كشفت الحكومة المصرية أمام مجلس النواب مشروع قانون يعيد تنظيم جهاز مستقبل مصر في القاهرة، وينقل تبعيته إلى رئيس الجمهورية، ويمنحه صندوقين وصلاحيات اقتصادية واسعة، بما يرسخ تحوله من مشروع زراعي إلى إمبراطورية عابرة للقطاعات.
ويأتي المشروع بينما تتحمل الأغلبية موجات غلاء وتقشف وديون متصاعدة، لتمنح السلطة كيانًا خرج من عباءة القوات الجوية مزيدًا من المال والأرض والإعفاءات، في مشهد يعيد توزيع الثروة العامة بعيدًا عن الرقابة والمساءلة الشعبية.
صندوق سيادي بأموال عامة ومفاتيح رئاسية
وبدايةً، ينشئ المشروع صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية أهرامات النيل، باستقلال فني ومالي وإداري، ويتيح له الاستثمار داخل البلاد وخارجها، وإعادة استثمار العوائد، وتلقي الموارد وفق نسب وآليات يحددها رئيس الجمهورية.
وفي المقابل، لا يربط النص تدفق الموارد إلى الصندوق بموافقة برلمانية سنوية واضحة، بل يجعل برنامج التمويل مقترحًا من رئيس الجهاز ومقرًا من مجلس الإدارة، قبل أن تتحدد النسب والآليات بقرار رئاسي.
وفوق ذلك، يمنح الصندوق الجديد المزايا والإعفاءات والحوافز والضمانات نفسها المقررة لصندوق مصر السيادي، بينما يستثنيه مع الجهاز من قواعد تحويل نسب من الأرصدة والفوائض إلى الخزانة العامة، بما يقلص الموارد المتاحة للموازنة.
وبالتالي، يصبح توجيه جزء من أرباح الصندوق إلى الخزانة احتمالًا سياسيًا لا التزامًا ماليًا ثابتًا، إذ يجيز المشروع للرئيس تحويل نسبة بين 7% و10% من العوائد الحقيقية السنوية، بعد عرض وزير المالية.
ومن ثم، لا تضمن الدولة سوى حصة محدودة من عوائد أصول وموارد عامة قد تنتقل إلى كيان مستقل، بينما تحتفظ الرئاسة بسلطة تحديد التمويل والتحويل، وهي معادلة تضع المال العام في دائرة القرار التنفيذي المغلق.
وفي هذا السياق، يرى الباحث يزيد صايغ أن مشكلة جهاز مستقبل مصر الأساسية ليست غياب الإنجاز المعلن، بل استحالة التحقق المستقل من التكاليف والعوائد الحقيقية، بسبب استمرار التعتيم على البيانات المالية وشروط عمله وعقوده.
وعلى الرغم من أن الصندوق يُقدَّم بوصفه أداة لحماية حقوق الأجيال المقبلة، فإن غياب تفاصيل الرقابة ونشر الحسابات يطرح سؤالًا أبسط، كيف تُحمى الثروة العامة عندما لا يعرف المواطنون أصلًا كيف تُدار أو لمن تعود أرباحها.
جهاز عابر للدولة ومنافس يعمل بقواعده الخاصة
أما التحول الأخطر، فيكمن في إعادة بناء الجهاز نفسه كهيئة اقتصادية شاملة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، مع استقلال فني ومالي وإداري، وصلاحيات للاقتراض وتأسيس الشركات وتلقي المنح والهبات وإدارة المشروعات القومية والاقتصادية.
كذلك، تمتد أنشطة الجهاز من الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية إلى الصناعة واللوجستيات والسياحة والبناء والطاقة والمياه والتعليم والكهرباء والاتصالات والتكنولوجيا الرقمية، مع فتح الباب لإضافة قطاعات جديدة بقرارات إدارية لاحقة.
وعلاوة على ذلك، يقرر المشروع موازنات مستقلة للجهاز والصندوقين، تُعد وتنفذ وتراقب وفق لوائح داخلية ومعايير محاسبية، من دون التقيد بالقوانين والقواعد والنظم الحكومية التي تخضع لها بقية أجهزة الدولة.
غير أن الاستثناء لا يتوقف عند الإدارة، إذ تشير المسودة إلى عدم خضوع الكيان لقوانين الهيئات العامة والخدمة المدنية والتعاقدات الحكومية والحد الأقصى للأجور، مع إعفاءات ضريبية ورسوم متعددة لعمليات وأصول بعينها.
وبناءً على ذلك، تتشكل ساحة اقتصادية غير متكافئة، لأن الجهاز يستطيع منافسة الشركات العامة والخاصة بامتيازات لا تتاح لها، وهو جوهر التحذير القديم للباحث عمرو عادلي من أثر توسع المؤسسات العسكرية على مستقبل القطاع الخاص.
كما أن عادلي ربط المشكلة بفارق الموارد والصلاحيات، موضحًا أن الشركات الخاصة لا تستطيع منافسة جهات تملك نفاذًا إلى موارد مالية وبشرية وإدارية استثنائية، وهو فارق يزداد اليوم مع اتساع الاستثناءات القانونية والضريبية.
لذلك، لا يبدو نقل التبعية من القوات الجوية إلى الرئاسة انسحابًا حقيقيًا للمؤسسة العسكرية من الاقتصاد، بقدر ما يبدو إعادة تغليف قانونية لذراع توسع أصلًا في القمح والبحيرات والعقارات والطاقة وسلاسل الإمداد.
وبهذا المعنى، يحذر الباحث تيموثي قلداس من أن توسع اللاعبين المرتبطين بالمؤسسة العسكرية والسلطة يضعف جاذبية الاقتصاد للمستثمرين، لأن المنافسة تصبح محكومة بالقرب من مراكز القوة أكثر من الكفاءة أو تكافؤ الفرص.
أراضي الدولة ومناطق خاصة وسلطة فوق الوزارات
وفي المحور الثالث، يمنح المشروع الجهاز سلطة إدارة مناطق للتنمية المستدامة تُنشأ بقرار رئاسي، وتنتقل إليه داخلها أراض ومرافق وحقوق إدارة، مع تراخيص وتنظيمات خاصة وإعفاءات تضاهي المزايا المقررة للمناطق الحرة.
ومن ناحية أخرى، يستطيع الجهاز وضع قواعد مستقلة للاستثمار والتسجيل والرسوم داخل تلك المناطق، وإصدار تراخيص البحث واستغلال المناجم والمحاجر والملاحات، بما يجمع في يد الكيان دور المالك والمنظم والمرخص والمستثمر.
إضافة إلى ذلك، يمنح المشروع هذه المناطق قواعد خاصة للتصدير والاستيراد دون التقيد الكامل بالنظم المعتادة، وهو ما يخلق نطاقات اقتصادية واسعة تعمل بمنظومة استثنائية، بينما تتحمل الشركات خارجها كلفة القواعد والضرائب والرقابة.
ولزيادة نطاق السيطرة، يسمح القانون للوزارات والهيئات بإنابة الجهاز في الإشراف على أملاكها العامة وإدارتها واستغلالها والتصرف في أملاكها الخاصة، كما يتيح للرئيس إصدار قرار الإنابة مباشرة وتحديد المقابل والمدة والشروط.
وعند هذه النقطة، لا يعود الجهاز مجرد منفذ لمشروعات محددة، بل يتحول إلى بوابة محتملة لنقل إدارة أصول الدولة وحقوق استغلالها، من الوزارات والهيئات الخاضعة نسبيًا للرقابة، إلى كيان يتمتع باستثناءات أوسع.
وفي الوقت نفسه، يتيح المشروع للجهاز ضم أموال وأصول وحصص في شركات مملوكة للدولة، وفق قرارات تنفيذية، بينما لا يشترط النص المنشور مسارًا برلمانيًا تفصيليًا لكل عملية نقل، ما يوسع فجوة المساءلة.
ومن زاوية اجتماعية، يضيف المشروع صندوقًا خدميًا باسم داعم، يوجه عوائد استثمارية إلى التعليم والصحة والإسكان والبنية الأساسية، لكن إنشاء قناة موازية للإنفاق يثير سؤالًا عن تآكل دور الموازنة العامة وأولوياتها الدستورية.
في المقابل، تستطيع السلطة تقديم هذا الصندوق باعتباره ذراعًا للعدالة الاجتماعية، بينما تبقى المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية رهينة أزمة تمويل مزمنة، ويصبح الإنفاق الاجتماعي مرتبطًا بعوائد كيان يدار خارج القواعد الحكومية المعتادة.
وأخيرًا، تكشف المسودة اتجاهًا يتجاوز إصلاح جهاز بعينه، نحو بناء اقتصاد رئاسي مواز يمتلك أصولًا وصناديق ومناطق خاصة وشركات وامتيازات، فيما تنكمش قدرة البرلمان والحكومة التقليدية على تتبع حركة المال العام.
وحصيلة ذلك، أن القانون لا يعيد تنظيم مستقبل مصر فقط، بل يعيد رسم حدود الدولة نفسها، بين مؤسسات تخضع للضرائب والقواعد والموازنات، وكيانات فوقها تستحوذ على الموارد وتقرر الرئاسة وحدها مقدار ما يعود منها إلى الخزانة.

