كشف الخبير الاقتصادي فخري الفقي أن المصريين فقدوا نحو 37% من قوتهم الشرائية خلال السنوات الثلاث الماضية في مصر بعد تجاوز متوسط التضخم 34% مقابل زيادات دخل لم تتخط 15% بما عمق أزمة المعيشة.

 

ويضع هذا الاعتراف الصادر عن رئيس لجنة الخطة والموازنة السابق الأزمة في قلب السياسة الاقتصادية لا على هامشها إذ تكشف الأرقام أن المواطن دفع من دخله الحقيقي ثمن الغلاء بينما اكتفت الحكومة بزيادات أجور أبطأ كثيرا من الأسعار.

 

وبالتالي لم تعد المشكلة مجرد شكوى يومية من ارتفاع السلع بل تحولت إلى خسارة تراكمية واسعة أصابت الفقراء والطبقة الوسطى معا وأجبرت ملايين الأسر على إعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط الاحتياجات الأساسية.

 

كما أن وصف الفقي للمواطن البسيط بأنه يسير على صفيح ساخن يعكس حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي عن التحسن وبين واقع أسرة تصل إلى نهاية الشهر وقد استنفدت دخلها قبل تلبية ضرورياتها.

 

وفي المقابل تكشف نسبة التآكل البالغة 37% أن الزيادة الاسمية في المرتبات لم تكن زيادة حقيقية في مستوى المعيشة لأن ما حصل عليه الموظف من علاوات ابتلعته الأسعار قبل أن يتحول إلى قدرة شراء.

 

ولذلك تبدو سنوات التضخم المرتفع أقرب إلى اقتطاع غير معلن من دخول المواطنين إذ بقي الراتب مكتوبا بقيمة أكبر بينما انخفض ما يستطيع شراءه من غذاء ودواء ونقل وتعليم وخدمات بصورة حادة.

 

ومن ثم فإن الفئات ذات الدخل الثابت كانت الأكثر تعرضا للضرر لأنها لا تملك آلية فورية لملاحقة الأسعار بينما تستطيع الشركات والتجار تعديل الأسعار ويظل الموظف وصاحب المعاش محاصرين بدخل يتغير ببطء.

 

غير أن خطورة المشهد لا تتوقف عند الاستهلاك اليومي لأن تآكل الدخل يدفع الأسر إلى سحب مدخراتها وتأجيل العلاج والتعليم وتقليص جودة الغذاء وهو ما يحول التضخم من أزمة أسعار إلى أزمة اجتماعية ممتدة.

 

وعلى هذا الأساس يؤكد صندوق النقد الدولي أن التضخم يقلص القوة الشرائية عندما تتحرك الأسعار أسرع من الأجور وهو توصيف يطابق ما حدث في مصر خلال السنوات التي اتسعت فيها الفجوة بين الدخل والأسعار.

 

الأسعار سبقت الرواتب

 

وأوضح الخبير الاقتصادي محمد أبو باشا أن استقرار سعر الصرف ساهم في تخفيف الضغوط التضخمية مؤخرا لكن هذا التحسن لا يلغي الخسائر السابقة ولا يعيد تلقائيا ما فقدته الأسر من قدرتها على الإنفاق.

 

وفوق ذلك فإن انخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها القديمة بل يعني فقط أن الأسعار ترتفع بسرعة أبطأ وهي حقيقة تجعل الاحتفاء بتراجع المؤشر منفصلا عن شعور المواطن داخل الأسواق.

 

ولزيادة وضوح الصورة فإن من كان يحتاج إلى مبلغ محدد لتغطية الطعام والمواصلات والدواء قبل موجات الغلاء بات يحتاج إلى دخل أكبر بكثير بينما بقيت الزيادات الحكومية أقل من الفجوة المتراكمة في تكاليف الحياة.

 

وبهذا المعنى لا يمكن قياس نجاح السياسة الاقتصادية بانخفاض المؤشر الشهري وحده لأن معيار المواطن مختلف ويتمثل في قدرته على شراء السلة نفسها دون الاستدانة أو حذف احتياجات أساسية من ميزانية أسرته.

 

علاوة على ذلك تشير تقديرات البنك الدولي إلى بقاء آثار موجة التضخم السابقة على الأسر المصرية رغم تراجع المعدلات وهو ما يعني أن الجرح الاجتماعي يستمر بعد هدوء الرقم الرسمي ولا يختفي بمجرد تباطؤ الأسعار.

 

وبناء على ذلك فإن الطبقة الوسطى لم تعد محمية بموقعها التقليدي لأن أصحاب الرواتب والمهنيين تراجعوا أمام تكاليف السكن والتعليم والصحة والنقل وأصبح كثير منهم يدير العجز بدلا من التخطيط للادخار أو التحسن.

 

أما الفقراء فكانت الخسارة أشد قسوة لأن الجزء الأكبر من دخلهم يذهب إلى الغذاء والطاقة والخدمات الضرورية وهي بنود لا يمكن حذفها بسهولة ولذلك يتحول كل ارتفاع جديد إلى خصم مباشر من احتياجات أساسية.

 

وفي السياق نفسه يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن مسار التضخم قد يتعرض لتسارع قصير الأجل عند حدوث صدمات جديدة وهو تحذير يكشف هشاشة التحسن إذا عاد ضغط الوقود أو الصرف أو التكاليف العالمية.

 

ومع ذلك فإن السياسات الرسمية ظلت تقدم الزيادات المتقطعة في الأجور باعتبارها حماية اجتماعية رغم أن أرقام الفقي نفسها تثبت أن متوسط الزيادة ظل أقل كثيرا من متوسط التضخم خلال أصعب سنوات الأزمة.

 

تعاف بطيء وخسائر باقية

 

لهذا فإن الحديث عن انفراجة يحتاج إلى معيار أكثر صرامة من مجرد تراجع التضخم إذ يجب أن تنمو الدخول الحقيقية لسنوات متتالية بمعدل يفوق الأسعار حتى تسترد الأسر جزءا مما فقدته بالفعل.

 

وأشار الفقي إلى أن العام المالي الماضي شهد تراجع التضخم إلى نحو 13.5% مقابل زيادة بلغت 15% في الأجور والمعاشات وهو فارق إيجابي محدود لا يتجاوز 1.5% بعد سنوات من خسائر أكبر بكثير.

 

وعليه فإن هذا الهامش الصغير لا يمثل تعويضا عن تآكل بلغ 37% بل بداية بطيئة جدا لمسار استرداد قد يحتاج سنوات طويلة وهو ما يفسر لماذا لا يشعر كثير من المواطنين بتحسن رغم تراجع التضخم.

 

وفي المقابل دعا الفقي إلى زيادات سنوية لا تقل عن 20% في الأجور والمعاشات حتى 2030 بالتوازي مع خفض التضخم إلى نحو 7% باعتبار ذلك الطريق الضروري لاستعادة جزء من القوة الشرائية المفقودة.

 

ومن ناحية أخرى تكشف هذه الدعوة أن الأزمة لن تنتهي بقرارات مؤقتة أو علاوات موسمية لأن معالجة الخسارة المتراكمة تحتاج سياسة دخل ممتدة ترتبط بمؤشرات الأسعار وتضع حماية المعيشة قبل التفاخر بالأرقام الكلية.

 

وإضافة إلى ذلك فإن ربط الأجور بالتضخم يجب ألا يبقى شعارا لأن أي زيادة تقل عن ارتفاع الأسعار تعني عمليا خفض الأجر الحقيقي حتى لو بدا الرقم في كشف المرتب أكبر من العام السابق.

 

وبالمثل فإن السيطرة على التضخم مسؤولية تتجاوز البنك المركزي وحده لأن أسعار الغذاء والطاقة والنقل والضرائب والرسوم تتأثر أيضا بقرارات حكومية مباشرة تستطيع إبطال أثر أي زيادة في الرواتب خلال أشهر قليلة.

 

وفي النهاية تبدو أرقام فخري الفقي شهادة من رمز من رموز المؤسسة التشريعية السابقة على حجم الفاتورة التي دفعها المصريون إذ تآكل أكثر من ثلث قدرتهم الشرائية بينما ظل خطاب التحسن أسرع من تحسن حياتهم.

 

وأخيرا فإن استعادة ما فقده المواطن لن تتحقق بإعلان انخفاض التضخم وحده بل بسنوات من نمو الدخول فوق الأسعار وحماية الفئات الأضعف ومراجعة القرارات التي تنقل كلفة الإصلاح إلى جيوب الأسر نفسها.