وافق مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار، برئاسة وزير السياحة والآثار شريف فتحي، على رفع أسعار زيارة مواقع الواحات البحرية، لتصل تذكرة الأجنبي إلى 400 جنيه والمصري إلى 40 جنيها، بدءا من 1 أكتوبر، بما يفتح جدلا حول كلفة الوصول للتراث.
ويكشف القرار مرة أخرى كيف تتحول مواقع المصريين التاريخية إلى أبواب جباية متدرجة، بينما تعاني الأسر من ضغوط معيشية متصاعدة، فتبدو الدولة أكثر حرصا على تحديث قوائم الأسعار منها على ضمان حق الناس في معرفة تاريخهم وزيارته.
مشاهدة التراث بسعر متصاعد
وبداية، لا تبدو تذكرة المصري البالغة 40 جنيها رقما ضخما منفردا، لكن الحساب يتغير حين تزور أسرة من خمسة أفراد الموقع، فتدفع 200 جنيه قبل احتساب الانتقال والطعام والإقامة وغيرها من المصروفات الضرورية للرحلة.
وعندئذ، يتحول الوصف الرسمي للأسعار بأنها رمزية إلى تعبير منفصل عن واقع ميزانيات الأسر، لأن الرمز الصغير بالنسبة إلى الجهة المسعرة قد يصبح بندا ثقيلا عندما تتكرر الزيارات وتتضاعف التكاليف المرافقة للموقع البعيد.
كما أن الواحات البحرية ليست موقعا داخل مدينة كبرى يمكن الوصول إليه بوسيلة نقل يومية زهيدة، بل مقصد يتطلب رحلة أطول وترتيبات إضافية، ما يجعل سعر التذكرة مجرد جزء من فاتورة أوسع يدفعها المواطن قبل رؤية الأثر.
وفوق ذلك، يأتي القرار ضمن مسار طويل من الزيادات في مواقع أثرية مختلفة، إذ سجلت تذاكر الأهرامات زيادات متتالية خلال العقد الأخير، وهو ما يجعل الزيادة الجديدة حلقة أخرى في سياسة تتقدم تدريجيا دون نقاش عام كاف.
ومن زاوية أخرى، قال الباحث الأثري بسام الشماع إن رفع أسعار التذاكر قد يؤدي إلى عزوف نسبي لدى بعض الزائرين، مشددا على أن قيمة الزائر لا تتوقف عند ثمن الدخول، بل تمتد إلى إنفاقه على خدمات متعددة.
وبالتالي، فإن تحويل التذكرة إلى أداة أساسية لتعظيم الإيراد قد يهمل حقيقة اقتصادية أبسط، وهي أن خفض عدد الزيارات يمكن أن يقلص إنفاقا آخر على النقل والطعام والهدايا والخدمات المحلية المحيطة بالمقصد الأثري.
وفي المقابل، يدافع مؤيدو الزيادات عن ضرورة توفير موارد للترميم والتطوير وتحسين تجربة الزيارة، وهي حجة مفهومة نظريا، لكنها تظل ناقصة ما لم تكشف السلطة بوضوح كيف تدار الحصيلة وأين تذهب عوائد كل زيادة.
غير أن غياب هذا الربط العلني بين ما يدفعه الزائر وما يتحسن فعليا يترك الباب مفتوحا للشك، لأن المواطن يرى سعرا أعلى فوريا، بينما لا يتلقى في المقابل كشفا مفصلا يوضح نصيبه من التطوير والخدمة.
البحث عن وسائل أرخص لمواجهة الغلاء
ومع احتساب الأسرة لا الفرد، يظهر الوجه الأكثر قسوة للقرار، فزيارة خمسة بالغين تعني 200 جنيه للتذاكر وحدها، بينما تدفع أسرة من ستة أفراد 240 جنيها، قبل أي مصروف آخر يتعلق بالرحلة أو الإقامة.
ولذلك، فإن القول إن 40 جنيها مبلغ محدود يتجاهل طريقة إنفاق الأسر فعليا، فالناس لا تزور المواقع الأثرية فرادى دائما، ولا تتحرك بلا تكلفة، ولا تعيش خارج سياق ارتفاع الأسعار الذي يضغط على كل قرار ترفيهي.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي دياب محمد إن التضخم التهم مدخرات المصريين وخلخل أوضاع الطبقات، معتبرا أن كثيرين يبحثون عن وسائل أرخص لمواجهة الغلاء، وهو توصيف يفسر لماذا تصبح الرحلات أول البنود القابلة للتقليص.
ومن ثم، لا يمكن عزل زيادة التذاكر عن تراجع القوة الشرائية، لأن الأسرة التي تعيد ترتيب أولويات الغذاء والمواصلات والتعليم لن تتعامل مع الزيارة الأثرية باعتبارها حقا ثقافيا محميا، بل مصروفا يمكن تأجيله أو إلغاؤه.
علاوة على ذلك، أكد الخبير الاقتصادي ياسر حسين أن الأزمة الحقيقية تكمن في تآكل القوة الشرائية للجنيه بعد موجات التعويم، وأن زيادات الأجور تفقد أثرها أمام الغلاء، ما يضع أي رسوم إضافية داخل سياق أشمل.
وبناء على ذلك، تبدو سياسة التسعير الحكومية وكأنها تقيس قدرة المواطن بالرقم الاسمي لا بالقيمة الحقيقية لدخله، فتعتبر 40 جنيها مبلغا بسيطا، بينما تتجاهل ما خسره الجنيه وما ارتفع حول التذكرة من تكاليف.
ولزيادة الضغط، لا تتوقف أعباء الزيارة عند شباك التذاكر، فالموقع البعيد يفرض وقودا أو تذاكر نقل وربما مبيتا وطعاما، ما يجعل القرار أشبه بزيادة في فاتورة رحلة كاملة، لا مجرد تعديل محدود لسعر ورقة دخول.
وبهذا المعنى، تتحول الزيادة المتكررة إلى حاجز طبقي هادئ، لا يمنع المواطن بقرار صريح، لكنه يراكم عليه تكاليف تجعل زيارة تاريخ بلاده نشاطا أقل انتظاما وأكثر ارتباطا بمن يملك فائضا ماليا يسمح بالرحلة.
السياحة الداخلية تتراجع
أما على مستوى السياحة الداخلية، فإن الخطر لا يتعلق بانهيار فوري في أعداد الزوار، بل بتآكل تدريجي في عادة الزيارة نفسها، حين تصبح الرحلات الأثرية موسمية ونادرة بدلا من كونها جزءا متكررا من الحياة الثقافية.
وفي السابق، أظهرت قرارات تخفيض تذاكر المواقع الأثرية للمصريين اعترافا رسميا بأن السعر أداة مؤثرة في تشجيع الزيارة ورفع الوعي، وهو ما يجعل رفع الأسعار اليوم بحاجة إلى تفسير يتجاوز مجرد الحاجة العامة إلى الإيرادات.
كذلك، رأى خبراء سياحيون عند مناقشة زيادات سابقة أن حساب الأسرة المكونة من خمسة أو ستة أفراد يغير تقييم السعر تماما، محذرين من أن توقيت الزيادة وسط التضخم قد يؤثر في معدلات الزيارة المحلية.
ومع ذلك، تصر الجهات الرسمية عادة على أن أسعار المصريين تظل محدودة مقارنة بالأجانب، لكن المقارنة بين فئتين مختلفتين لا تجيب عن السؤال الحقيقي، وهو هل يستطيع المواطن المصري نفسه تحمل الزيارة بصورة متكررة أم لا.
وفي الأثناء، يصبح الاعتماد على السائح الأجنبي مصدرا للعملة الصعبة مبررا مفهوما لفوارق التسعير، لكنه لا يبرر التعامل مع المواطن باعتباره زائرا ثانويا في تراثه، ولا يعفي الدولة من حماية الإتاحة الثقافية للأسر.
ثم إن الباحث بسام الشماع لفت إلى أن إنفاق الزائر يمتد خارج سعر التذكرة، وهي نقطة تكشف قصور السياسة التي تركز على رفع ثمن الدخول، بينما قد يكون جذب أعداد أكبر أكثر فائدة للاقتصاد المحلي المحيط بالمواقع.
ولهذا، فإن المعيار العادل ليس مقدار ما تستطيع الدولة تحصيله من كل بوابة، بل مقدار ما تضمنه من وصول الناس إلى تاريخهم، مع تمويل الصيانة عبر سياسة شفافة ومتوازنة لا تطرد الأسر الأقل قدرة.
وفي النهاية، تكشف زيادة تذاكر الواحات البحرية أزمة أوسع من 40 جنيها، فالمسألة تتعلق بدولة ترفع كلفة الوصول إلى التراث بينما تتآكل دخول المواطنين، ثم تطلب منهم تصديق أن كل زيادة تظل رمزية مهما تكررت.
وأخيرا، يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه قرارات التسعير: هل تريد الحكومة مواقع أثرية ممتلئة بالمصريين أم خزائن تذاكر أعلى حصيلة، لأن الجمع بين الهدفين يحتاج سياسة اجتماعية معلنة، لا زيادات متتابعة تفرض ثم تبرر لاحقا.

