استقبل وزير الدفاع التركي يشار غولير نظيره المصري الفريق أشرف زاهر في أنقرة الاثنين الماضي خلال أول زيارة لوزير دفاع مصري منذ 2013 وانتهى اللقاء بتوقيع خطاب نوايا للتعاون الدفاعي بين البلدين.

 

لكن الزيارة تتجاوز مراسم التقارب بين حكومتين إلى سياق سياسي وإنساني تدفع شعوبه كلفة الحروب والقمع والتهجير بينما يعيد النظام المصري ترتيب تحالفاته بلا شفافية أو رقابة شعبية حقيقية على قرارات الأمن والتسليح.

 

وتكشف المحاور الثلاثة للزيارة توسيع التعاون العسكري وإعادة ضبط التحالفات الإقليمية واحتواء القلق الإسرائيلي بما يجعل اللقاء اختبارا لقدرة القاهرة وأنقرة على تحويل النوايا المعلنة إلى شراكة مؤثرة وملزمة وقابلة للتنفيذ.

 

وفي المقابل لا يزال سقف النتائج أقل من لغة التحالف الكبير إذ اقتصر المعلن على خطاب نوايا ينضم إلى اتفاقية إطارية عسكرية وقعت في فبراير الماضي دون إعلان عقود تسليح ملزمة أو جداول تنفيذ واضحة.

 

وبالعودة إلى المسار تعد زيارة أشرف زاهر الأولى من نوعها منذ زيارة عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة عام 2013 حين كان وزيرا للدفاع ثم أعادت زيارتا رجب طيب أردوغان للقاهرة في 2024 و2026 فتح القنوات.

 

تعاون يتجاوز النوايا

 

بداية وقع أشرف زاهر مع رئيس وكالة الصناعات الدفاعية التركية هالوك غورغون خطاب نوايا حسنة للتعاون الدفاعي في خطوة أضيفت إلى الاتفاقية الإطارية الموقعة خلال زيارة أردوغان لمصر في فبراير الماضي.

 

كذلك يفتح التقارب مجالات محتملة أمام الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والذخائر الذكية والمدرعات والعربات القتالية وأنظمة الحرب الإلكترونية والرادارات وهي قطاعات تمتلك فيها تركيا خبرة صناعية متقدمة ومتنامية.

 

كما دعمت 4 تمارين عسكرية هذا الانتقال منذ مناورات بحر الصداقة البحرية في سبتمبر 2025 وصولا إلى تدريب نسر الأناضول الجوي الأسبوع الماضي بما نقل العلاقة من الحوار السياسي إلى اختبار ميداني مشترك.

 

علاوة على ذلك جاءت زيارة رئيس أركان الجيش التركي الجنرال سلجوق بايراكتار أوغلو إلى مصر الشهر الماضي وانعقاد اللجنة العسكرية المشتركة للمرة الخامسة في القاهرة لتثبيت قنوات التنسيق المؤسسي بين الجيشين.

 

وبحسب تصنيف القوة النارية العالمية يحتل الجيش التركي المرتبة 9 عالميا ويعد القوة الثانية في حلف شمال الأطلسي بينما يأتي الجيش الإسرائيلي في المرتبة 15 والجيش المصري في المرتبة 19.

 

ومع ذلك لا تصنع مراتب القوة وحدها تحالفا فعالا لأن القيمة الحقيقية تتوقف على نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك وتبادل المعلومات وقدرة القيادتين على اتخاذ مواقف سياسية متقاربة وقت الأزمات الإقليمية.

 

وعلى صعيد الملفات قد يمتد التنسيق إلى غاز شرق المتوسط والعلاقات مع اليونان وقبرص وإسرائيل وقطاع غزة وليبيا وسوريا والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر والسودان حيث تقاطعت المصالح بعد سنوات من الخلاف.

 

خرائط إقليمية متحركة

 

غير أن العلاقة بين القاهرة وتل أبيب تشهد توترا متصاعدا بسبب حرب غزة وسيطرة الجيش الإسرائيلي على محور صلاح الدين وانتقادات اليمين للوجود العسكري المصري في سيناء ومخاوف تهجير الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية.

 

في الوقت نفسه وصلت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى واحدة من أسوأ مراحلها بعدما صعد بنيامين نتنياهو هجومه على رجب طيب أردوغان وظهرت تهديدات بأن تصبح أنقرة جبهة إسرائيلية تالية بعد الحرب مع إيران.

 

ومن جهة أخرى شاركت القوات الجوية الإسرائيلية واليونانية في مناورات قرب جزيرة كريت الأسبوع الماضي بالتوازي مع التقارب المصري التركي ما عكس تشكل مسارات عسكرية متقابلة حول شرق المتوسط والمنطقة بأكملها.

 

وفي قراءة عسكرية أشار الباحث محمود جمال إلى أهمية التعاون في الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وبرامج المقاتلات معتبرا التقارب ضرورة استراتيجية لمواجهة عدو مشترك ألمح إلى أنه إسرائيل.

 

أما العميد عادل الشريف ضابط الجيش المصري السابق فرأى أن تركيا تسعى لبناء شبكة تحالفات إقليمية تردع إسرائيل وتمنح أنقرة مساحة أوسع في علاقتها بواشنطن ودعمها المحتمل لسوريا مستقبلا عسكريا.

 

وبحسب الشريف فإن الدعم التركي بالتسليح والتدريب ينطلق من تصور يعتبر الأنظمة الحالية زائلة بينما تبقى الجيوش وخبراتها مخزونا للأمة وهو طرح سياسي يعكس انعدام الثقة في توجهات السلطة المصرية.

 

في المقابل رأى الباحث المصري حسام عبد الكريم أن الحرص التركي على تطوير العلاقة أكبر من الحماس المصري مستدلا بأن مبادرات الدفاع والتصنيع والمناورات وشراء الأسلحة جاءت أساسا من أنقرة.

 

وبناء على ذلك ربط عبد الكريم الاندفاع التركي بمحاولة تغيير موقف القاهرة في شرق المتوسط وإبعادها تدريجيا عن تفاهماتها مع اليونان وقبرص وإسرائيل مستفيدا من خلافات غزة ورفح وسيناء المتصاعدة.

 

قلق إسرائيل وحدود القاهرة

 

رغم ذلك استبعد حسام عبد الكريم نجاح تركيا سريعا في تفكيك تحالف مصر مع اليونان وقبرص وإسرائيل مؤكدا أن مذكرات التفاهم وخطاب النوايا صيغ غير ملزمة تكشف استمرار عقبات استراتيجية عميقة.

 

ومن ناحية أخرى وصف عبد الكريم موقف مصر بعدم حسم الخيارات لأن القاهرة تحافظ على علاقات تاريخية مع أثينا ونيقوسيا ولا تمتلك داخل تحالفها القائم أدوات ضغط كافية لخدمة المصالح التركية.

 

اقتصاديا وعسكريا اعتبر الباحث أن مصر هي المستفيد الأكبر من الصناعات الدفاعية التركية لغياب قدرة مصرية مماثلة يمكن تقديمها لأنقرة بينما يظل التعاون الاقتصادي المجال الأكثر قابلية لتحقيق مكاسب مباشرة للقاهرة.

 

وفيما يتعلق بإسرائيل قال عبد الكريم إن القاهرة بعد اتفاقية كامب ديفيد تتجنب الاشتباك المباشر رغم بقاء إسرائيل تهديدا في العقيدة القتالية للجيش المصري وتفضل التهدئة ونزع فتيل التصعيد مبكرا.

 

ولهذا أشار إلى أن القاهرة أبرمت اتفاقية الغاز الأخيرة في ظل أزمة معبر رفح وسيطرة إسرائيل على محور صلاح الدين كما تعلن أن تحركاتها العسكرية في سيناء تتم بالتوافق مع إسرائيل.

 

وبالمثل استشهد عبد الكريم بتصريحات بنيامين نتنياهو بشأن الإجراءات المصرية في سيناء ليخلص إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يتعامل حتى الآن مع التقارب المصري التركي بوصفه تهديدا عسكريا مباشرا.

 

وأخيرا يكشف اللقاء أن القاهرة وأنقرة انتقلتا من الخصومة إلى تعاون دفاعي متدرج لكنه لا يزال دون مستوى التحالف الملزم بينما تستخدمه مصر للموازنة وتوظفه تركيا لتوسيع نفوذها وتراقبه إسرائيل بحذر.