حذر الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، من تحويل الدعم العيني إلى نقدي، مؤكدا أن الدعم لا يتجاوز 3% من الإنفاق، وأن البيانات الناقصة قد تحرم مستحقين وتكافئ غيرهم.

 

وكشف التحذير أن الحكومة تقترب من إعادة تشكيل قوت ملايين الأسر قبل إصلاح الأسواق أو إعلان معايير الاستحقاق، بما يحول الحماية الاجتماعية إلى تجربة خطرة يدفع الفقراء ثمن أخطائها بينما يظل المحتكرون خارج دائرة المواجهة.

 

بيانات تصنع الظلم

 

وبالتالي لا تبدأ الأزمة من وسيلة صرف الجنيهات، بل من قاعدة معلومات لا تكشف بدقة الدخل الحقيقي والعمل غير المنتظم والمرض والإعالة، وهو ما يجعل الاستبعاد الإداري حكما قاسيا على أسر لا تملك صوتا أو نفوذا.

 

كما أن الحكومة تعتزم تقسيم المستفيدين إلى شرائح وفقا للاحتياج الاقتصادي والاجتماعي، بينما لم تعلن حتى الآن منهج القياس أو آلية التظلم أو دور الرقابة المستقلة، رغم أن المنظومة تمس نحو 68 مليون مواطن.

 

وفي المقابل شدد عبد الخالق على أن خطأ البيانات يعمل في الاتجاهين، إذ يحرم فقيرا مستحقا وقد يمنح غير مستحق، بما يهدم ادعاء الكفاءة ويستبدل تسرب السلع بتسرب نقدي يصعب اكتشافه بعد الإقصاء.

 

غير أن آخر بيانات الفقر الرسمية المتاحة لا تعكس بالضرورة آثار موجات التضخم وخفض الجنيه اللاحقة، وهو ما يجعل بناء الاستحقاق على مؤشرات قديمة وصفة رسمية لتقليص المستفيدين تحت ستار التنقية الرقمية.

 

علاوة على ذلك، اعتبر عبد الخالق الدعم العيني أداة للأمن القومي واستحقاقا للحماية الاجتماعية، محذرا من أن اتساع الفقر يجعل أي حذف خاطئ من البطاقة التموينية اعتداء مباشرا على الغذاء لا مجرد خلل تقني.

 

لذلك فإن الضمان الأول ليس سرعة تحويل الأموال إلى المحافظ والحسابات، بل نشر قواعد الاستحقاق وفتح باب التظلم وتحديث البيانات ميدانيا وربطها بتغيرات الدخل والأسعار، مع منع الحذف الآلي الذي يحاكم الفقراء بقرائن ناقصة.

 

ومن ثم يقدم مدحت نافع موقفا أكثر تأييدا للتحول النقدي، لكنه اشترط تنقية بيانات المستفيدين ومراجعة قيمة الدعم دوريا لتعويض التضخم، بما يؤكد أن نجاح الفكرة نفسها مرهون بضمانات لم تعلن الحكومة تفاصيلها النهائية.

 

بناء على ذلك، يصبح الخلاف الحقيقي حول من يتحمل مخاطر الانتقال، فالحكومة تحصل على وفر إداري محتمل، بينما تتحمل الأسرة خطر الخطأ والتضخم وتعطل الصرف، من دون تعويض معلن أو حماية تلقائية للقوة الشرائية.

 

النقد يذوب بالأسعار

 

وفي السياق نفسه حذر رشاد عبده من أن النقد الممنوح للمواطن قد يتحول إلى مكسب للتجار إذا سبقت زيادات الأسعار قيمة الدعم، مؤكدا أن ضعف الرقابة يسمح للسوق بابتلاع الزيادة قبل وصول أثرها إلى الأسرة.

 

على الجانب الآخر، يضمن الدعم العيني حدا أدنى من الزيت والسكر والأرز والخبز مهما تحركت الأسعار، بينما يمنح الدعم النقدي رقما ثابتا قد يفقد قيمته شهرا بعد شهر إذا غابت المراجعة الدورية الملزمة.

 

ومع ذلك، لا تعني عيوب المنظومة الحالية الدفاع عن الهدر أو التلاعب، لكنها تفرض إصلاح المخازن والمنافذ والبطاقات، بدلا من نقل المخاطر كاملة إلى المستهلك ثم الادعاء بأن حرية الاختيار تعوض تآكل القدرة الشرائية.

 

وفوق ذلك، طالب عبد الخالق بمواجهة سياسية للاحتكار وتنظيم الأسواق والأسعار، معتبرا هذا الدور فريضة غائبة، لأن أي دعم نقدي بلا ضبط للمنافسة يتحول سريعا إلى تمويل غير مباشر للتجار وسلاسل التوزيع الأقوى.

 

ومن ناحية أخرى، تظل آلية الخبز أكثر الملفات حساسية، إذ لم تحسم الحكومة بصورة نهائية كيفية شرائه داخل النظام الجديد، رغم ارتباطه اليومي بعشرات الملايين وخطورة ترك سعره لمعادلة نقدية تتآكل مع التضخم.

 

استنادا إلى ذلك، يصبح ربط قيمة الدعم بمؤشر أسعار معلن شرطا لا ترفا، مع زيادة تلقائية دورية لا تخضع لمساومات الموازنة، وإلا ستخفض الحكومة القيمة الحقيقية بصمت كلما ارتفعت الأسعار وانخفض الجنيه.

 

بالتوازي، دعا عبد الخالق إلى مراجعة سعر الصرف والفائدة وتوجيه الاستثمار وضبط الواردات، مؤكدا أن تقليص الطلب على الدولار يبدأ بأولوية الدواء ومستلزمات الإنتاج ووقف السلع الكمالية، لا باقتطاع شبكة أمان الفقراء.

 

رغم ذلك، تستمر السلطة في تقديم الدعم باعتباره عبئا يحتاج إلى إعادة هندسة، بينما تكشف الموازنة أن فوائد الديون تستنزف الحصة الأكبر من الضرائب، بما يفضح اختيار الحلقة الأضعف بدلا من مراجعة الاقتراض والإنفاق.

 

الديون تبتلع الحماية

 

إلى جانب ما سبق، بلغت مخصصات السلع التموينية والخبز 160 مليار جنيه داخل موازنة مصروفاتها نحو 4.6 تريليون، وهو ما يقارب تقدير 3% الذي طرحه عبد الخالق بشأن وزن الدعم الغذائي في الإنفاق.

 

في ضوء ذلك، لا يجوز خلط دعم الغذاء المحدود بإجمالي الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، لكن المقارنة تظل كاشفة لأن الحكومة تستهدف الخبز والبطاقات بالتغيير، بينما تواصل خدمة الدين ابتلاع موارد أضخم بكثير.

 

عمليا، قدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن فوائد الديون المحلية والخارجية تعادل نحو 87% من حصيلة الضرائب المتوقعة في موازنة 2025-2026، فيما جاءت الزيادة الحقيقية في دعم الغذاء أقل من أثر التضخم.

 

والأخطر أن تحميل الدعم مسؤولية العجز يحجب قرارات رفعت تكلفة الدين، من أسعار الفائدة المرتفعة إلى توسع الاقتراض، ثم يعيد تقديم تقليص الحماية باعتباره إصلاحا ضروريا، بينما لا يخضع أصل الاختلال للمساءلة العامة.

 

وبحسب عبد الخالق، خرج الحوار الوطني بنحو 100 توصية اقتصادية تشمل سعر الصرف والواردات وسقف الدين، لكن كثيرا منها بقي خارج التنفيذ، بما يحول المشاركة المعلنة إلى غطاء سياسي لقرارات تتخذها السلطة منفردة.

 

فضلا عن ذلك، تضمنت مناقشات الحوار مطالب بآلية تشريعية لسقف الدين وشمولية الموازنة ومراقبة القروض، وهي إجراءات تمس منابع العجز فعليا، لكن التنفيذ ظل أبطأ من الاندفاع لإعادة تصميم ما يصل إلى موائد الفقراء.

 

وأمام ذلك، يحتاج أي انتقال عادل إلى تجربة محدودة معلنة النتائج، وتحديث ميداني للبيانات، وتظلم سريع، وربط تلقائي بالتضخم، وضبط الأسواق، وضمان الخبز، مع وقف أي حذف حتى تثبت الدولة سلامة منظومتها.

 

وأخيرا، لا تبدو القضية اختيارا تقنيا بين سلعة ونقود، بل صراعا على توزيع كلفة الأزمة، إذ تحاول الحكومة حماية الموازنة من الفقراء بدلا من حمايتهم من الاحتكار والتضخم والدين وسوء ترتيب الإنفاق.

 

وخلاصة الأمر، فإن دعما نقديا فوق بيانات عمياء وأسواق منفلتة وموازنة تلتهمها الفوائد لن يصنع عدالة، بل سيمنح السلطة زر حذف جديدا، ويترك المواطن يطارد أسعارا تتحرك أسرع من المبلغ المقرر.