نابعًا من طبيعة الشخصية المصرية التي ظل الارتباط بالقضية الفلسطينية أحد مكوناتها الثقافية والوجدانية. ومن هذا المنظور، لم يكن حسام حسن ولا لاعبو المنتخب بحاجة إلى توجيه أو ترتيب مسبق؛ إذ إن القضية الفلسطينية حاضرة في الضمير الشعبي المصري حضورًا يجعل التعبير عنها أقرب إلى رد الفعل الفطري منه إلى الحسابات السياسية.
وفي المقابل، ذهب آخرون إلى قراءة المشهد من زاوية مختلفة، معتبرين أن الرياضة أصبحت جزءًا من أدوات التأثير السياسي والإعلامي، وأن الرسائل التي تُطلق من الملاعب قد تخدم، بقصد أو بغير قصد، إعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول أو التخفيف من حدة الانتقادات التي تواجهها في ملفات إقليمية شائكة. ومن ثم رأى أصحاب هذا الاتجاه أن اللحظة الرياضية لا يمكن فصلها بالكامل عن السياق السياسي الذي ولدت فيه.
لكن ثمة اتجاهًا ثالثًا يرفض الوقوع في ثنائية "العفوية أو التوجيه"، ويرى أن المشهد قد يجمع بين الأمرين معًا؛ فحتى لو وجد من يقرأه سياسيًا، فإن ذلك لا ينفي صدق مشاعر من قاموا به، ولا يلغي أن الرياضيين، بوصفهم أبناء مجتمعاتهم، يحملون بطبيعة الحال ما يحمله مجتمعهم من قضايا وهموم وانتماءات.
وبين هذه الرويات، يظل الثابت أن القضية الفلسطينية ما تزال تمتلك قدرة نادرة على توحيد الوجدان الشعبي، حتى حين تختلف التقديرات السياسية حول وسائل نصرتها أو طبيعة المواقف المطلوبة.
ولم يكن المشهد الروحي الذي سبق المباراة وأعقبها أقل حضورًا من المشهد السياسي. فقد التقطت الجماهير صور اللاعبين وهم يقرؤون سورة الفاتحة بصوت عال وبصورة جماعية قبل انطلاق اللقاء، ثم يسجدون لله شكرًا مجتمعين مع جهازهم الفني بعد نهايته، فاستقبلها كثيرون باعتبارها تعبيرًا عن حالة من الإيمان الجماعي والتماسك النفسي داخل الفريق.
ويرى أصحاب هذه الرؤية أن الانتصارات الكبرى لا تُصنع بالخطط الفنية وحدها، وإنما تتشكل أيضًا من منظومة القيم التي يعيشها الفريق؛ من الإخلاص، ووحدة الصف، والانضباط، والثقة بالله، والإحساس بأن النجاح لا ينفصل عن رسالة أخلاقية يحملها الإنسان في حياته. ويذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن الارتباط بقضية عادلة يمنح صاحبه طاقة نفسية وروحية إضافية تعزز عزيمته، وهو تفسير إيماني يعبر عن قناعة أصحابه، دون أن ينفي أهمية العمل والاجتهاد والإعداد الفني الذي يبقى أساس كل إنجاز رياضي.
لقد أثبتت هذه الواقعة، مرة أخرى، أن كرة القدم لم تعد لعبة تُقاس قيمتها بعدد الأهداف فحسب، بل أصبحت فضاءً تتصارع فيه الروايات، وتُختبر فيه صورة الدول، وتُعبِّر عبره الشعوب عن ضميرها الجمعي حين تضيق المساحات الأخرى.
فحين يرفع المنتخب المصري علم فلسطين، لا يرى الجميع الصورة ذاتها؛ فهناك من يقرأها موقفًا إنسانيًا خالصًا، وهناك من يراها رسالة سياسية، وآخرون يجمعون بين الأمرين. غير أن الجميع يكاد يتفق على أن فلسطين ما زالت تمتلك مكانة استثنائية في الوعي المصري والعربي، وأن غزة، رغم ما يحيط بها من حصار وحرب، ما تزال قادرة على أن توحد المشاعر حتى وإن فرقت التحليلات.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الرياضة لا تكمن في قدرتها على صناعة الأبطال فحسب، بل في قدرتها على صناعة الرموز. فالهدف قد تنتهي فرحته مع صافرة النهاية، أما الموقف الصادق فيظل حيًا في ذاكرة الشعوب، يتناقله الناس بوصفه شاهدًا على أن الضمير الإنساني لا يزال قادرًا على الكلام، حتى من قلب ملعب لكرة القدم.

