بينما تستحوذ تطورات الذكاء الاصطناعي والحرب العالمية على أشباه الموصلات والرقاقات الإلكترونية على اهتمام وسائل الإعلام، تتشكل في الكواليس معركة لا تقل أهمية، تدور حول السيطرة على الطيف الترددي الذي سيحمل شبكات الجيل السادس (6G)، في سباق يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز ميادين المنافسة الجيوسياسية خلال العقود المقبلة.
ولم يعد الحديث عن شبكات الاتصالات مقتصرًا على تحسين سرعة الإنترنت أو جودة المكالمات، بل تحول إلى قضية ترتبط بالأمن القومي والسيادة الرقمية والهيمنة الاقتصادية، بعدما أصبحت البنية التحتية للاتصالات عنصرًا رئيسيًا في تشغيل المدن الذكية والمصانع المؤتمتة والأنظمة الطبية المتقدمة والمركبات ذاتية القيادة.
من سباق تقني إلى معركة جيوسياسية
يرى خبراء الاتصالات أن الجيل السادس لن يكون مجرد امتداد للجيل الخامس، وإنما يمثل تحولًا جذريًا في طبيعة الشبكات الرقمية، إذ يُتوقع أن يوفر سرعات تصل إلى ما بين 50 و200 غيغابت في الثانية، مع زمن استجابة يقل عن جزء من الألف من الثانية، إضافة إلى قدرة هائلة على ربط ملايين الأجهزة في مساحة محدودة بكفاءة غير مسبوقة.
هذه الإمكانات تجعل الجيل السادس الأساس الحقيقي لعصر الذكاء الاصطناعي المتصل، حيث ستكون الشبكات مسؤولة عن تشغيل أنظمة تعتمد على اتخاذ قرارات لحظية في قطاعات الصحة والنقل والصناعة والطاقة.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب السيطرة على النطاقات الترددية المناسبة، وهو ما فتح باب المنافسة بين القوى الكبرى لتحديد الترددات التي ستصبح معيارًا عالميًا للشبكات المستقبلية.
الطيف الترددي.. الثروة الجديدة للدول
لم يعد الطيف الترددي مجرد مورد تقني تستخدمه شركات الاتصالات، بل تحول إلى أصل إستراتيجي يشبه في أهميته مصادر الطاقة أو الممرات البحرية.
فالدول التي تنجح في فرض النطاقات الترددية التي تتوافق مع صناعاتها المحلية تمنح شركاتها أفضلية تنافسية طويلة الأجل، سواء في تصنيع معدات الاتصالات أو تطوير البرمجيات أو امتلاك براءات الاختراع.
وتكشف تجربة الجيل الخامس حجم هذه المكاسب، بعدما تمكنت الشركات الصينية، وعلى رأسها "هواوي"، من حصد نسبة كبيرة من براءات الاختراع الأساسية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على نفوذها العالمي في سوق معدات الاتصالات.
ولهذا السبب، تنظر الحكومات اليوم إلى معايير الجيل السادس باعتبارها معركة تتجاوز التكنولوجيا إلى النفوذ الاقتصادي والسياسي.
تحديات تقنية معقدة
تعتمد الرؤية المستقبلية للجيل السادس على استخدام موجات ذات ترددات مرتفعة للغاية، بينها موجات التيراهرتز، التي توفر سرعات استثنائية لنقل البيانات.
إلا أن هذه التقنية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية مدى الإرسال، وتأثر الإشارة بالرطوبة والأكسجين، وضعف قدرتها على اختراق المباني والعوائق الطبيعية.
وللتغلب على هذه العقبات، يتطلب تشغيل الشبكات المستقبلية إنشاء أعداد ضخمة من المحطات الصغيرة والأسطح الذكية التي تعيد توجيه الإشارات، ما يعني استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية.
الجراحة عن بُعد والسيارات الذاتية
ويؤكد الاتحاد الدولي للاتصالات أن شبكات الجيل السادس ستفتح الباب أمام تطبيقات لم تكن ممكنة في الأجيال السابقة، تشمل الاتصال الغامر، والاتصالات فائقة الاعتمادية، والاتصال الكثيف للأجهزة، والذكاء الاصطناعي المدمج داخل الشبكات، إضافة إلى دمج الاستشعار مع الاتصالات.
ومن أبرز التطبيقات المنتظرة إجراء العمليات الجراحية عن بُعد، حيث يستطيع الطبيب التحكم في روبوت جراحي يبعد آلاف الكيلومترات بزمن استجابة يكاد يكون معدومًا، وهو ما قد يحدث تحولًا جذريًا في تقديم الخدمات الصحية عالميًا.
كما تمثل السيارات ذاتية القيادة أحد أكبر المستفيدين من هذه التقنية، إذ تعتمد على تبادل البيانات لحظيًا بين المركبات وإشارات المرور والبنية التحتية المحيطة، بما يضمن اتخاذ قرارات فورية تقلل الحوادث وتعزز السلامة المرورية.
الولايات المتحدة تعيد ترتيب أوراقها
أدركت واشنطن مبكرًا أهمية السباق على الجيل السادس، فوسعت خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في أبحاث الاتصالات المستقبلية، وأطلقت إستراتيجية وطنية لإدارة الطيف الترددي، إلى جانب إصدار مذكرات رئاسية تتعلق بأمن الاتصالات.
كما حددت الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات الأمريكية نطاق 7 غيغاهرتز باعتباره أحد أبرز النطاقات المرشحة لشبكات الجيل السادس، في الوقت الذي سمحت فيه هيئة الاتصالات الفيدرالية بإجراء تجارب واسعة على موجات التيراهرتز.
ورغم هذه التحركات، يرى محللون أن الولايات المتحدة لا تزال تواجه تحديًا يتمثل في اعتمادها على القطاع الخاص والجامعات في تطوير المعايير التقنية، مقارنة بالنموذج الصيني الذي يعتمد على قيادة حكومية مركزية.
ولتقليص هذه الفجوة، عززت واشنطن تعاونها مع حلفائها عبر "التحالف العالمي للاتصالات" الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واليابان وأستراليا، وانضمت إليه لاحقًا السويد وفنلندا، بهدف تطوير شبكات أكثر أمانًا واعتماد معايير مشتركة منذ مراحل التصميم الأولى.
الصين.. من التصنيع إلى قيادة المعايير
في المقابل، تنظر بكين إلى الجيل السادس باعتباره مشروعًا وطنيًا إستراتيجيًا ضمن خططها للتحول إلى القوة التكنولوجية الأولى عالميًا.
وتقود شركات صينية، وفي مقدمتها "هواوي"، سباق تسجيل براءات الاختراع المتعلقة بالجيل السادس، فيما كثفت الحكومة استثماراتها في الأبحاث والتجارب الميدانية.
واعتمدت وزارة الصناعة وتقنية المعلومات الصينية نطاق 6 غيغاهرتز لإجراء اختبارات متقدمة، تمهيدًا للانتقال إلى الاستخدامات التجارية مع نهاية العقد الحالي.
ويعتقد مراقبون أن الصين تستفيد من الخبرة التشغيلية التي اكتسبتها عبر شبكات الجيل الخامس، وهو ما يمنحها قاعدة بيانات ضخمة تساعدها في تقديم مقترحات تقنية أكثر قوة داخل هيئات وضع المعايير الدولية.
أوروبا تبحث عن التوازن
وبين العملاقين الأمريكي والصيني، تحاول أوروبا الحفاظ على مكانتها في سوق الاتصالات العالمية من خلال الاستثمار في الأبحاث المشتركة.
وتقود شركات مثل "نوكيا" الفنلندية و"إريكسون" السويدية مبادرات أوروبية لتطوير رؤية موحدة للجيل السادس عبر مشروعات "هيكسا إكس" و"هيكسا إكس تو"، إلى جانب برامج بحثية يشرف عليها الاتحاد الأوروبي.
وتركز أوروبا على تصميم شبكات تتميز بالاستدامة البيئية، وتعزيز الخصوصية، ودمج الأمن السيبراني في بنية الشبكات منذ البداية.
إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن تعدد مراكز القرار داخل الاتحاد الأوروبي يجعل تحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات صناعية موحدة أكثر بطئًا مقارنة بالنموذجين الأمريكي والصيني.
كواليس المعركة داخل المنظمات الدولية
ولا تقتصر المنافسة على المختبرات وشركات التكنولوجيا، بل تمتد إلى أروقة المنظمات الدولية التي تضع القواعد المنظمة للاتصالات العالمية.
ويبرز في هذا السياق المؤتمر العالمي للاتصالات الراديوية، الذي يعقد دورته المقبلة عام 2027 في الصين، حيث ستناقش الدول الأعضاء تخصيص نطاقات ترددية جديدة للجيل السادس، في خطوة ستحدد مستقبل الصناعة لسنوات طويلة.
كما تتواصل المنافسة داخل مشروع شراكة الجيل الثالث والهيئات الدولية المسؤولة عن صياغة المعايير التقنية، إذ تسعى كل دولة إلى تمرير المواصفات التي تمنح شركاتها أفضلية في الأسواق العالمية.
وتحاول الصين استثمار خبرتها التي راكمتها خلال سباق الجيل الخامس، بينما تعمل الولايات المتحدة وشركاؤها على توحيد مواقفهم لضمان عدم انفراد بكين بقيادة المعايير المستقبلية.
مستقبل النفوذ الرقمي
ويرى خبراء أن الصراع الدائر اليوم حول ترددات الجيل السادس يتجاوز حدود قطاع الاتصالات، ليصبح جزءًا من المنافسة العالمية على قيادة الاقتصاد الرقمي والتحكم في البنية التحتية التي ستدير المدن الذكية والاقتصادات المستقبلية.
فالدولة التي ستنجح في فرض معاييرها التقنية، وامتلاك أكبر حصة من براءات الاختراع، وتأمين النطاقات الترددية المناسبة، لن تحصد مكاسب اقتصادية فقط، بل ستتمتع أيضًا بنفوذ إستراتيجي يمتد إلى مجالات الأمن والدفاع والصناعة والطب والنقل.
وبينما تتسارع خطوات الولايات المتحدة والصين، وتحاول أوروبا الحفاظ على موقعها في المنافسة، تبدو معركة الجيل السادس مرشحة لأن تصبح إحدى أبرز ساحات الصراع العالمي خلال السنوات المقبلة، في وقت تتشكل فيه ملامح عالم رقمي جديد ستكون فيه السيطرة على الطيف الترددي أحد أهم مفاتيح القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.

