أعلنت وزارة التربية والتعليم بقيادة محمد عبد اللطيف في مصر رسوماً تصل إلى 300 جنيه لاستخراج الوثائق الدراسية والتصديق عليها بالتزامن مع نهاية امتحانات الثانوية العامة، ما أثار غضب أولياء الأمور بسبب ارتفاع الكلفة.
وفي سياق سياسي وإنساني، تبدو الرسوم حلقة جديدة في تحويل الخدمة العامة إلى فاتورة مفتوحة، إذ تدفع الأسر ثمن التعليم طوال العام، ثم تطالب مجدداً بالدفع للحصول على ورقة تثبت نجاح أبنائها.
وفي المقابل، تتوزع الرسوم بين 80 و300 جنيه، مع إضافة 25 جنيهاً للاستعجال وطوابع أخرى على بعض الطلبات، وهو ما جعل أولياء أمور يتساءلون عن أساس التسعير وكلفة الخدمة الفعلية.
فاتورة الأوراق الرسمية
بحسب الضوابط المعلنة، تبلغ كلفة بيان النجاح أو كشف الدرجات أو بيان الرسوب أو الغياب 100 جنيه، ويسلم المستند في اليوم التالي، بينما يدفع الطالب مقابلاً إضافياً إذا احتاجه في اليوم نفسه.
كما حددت الوزارة 150 جنيهاً لتعديل الاسم والإفادات الصادرة من الإدارة، والمبلغ نفسه لمعادلة الشهادات والاستعلام عن صحتها، وهي خدمات لا يملك الطالب غالباً خيار الاستغناء عنها عند التقديم أو السفر.
أما كشف الدرجات المترجم، فتصل كلفته إلى 300 جنيه، وهي أعلى قيمة في القائمة، رغم أن الترجمة والتوثيق يرتبطان عادة بطلاب يسعون إلى جامعة أو منحة أو فرصة تعليمية خارج البلاد.
ومن ناحية أخرى، تبلغ كلفة التصديق على الشهادات 80 جنيهاً، فيما يسدد طالب بيان عدم التقدم لامتحانات الثانوية العامة وما يعادلها 100 جنيه، لتتحول الاحتياجات المختلفة إلى قائمة منفصلة من المدفوعات.
إضافة إلى ذلك، يلتزم مقدم الطلب بإرفاق طابع الشهيد وطابع المهن التعليمية عند استخراج المحررات المحددة، ما يعني أن الرقم الأساسي المعلن قد لا يكون المبلغ النهائي الذي تتحمله الأسرة داخل الإدارة التعليمية.
وفي قراءة الخبير التربوي كمال مغيث، الباحث السابق بالمركز القومي للبحوث التربوية، فإن ربط الخدمات التعليمية المتكررة بالقدرة على الدفع يوسع الفجوة الاجتماعية، ويهدد مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن يحكم التعليم.
وبناء على ذلك، لا تبدو المشكلة في قيمة منفردة فقط، بل في جمع رسوم الخدمة والطوابع والاستعجال والمصروفات السابقة، بما يجعل استخراج ورقة واحدة مشروطاً بسلسلة مالية قد تتجاوز توقعات ولي الأمر.
وفوق ذلك، لا تعلن الوزارة في البيان المتداول حساباً تفصيلياً لكلفة البحث والنسخ والترجمة مقابل كل خدمة، الأمر الذي يغذي الشكوك بشأن عدالة التسعير، ويفتح الباب أمام مطالبات بإتاحة المكونات المالية للجمهور.
أسر تحت ضغط متواصل
اجتماعياً، تأتي الرسوم في توقيت تنهي فيه أسر الثانوية العامة عاماً مرهقاً من الدروس والانتقالات والامتحانات، ثم تبدأ فوراً كلفة التنسيق والتقديم والتوثيق، لتصبح الشهادة بوابة لنفقات جديدة لا نهاية لمساراتها.
وفي الوقت نفسه، يحتاج طلاب الشهادة الإعدادية إلى بيانات نجاح وقيد عند الانتقال للمرحلة التالية، ما يوسع دائرة المتأثرين لتشمل ملايين الأسر، ولا يحصر الأزمة في الراغبين بالسفر أو استخراج وثائق مترجمة.
وعلى المستوى الإنساني، قد تبدو 100 أو 150 جنيهاً رقماً محدوداً في حسابات الوزارة، لكنها لأسرة تضم أكثر من طالب تعني اقتطاع جزء من ميزانية الطعام أو المواصلات من أجل مستند حكومي إلزامي.
وفي رصد عبير أحمد، مؤسسة اتحاد أمهات مصر للنهوض بالتعليم وائتلاف أولياء الأمور، تتكرر استغاثات الأسر من تصاعد تكاليف التعليم، بما فيها الكتب والخدمات، وهو سياق يجعل رسوم الأوراق عبئاً إضافياً ملموساً.
ومن ثم، يصبح غضب أولياء الأمور مفهوماً حين تقترن الرسوم بمطالب سداد المصروفات الدراسية للسنوات السابقة، إذ يمكن أن تتحول وثيقة مطلوبة للجامعة إلى أداة ضغط لتحصيل ديون تعليمية في لحظة شديدة الحساسية.
غير أن الوزارة تربط إصدار بعض البيانات بالتأكد من سداد المصروفات السابقة أو سنة الحصول على البيان، وهو شرط يثير تساؤلات عن حق الطالب في إثبات مساره الدراسي بصرف النظر عن النزاع المالي.
وعلاوة على ذلك، يزيد رسم الاستعجال البالغ 25 جنيهاً العبء على من تفرض عليهم مواعيد الجامعات أو السفارات استلام الوثيقة سريعاً، فيدفع الطالب أكثر لأن الإدارة لا تقدم الخدمة الأساسية في اليوم نفسه.
وبالتالي، تتحول السرعة من معيار طبيعي في الإدارة الحديثة إلى خدمة مدفوعة، بينما يبقى غير القادر منتظراً حتى اليوم التالي، رغم أن البيانات محفوظة لدى الجهة الحكومية ولا تتطلب إنشاء سجل دراسي جديد.
تحصيل بلا حماية كافية
إدارياً، يسدد الطالب الرسوم عبر منافذ التحصيل الإلكتروني المتعاقد معها أو مكاتب البريد باستخدام الرقم القومي، بينما يستخدم الطالب غير المصري كوده الدراسي، وتوجه الحصيلة إلى صندوق دعم وتمويل وإدارة وتشييد المشروعات التعليمية.
كما توزع المبالغ بين رسم تنمية الموارد وضريبة الدمغة والرسم الإضافي ومقابل البحث والنسخ والتصديق والترجمة والاستعجال، وهو تشعب مالي يصعب على المواطن العادي فهمه من دون بيان مبسط يوضح سبب كل بند.
وفي تقدير تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، تزيد الضغوط المحيطة بالامتحانات توتر الطلاب وتشتت تركيزهم، وهو ما يجعل إضافة أعباء مالية وإدارية في هذه المرحلة قراراً يحتاج حساسية اجتماعية أكبر.
لكن القضية تتجاوز الضيق النفسي إلى مبدأ الخدمة العامة، لأن الشهادة ليست منتجاً اختيارياً، بل وثيقة أنشأتها الدولة ويحتاجها الطالب لممارسة حقه في الدراسة والعمل والتنقل، ولذلك ينبغي ألا تصبح حاجزاً مالياً.
لذلك، يطالب أولياء الأمور بمنظومة تعلن الكلفة الحقيقية، وتوفر إعفاءات لغير القادرين وأبناء الأسر الأولى بالرعاية، وتحدد سقفاً لما يدفعه الطالب عند جمع أكثر من وثيقة للغرض الدراسي نفسه خلال العام.
وبصورة عملية، يمكن للوزارة إتاحة نسخة رقمية موثقة مجاناً أو برسوم رمزية، مع قصر المقابل الأعلى على النسخ الورقية والترجمة الفعلية، بما يخفض الزحام ويمنع تحميل الطالب كلفة إجراءات يمكن إنجازها آلياً.
وبناء عليه، تحتاج الإدارات التعليمية إلى نشر قائمة موحدة ونهائية بكل الرسوم والطوابع ومدة التسليم، وتسليم إيصال مفصل للطالب، وفتح قناة للشكاوى عند طلب مبالغ إضافية أو تعطيل المستند دون سبب معلن.
وأخيراً، تضع رسوم محمد عبد اللطيف الحكومة أمام سؤال العدالة، فهل تدعم ميزانية التعليم من الأموال العامة، أم تستكمل تمويلها من جيوب الأسر، حتى عند استخراج ورقة رسمية تلزم أبناءهم لاستكمال مستقبلهم.

