أعلن الديوان الأميري القطري، صباح الأحد 12 يوليو 2026، وفاة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، المعروف بلقب «الأمير الوالد»، عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد مسيرة سياسية امتدت لعقود وشهدت تحولات واسعة في بنية الدولة القطرية واقتصادها وحضورها الإقليمي والدولي.
وقال الديوان الأميري في بيان النعي إن الشيخ حمد بن خليفة «وافته المنية صباح اليوم الأحد 27 محرم 1448، الموافق 12 يوليو 2026»، واصفًا إياه بـ«فقيد الوطن الكبير». كما أعلن الحداد العام في البلاد لمدة أربعة أيام، وحدد موعد الصلاة على جثمانه بعد صلاة المغرب في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب بمدينة الدوحة، على أن يُوارى الثرى في مقبرة لوسيل.
ومن المقرر أن يستقبل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني المعزين من قادة الدول وأفراد الأسرة الحاكمة والأعيان والمواطنين في قصر لوسيل خلال أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء، في وقت توالت فيه رسائل التعزية من قادة ومسؤولين عرب ودوليين، أشادوا بدور الأمير الراحل في تحويل قطر إلى دولة حديثةوتعزيز مكانتها السياسية والاقتصادية.
من المؤسسة العسكرية إلى تولي الحكم وبناء مؤسسات الدولة
ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في يناير 1952 بمدينة الدوحة، حيث تلقى تعليمه في مراحله الأولى، قبل أن يلتحق بكلية «ساندهيرست» العسكرية في بريطانيا، ويتخرج فيها عام 1971. وبعد عودته إلى قطر، انضم إلى القوات المسلحة وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة لواء، وأسهم في تطوير قدراتها من حيث التنظيم والتسليح والتجهيز.
وفي 31 مايو 1977، بويع الشيخ حمد وليًا للعهد، وعُيّن وزيرًا للدفاع، ثم تولى عام 1989 رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط، الذي كان مسؤولًا عن رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وقد أتاحت له هذه المناصب الاطلاع المباشر على ملفات الأمن والدفاع والتخطيط والتنمية، قبل أن يتولى مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995.
وجاء وصوله إلى السلطة بعد انقلاب أبيض على والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، بدعم من القوات المسلحة القطرية ومجلس الوزراء وبعض الدول المجاورة. ومنذ بداية حكمه، شرع في تنفيذ خطط إصلاحية وتنموية شملت قطاعات الاقتصاد والطاقة والتعليم والصحة والثقافة والرياضة والإعلام والبنية التحتية.
وفي عام 1999، أعلن تشكيل لجنة تضم 32 عضوًا لإعداد أول مشروع دستور مكتوب في تاريخ قطر، ومنحها ثلاث سنوات لتقديم مقترحاتها. وتمت الموافقة على مسودة الدستور عبر استفتاء عام 2003، قبل أن يدخل حيز التنفيذ في منتصف عام 2005.
وقد اعتُبرت هذه الخطوات في ذلك الوقت بداية لمسار سياسي جديد، إلا أن التجربة الانتخابية شهدت لاحقًا تراجعًا، بعدما أقرت تعديلات دستورية في عام 2024 إلغاء الانتخاب الجزئي لأعضاء مجلس الشورى، والعودة إلى نظام التعيين الكامل من قبل الأمير.
وفي عام 2003، وافق الشيخ حمد على تنازل نجله الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني عن ولاية العهد لصالح شقيقه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي أصبح وليًا للعهد، قبل أن يتسلم الحكم بعد عشر سنوات.
طفرة الغاز وتأسيس الجزيرة وتحول قطر إلى مركز إقليمي
ارتبط عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بتحول اقتصادي واسع اعتمد بصورة أساسية على تطوير قطاع الغاز الطبيعي، ولا سيما حقل الشمال. وبدأت قطر تصدير الغاز الطبيعي المسال عام 1996، ثم توسعت قدرتها الإنتاجية بصورة متسارعة حتى أصبحت في عام 2006 أكبر مصدر للغاز المسال في العالم.
وبحلول عام 2010، بلغت الطاقة الإنتاجية القطرية نحو 77 مليون طن سنويًا، وهو ما وفر للدولة موارد مالية ضخمة أسهمت في تمويل مشروعات البنية التحتية والخدمات العامة والاستثمارات الخارجية. وبحسب ما أورده الديوان الأميري، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لقطر خلال حكم الشيخ حمد أكثر من 24 مرة، كما ارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو ست مرات.
ولم يقتصر التحول على قطاع الطاقة، بل امتد إلى التعليم والصحة والرياضة والثقافة والإعلام، إلى جانب إطلاق مشروعات استهدفت بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة. وخلال حكمه وُضعت «رؤية قطر الوطنية 2030»، التي هدفت إلى تحويل البلاد إلى دولة متقدمة قادرة على الجمع بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية والاجتماعية.
وفي عام 1996، أعلن الشيخ حمد تأسيس قناة الجزيرة الإخبارية، التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أبرز القنوات الإخبارية العربية وأكثرها تأثيرًا. وضمت القناة عند انطلاقها عددًا من صحفيي قناة «بي بي سي العربية» الفضائية الأولى، التي كانت قد أغلقت في العام نفسه.
وقد أسهمت الجزيرة في تعزيز النفوذ الإعلامي لقطر، وتحويل الدوحة إلى مركز مهم في المشهد الإعلامي والسياسي العربي. كما أثارت القناة منذ تأسيسها جدلًا واسعًا بسبب طبيعة تغطيتها وفتحها المجال أمام أصوات سياسية وفكرية متباينة، وهو ما جعلها جزءًا أساسيًا من مشروع الحضور القطري خارج حدود الدولة.
وترافقت الطفرة الاقتصادية والإعلامية مع توسع في الدور الدبلوماسي، إذ تحولت قطر في عهد الشيخ حمد إلى وسيط في عدد من الأزمات الإقليمية، وسعت إلى الجمع بين علاقات متشابكة مع قوى ودول متعارضة.
مواقف إقليمية وتسليم هادئ للسلطة
شارك الشيخ حمد بن خليفة في عدد من الملفات الإقليمية البارزة. ففي عام 2006، توسطت قطر بين حزب الله وإسرائيل خلال الحرب على لبنان، وزار الشيخ حمد المناطق المتضررة في جنوب لبنان، كما ساهمت بلاده في جهود الإعمار والتخفيف من معاناة المتضررين.
وفي عام 2009، قررت قطر قطع علاقاتها التجارية مع إسرائيل عقب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، بعدما كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي تربطها بإسرائيل علاقات تجارية في ذلك الوقت.
وفي المقابل، شاركت قطر عام 2011 في الحملة العسكرية التي قادها حلف شمال الأطلسي ضد نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، كما شاركت في مؤتمر دعم ليبيا الجديدة الذي عُقد في العاصمة الفرنسية باريس. وقد عكس ذلك انخراطًا متزايدًا في التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال تلك المرحلة.
وفي 25 يونيو 2013، أعلن الشيخ حمد بن خليفة تسليم السلطة إلى نجله وولي عهده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلمي للحكم لفت الأنظار عربيًا ودوليًا. وقال في خطاب التنازل إن البلاد تنتقل إلى «عهد جديد» تقوده قيادة شابة تعمل لتحقيق طموحات الأجيال المقبلة مستفيدة من خبرتها ومعرفتها بالواقع المحلي والإقليمي والدولي.
وعقب إعلان وفاته، توالت رسائل النعي من عدد من قادة الدول. وقدم رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تعازيه إلى الشيخ تميم بن حمد وإلى الشعب القطري، داعيًا الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته.
كما أعرب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن تعازيه لدولة قطر أميرًا وحكومة وشعبًا، فيما وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون رحيل الشيخ حمد بأنه خسارة لقطر ولبنان والعالم العربي، مشيرًا إلى مواقفه الداعمة للبنان خلال حرب يوليو 2006.
وقدم رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تعازيهم للقيادة والشعب القطريين. وعلى المستوى الدولي، نعى الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري الأمير الراحل، مشيدًا بقيادته وإسهاماته في تنمية قطر، كما وصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الشيخ حمد بأنه قائد صاحب رؤية قاد بلاده إلى مستويات عالية من التنمية والازدهار، وقدم رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم تعازيه للأسرة الحاكمة والشعب القطري.
وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي قطر صفحة أحد أبرز حكامها في العصر الحديث، وهو الحاكم الذي ارتبط اسمه بطفرة الغاز، وتأسيس الجزيرة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوسيع الحضور القطري في المنطقة والعالم، قبل أن يختار تسليم السلطة إلى جيل جديد عام 2013.

