تفجّر نزاع مهني جديد بين نقابة العلاج الطبيعي ونقابة العاملين بالإصابات والتأهيل، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن حدود العمل في مجالات التأهيل الحركي وإصابات الملاعب، وسط تهديدات بالبلاغات والغلق والملاحقة القانونية.

 

ووضعت الأزمة آلاف من خريجي كليات علوم الرياضة، المعروفة سابقًا بكليات التربية الرياضية، في مواجهة مباشرة مع أخصائيي العلاج الطبيعي، بينما تواصل وزارات الصحة والعمل والتعليم العالي ترك الحدود بين التخصصات غامضة، بما يهدد حقوق الخريجين وسلامة المرضى في آن واحد.

 

بدأ التصعيد بعد تحذيرات أطلقها نقيب العلاج الطبيعي سامي سعد ضد خريجي تخصصات علوم الصحة الرياضية، متهمًا بعضهم بإنشاء مراكز غير قانونية واستخدام مسميات مثل ممارس، وأخصائي، واستشاري، وممارسة أعمال تدخل في نطاق العلاج الطبيعي من دون ترخيص من وزارة الصحة. وتؤكد النقابة أن خريج علوم الرياضة لا يحق له التعامل مع المرضى بوسائل علاجية، وأن دوره يقتصر على التأهيل الرياضي للأصحاء والرياضيين، وليس التأهيل الطبي للحالات المرضية.

 

وفي المقابل، رفضت نقابة الإصابات والتأهيل ما اعتبرته حملة إقصاء وتشويه متعمدة، مؤكدة أن خريجي علوم الرياضة يدرسون التأهيل الحركي وإصابات الملاعب ضمن برامج أكاديمية معتمدة، وأن عملهم مكمل للعلاج الطبيعي، وليس بديلًا عنه. وهددت بتقديم الدعم القانوني الكامل لأي عضو يتعرض للتشهير أو الملاحقة، معتبرة أن تكرار هذه الاتهامات بالتزامن مع مواسم الالتحاق بالجامعات يثير البلبلة بين الطلاب والأسر.

 

قانون قديم وفوضى حديثة

 

تستند نقابة العلاج الطبيعي إلى القانون رقم 3 لسنة 1985، الذي ينص على عدم جواز مزاولة مهنة العلاج الطبيعي إلا بترخيص من وزارة الصحة، ويقصر الحصول على الترخيص على حملة المؤهلات المحددة بالقانون. وتشمل هذه المؤهلات بكالوريوس العلاج الطبيعي من الجامعات المصرية وبعض المؤهلات القديمة الصادرة قبل العمل بالقانون، ولا تشمل بصورة عامة خريجي كليات علوم الرياضة الحاليين.

 

كما أصبح الترخيص لممارسة العلاج الطبيعي مرتبطًا باجتياز الاختبار القومي الذي ينظمه المجلس الصحي المصري، للتأكد من استيفاء الخريجين الحد الأدنى من المعايير المهنية والتدريبية. ويعزز ذلك موقف نقابة العلاج الطبيعي حين يتعلق الأمر بتشخيص المرضى، أو علاج الإصابات المرضية، أو تشغيل مراكز تقدم خدمات طبية تحت مسميات مختلفة.

 

لكن الأزمة لا تنتهي عند نص القانون، لأن كليات علوم الرياضة تطرح بالفعل برامج ومسارات أكاديمية تتناول الإصابات الرياضية والتأهيل البدني والحركي، ثم يتخرج طلابها من دون توصيف وظيفي واضح يحدد بدقة ما يستطيعون ممارسته وما يحظر عليهم. وهنا تبدأ الفوضى، إذ تترك الدولة الخريج سنوات يدرس مقررات تحمل أسماء التأهيل والإصابات، ثم يفاجأ بعد التخرج بأن بعض الجهات تتهمه بانتحال مهنة طبية.

 

ولا يجوز اختزال النزاع في محاولة كل نقابة حماية مصالح أعضائها، لأن المشكلة الأصلية صنعتها الجهات الحكومية التي سمحت بتداخل المسميات والمناهج والبرامج التدريبية، من دون إصدار إطار مهني حاسم يفرق بين التأهيل الرياضي للأصحاء، وإعادة اللاعب إلى النشاط بعد انتهاء العلاج، وبين تشخيص المرضى ووضع البرامج العلاجية الطبية.

 

ويقول خريجو علوم الرياضة إن عملهم يتركز في تحسين الحركة واللياقة واستعادة الأداء الرياضي والتعامل مع إصابات الملاعب بعد التشخيص الطبي، بينما تحذر نقابة العلاج الطبيعي من أن هذه العبارات قد تستخدم غطاءً لممارسة العلاج فعليًا داخل مراكز تستقبل المصابين والمرضى. وبين الروايتين، يبقى المواطن عاجزًا عن معرفة المؤهل الحقيقي لمن يتعامل معه وحدود مسؤوليته.

 

 

معركة نفوذ فوق أجساد المرضى

 

تصاعدت الأزمة عندما طالبت نقابة العلاج الطبيعي وزارة العمل بإلغاء أو تجميد أنشطة لجنة الإصابات والتأهيل، متهمة إياها بإصدار تراخيص أو مستندات مكانية تستخدم في فتح مراكز تمارس أنشطة صحية من دون موافقة وزارة الصحة.

 

وأعلنت وزارة العمل، من جانبها، أنها ليست مسؤولة عن ترخيص المراكز الطبية أو الأنشطة المتعلقة بالصحة العامة، وهو ما كشف ارتباكًا مؤسسيًا واضحًا في الملف.

 

كما تحركت جهات تابعة لوزارة الصحة لملاحقة المراكز التي تتجاوز حدود النشاط الرياضي إلى تقديم خدمات علاجية، مع التأكيد على أن ترخيص المنشأة من جهة عمالية أو نقابية لا يمنح صاحبها الحق في ممارسة نشاط طبي. وهذه النقطة تمثل جوهر النزاع، لأن بعض المراكز قد ترفع لافتات التأهيل الحركي أو الرياضي، بينما تتعامل عمليًا مع مرضى يحتاجون تشخيصًا وعلاجًا وإشرافًا طبيًا.

 

غير أن حملات الغلق والبلاغات وحدها لا تكفي، خصوصًا إذا ظلت الدولة تسمح ببرامج دراسية تحمل أسماء قريبة من التخصصات الطبية، ثم تتنصل من تحديد مستقبل خريجيها. فمن غير المقبول ترك آلاف الطلاب يدفعون المصروفات ويقضون سنوات في دراسة مسار أكاديمي، ثم اعتبارهم خطرًا على المجتمع من دون توفير مسار قانوني واضح للعمل.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن الدفاع عن حق خريجي علوم الرياضة بطريقة تسمح لأي شخص باستخدام لقب طبي أو استقبال المرضى أو تشخيص الإصابات من دون ترخيص. فسلامة المريض ليست ساحة لتسوية صراع نقابي، والفرق بين تمرين لاستعادة اللياقة وبرنامج علاجي لحالة مرضية قد يكون حاسمًا في منع مضاعفات أو عجز دائم.

 

وتكشف الوقائع المتكررة عن وجود مراكز غير مرخصة وأشخاص يمارسون العلاج الطبيعي أو التأهيل الطبي بمؤهلات غير معترف بها، وهو ما يفرض رقابة حقيقية على السوق، بدل الاكتفاء بالبيانات المتبادلة. وقد سبق أن حذرت تقارير من انتشار مراكز تقدم خدمات علاج طبيعي من دون إشراف مهني مؤهل، مستفيدة من ضعف الرقابة وخلط المواطنين بين المسميات المختلفة.

 

 

الحكومة تترك الأزمة تنفجر

 

وتتحمل وزارات الصحة والعمل والتعليم العالي المسؤولية الأكبر عن تحول الخلاف إلى حرب مفتوحة. فوزارة التعليم العالي مطالبة بمراجعة أسماء البرامج ومحتواها ومجالات العمل المترتبة عليها، وعدم السماح لأي كلية بتقديم مسار يوحي للطلاب بإمكانية ممارسة مهنة صحية لا يجيزها القانون.

 

أما وزارة الصحة، فعليها إصدار تعريفات دقيقة وملزمة للأعمال التي تعد علاجًا طبيعيًا، والأعمال التي تدخل ضمن التأهيل البدني أو الرياضي، مع تحديد الحالات التي يمكن أن يعمل فيها خريج علوم الرياضة ضمن فريق متعدد التخصصات وتحت إشراف طبي، بدل ترك المسألة لتفسيرات متضاربة.

 

كما يتعين على وزارة العمل أن توقف أي مسميات أو بطاقات أو تراخيص مهنية يمكن استخدامها للإيحاء بأن حاملها طبيب أو أخصائي علاج طبيعي، وفي المقابل يجب ألا تسمح نقابة العلاج الطبيعي بتحويل حماية المهنة إلى احتكار لكل تمرين حركي أو برنامج لياقة أو إعداد بدني لا يدخل أصلًا في نطاق العلاج الطبي.

 

والحل لا يكون بإلغاء أحد التخصصين، بل ببناء مسار واضح للتكامل. فطبيب العلاج الطبيعي مسؤول عن التقييم والعلاج الطبي وإعادة التأهيل للحالات المرضية، بينما يمكن لخريج علوم الرياضة أن يؤدي دورًا في الإعداد البدني والتأهيل الرياضي والعودة الآمنة إلى النشاط، بشرط وجود تشخيص سابق وحدود واضحة ومنع استخدام الألقاب الطبية.

 

كما يجب إنشاء سجل معلن للممارسين والمنشآت المرخصة، يتيح للمواطن التأكد من المؤهل والترخيص ونوع الخدمة المسموح بها، مع عقوبات رادعة على انتحال الصفة أو تجاوز حدود الاختصاص، وحماية قانونية حقيقية لمن يعملون في نطاق تخصصهم المعتمد.

 

وفي النهاية، ليست المعركة الحقيقية بين خريج علوم الرياضة وأخصائي العلاج الطبيعي، بل بين دولة المؤسسات وبين سوق فوضوي تركته الحكومة بلا تعريفات أو رقابة أو مسارات مهنية عادلة. فإما أن تحسم الدولة الحدود وتضمن التكامل وتحمي المرضى والخريجين، أو تستمر حرب البيانات والبلاغات بينما يدفع المواطن ثمن الغموض، ويظل آلاف الشباب معلقين بين شهادة جامعية واتهام جاهز بانتحال مهنة لم تحدد الدولة أصلًا أين تبدأ وأين تنتهي.