تلقى مركز الشهاب لحقوق الإنسان استغاثة من أسرة المحتجز فاروق أحمد داخل سجن المنيا 2، تتهم فيها مسؤولين بالاعتداء عليه بالضرب والتعذيب والإهانة ومصادرة متعلقاته، بما أثار مخاوف جدية على حياته وسلامته.

 

وتكشف هذه الاستغاثة، إن صحت تفاصيلها، جانبًا جديدًا من كلفة القمع داخل أماكن الاحتجاز، حيث يتحول غياب الرقابة والمحاسبة إلى غطاء يسمح بإذلال المحتجزين، بينما تبقى أسرهم معلقة بين الخوف والصمت وانتظار تدخل لا يأتي.

 

وبحسب رواية الأسرة التي نقلها مركز الشهاب، تعرض فاروق أحمد للضرب المبرح وسوء المعاملة القاسية والمهينة، إلى جانب توجيه عبارات سب وإهانة متكررة بحقه، في ممارسات قالت إنها استهدفت كسر إرادته والحط من كرامته.

 

كما أفادت الأسرة بمصادرة متعلقاته الشخصية ومستلزماته داخل السجن بصورة تعسفية، وهو ما يضاعف عزلته ويحرمه من أبسط احتياجاته اليومية، ويضع إدارة السجن أمام مسؤولية مباشرة عن ضمان حقوقه وسلامته وظروف احتجازه.

 

وفي المقابل، لم يتسن العثور على رد معلن من وزارة الداخلية أو إدارة سجن المنيا 2 بشأن هذه الادعاءات، وهو ما يجعل التحقيق المستقل ضرورة لحسم الوقائع ومنع تحول الاتهامات الخطيرة إلى مادة للتجاهل أو التوظيف السياسي.

 

 

انتهاكات تحت الحراسة

 

وحددت الأسرة في استغاثتها أسماء عدد من العاملين داخل السجن، هم رئيس المباحث أحمد صدقي، والملازم أول محمد قطب، والمخبر حسين رمضان، ومسيّر السجن سامح، بوصفهم متورطين وفق شهادتها في الانتهاكات المبلغ عنها.

 

ومع خطورة هذه الاتهامات، تظل الأسماء الواردة محل ادعاء يحتاج إلى تحقيق قضائي جاد، لا إلى إدانة مسبقة أو طمس إداري، لأن حماية الضحية وضمان حقوق المتهمين يبدآن مع جمع الأدلة وسماع الشهود وفحص الإصابات.

 

ومن ناحية أخرى، تؤكد المادة 52 من الدستور المصري أن التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم، بما ينزع عن أي جهة رسمية حق الاحتماء بالرتبة أو التعليمات أو مرور الزمن لتجنب المساءلة.

 

وبالتالي، فإن أي اعتداء يثبت وقوعه داخل مكان احتجاز لا يمكن اختزاله في مخالفة تأديبية، لأن مسؤولية الدولة تشمل منع التعذيب والتحقيق فيه ومعاقبة مرتكبيه وتعويض الضحية، لا الاكتفاء بنقل موظف أو إصدار بيان إنكاري.

 

وفي هذا السياق، سبق للمحامي الحقوقي نجاد البرعي أن حذر من بطء تعامل النيابة والقضاء مع بلاغات التعذيب، معتبرًا أن غياب الحسم السريع يرسخ الإفلات من العقاب ويبعث رسالة سلبية إلى الضحايا والشهود.

 

ومن ثم، تصبح سرعة التحقيق في واقعة فاروق أحمد معيارًا لاختبار جدية المؤسسات، خصوصًا مع تحديد الأسرة أسماء بعينها ووقائع محددة يمكن التحقق منها عبر سجلات السجن وكاميرات المراقبة وتقارير العيادة وشهادات المحتجزين.

 

وعلاوة على ذلك، لا يجوز أن يبقى المحتجز داخل نطاق سلطة الأشخاص المشكو في حقهم أثناء التحقيق، لأن استمرار الاحتكاك يفتح الباب للانتقام أو الضغط أو إجباره على التراجع عن أقواله أو إخفاء آثار الاعتداء.

 

 

تحقيق لا يحتمل التأجيل

 

وطالب مركز الشهاب النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل وشفاف ومستقل، يشمل سؤال المسؤولين المذكورين والمشرفين عليهم، وفحص أوامر الخدمة وسجلات الدخول والتفتيش والتأديب، ومراجعة أي تسجيلات يمكن أن تكشف ظروف الواقعة.

 

كما دعا المركز إلى عرض فاروق أحمد على الطب الشرعي سريعًا لإثبات الإصابات وتحديد طبيعتها وتوقيتها، لأن تأخير الفحص قد يؤدي إلى زوال بعض الآثار، ويضعف فرص الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين حال ثبوت الاتهامات.

 

وفي السياق ذاته، يرى المحامي الحقوقي ناصر أمين أن التراخي في قضايا التعذيب يقوض الحماية القانونية للمحتجزين، وقد سبق أن انتقد بطء الدولة في التعامل مع وقائع مشابهة، مطالبًا برقابة وتحقيقات أكثر فاعلية واستقلالًا.

 

وبناء على ذلك، ينبغي أن يتم الفحص الطبي بعيدًا عن إدارة السجن، مع ضمان سرية المقابلة بين المحتجز والطبيب، وتوثيق أقواله وصوره وإصاباته، وتمكين دفاعه من الحصول على نسخة من التقرير وتقديم ملاحظاته القانونية.

 

كذلك يجب سماع أقوال المحتجز دون حضور أي فرد من الجهة المشكو ضدها، لأن الخوف من الانتقام قد يدفع الضحية إلى الصمت أو الإنكار، خصوصًا داخل بيئة مغلقة تعتمد فيها حياته اليومية على قرارات الحراسة والإدارة.

 

في المقابل، تقع على النيابة مسؤولية اتخاذ تدابير حماية فورية، تشمل منع التواصل غير المراقب بينه وبين المشكو في حقهم، وضمان عدم نقله تأديبيًا أو حرمانه من الزيارة أو العلاج، ومتابعة حالته بصورة دورية.

 

وفوق ذلك، تفرض اتفاقية مناهضة التعذيب على الدول التحقيق السريع والنزيه كلما وجدت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب، وتحظر التذرع بالأوامر الوظيفية أو الظروف الاستثنائية لتبرير أي ممارسة من هذا النوع.

 

 

حق الزيارة والحماية

 

وطالب مركز الشهاب بتمكين الأسرة والمحامين من زيارة فاروق أحمد فورًا، لأن الزيارة ليست امتيازًا إداريًا، بل ضمانة إنسانية وقانونية تسمح بالاطمئنان على سلامته ورصد أي إصابات أو ضغوط قد يتعرض لها بعد الاستغاثة.

 

كما أن حرمان المحتجز من التواصل مع أسرته ودفاعه يزيد هشاشته، ويمنع توثيق حالته في الوقت المناسب، ويحول السجن إلى مساحة مغلقة تحتكر فيها الإدارة الرواية والقرار، بينما يعجز الضحية عن إيصال شكواه إلى الخارج.

 

وفي هذا الإطار، أكد الحقوقي حافظ أبو سعدة سابقًا أن رصد أي تجاوزات داخل السجون يجب أن يتبعه إخطار النيابة العامة للتحقيق، وهو مبدأ يحمّل جهات الرقابة واجب التحرك لا الاكتفاء بتسجيل الملاحظات وحفظها.

 

لذلك، فإن زيارة الأسرة والمحامين ينبغي أن تتم دون إبطاء أو قيود انتقامية، مع السماح بلقاء قانوني يحفظ السرية، والتأكد من حصول المحتجز على العلاج والمتعلقات الضرورية وعدم تعرضه للعزل أو العقاب بسبب نشر الاستغاثة.

 

وعلى المستوى الإنساني، لا تقتصر آثار التعذيب المزعوم على الجسد، إذ يمكن أن تمتد إلى اضطرابات نفسية مزمنة وشعور دائم بالخوف والمهانة، وهو ما يجعل التقييم النفسي المتخصص جزءًا أساسيًا من أي استجابة جادة.

 

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام صفة المحتجز أو طبيعة قضيته لتبرير الانتقاص من حقوقه، فالقانون يحمي كرامة كل إنسان داخل السجن، سواء كان محكومًا أو محبوسًا احتياطيًا أو متهمًا لم يصدر بحقه حكم نهائي.

 

وبالنتيجة، فإن تجاهل الاستغاثة أو تأخير التحقيق سيعني منح الوقت لإخفاء الأدلة وترهيب الشهود، بينما يقتضي واجب الدولة إعلان إجراءات واضحة تشمل الحماية والفحص والزيارة والتحقيق، ونشر نتائج قابلة للمراجعة والمساءلة.

 

وأخيرًا، تضع واقعة فاروق أحمد النيابة العامة ووزارة الداخلية أمام اختبار مباشر، فإما حماية المحتجز والتحقيق المستقل في الاتهامات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، أو تكريس صورة منظومة تغلق أبوابها أمام الضحايا وتترك الجلاد بلا حساب.