كشفت منصة متصدقش استنادا إلى أمر إحالة النيابة العامة في القاهرة أن 600 كيلو من مستندات شركة نيركو المرتبطة بمعاملات قيمتها 600 مليون جنيه بيعت مقابل 4200 جنيه ثم فرمت بالكامل، فاستحال استعادتها.

 

سياسيا، تكشف الواقعة كيف تحولت شركات الدولة تحت حكم الانقلاب إلى ممتلكات بلا حراسة حقيقية، فيما يدفع المصريون ثمن ضياع المال العام وتبقى الأسئلة معلقة حول المسؤولين الذين قد يحميهم اختفاء الأدلة الأصلية.

 

وتتمحور القضية حول ثلاثة مسارات مترابطة، هي سرقة الأرشيف وإعدامه، وتحميل معاون خدمة المسؤولية منفردا، واستمرار تحقيقات موازية تبحث احتمال استخدام الواقعة لإخفاء عقود وتدفقات مالية ومخالفات أوسع داخل الشركة.

 

أرشيف الدولة يباع دشتا

 

وبحسب أمر الإحالة الصادر في 4 يوليو 2026، أحيل معاون الخدمة ع أ إلى المحاكمة في القضية رقم 3969 لسنة 2025 جنايات الوايلي، بتهمة الاستيلاء على مستندات مملوكة للشركة محل عمله.

 

وفي الوقت ذاته، تتبع شركة نيركو وزارة قطاع الأعمال العام، وتبلغ مساهمة الجهات الحكومية فيها 99 و17 من 100 في المئة عبر شركات عامة وبنك مصر، بينما طرحت أسهمها في البورصة يوم 23 أبريل 2026.

 

قانونيا، نسبت النيابة إلى المتهم جناية الاستيلاء بغير حق وبنية التملك على أوراق جهة عمله بصفته موظفا عاما، وأحالت الواقعة وفق مواد متعددة من قانون العقوبات تتصل بالمال العام ومسؤولية الموظفين العموميين.

 

وعند اكتشاف النقص، شكلت إدارة الشركة لجنة لجرد المستندات في مختلف الإدارات، بعدما لاحظ مسؤولون وموظفون اختفاء كميات ضخمة وحرجة، وانتهى الجرد إلى فقد ملفات مالية وتسويقية وأرشيفية ذات أهمية مباشرة.

 

كما أظهرت قائمة أدلة الثبوت أقوال 9 شهود، بينهم 6 من مسؤولي الشركة وموظفيها، أكدوا أن الاختفاء لم يمس أوراقا هامشية، بل طال سجلات تمثل الذاكرة المالية والإدارية والتعاقدية للكيان الحكومي.

 

وفوق ذلك، قال مدير الإدارة المالية وممثلو الشؤون القانونية إن فقد المستندات ألحق ضررا مباشرا بالشركة، إذ عجزت عن إثبات أوجه الصرف والتحصيل والتعاقدات عند إجراءات المحاسبة والمطابقة أمام مصلحة الضرائب.

 

وبالفحص الداخلي، اتهمت الشركة معاون الخدمة بنقل الأوراق وإقناع عامل نظافة خارجي بأنها مخلفات ناتجة عن تصفية نهائية، قبل أن تقدم رواية رسمية تقول إن المتهم أقر منفردا بالاستيلاء عليها ثم هرب.

 

إقرار منفرد وشبهات أوسع

 

ووفقا لشهادة عامل النظافة، جرى تسليم الأوراق على 4 مراحل بعد انتهاء أوقات العمل وخلو المكاتب، وكان المتهم ينقل الأكياس والملفات عبر السلم الخلفي بعيدا عن الموظفين ونقاط الحركة المعتادة داخل المقر.

 

أما المقابل المالي، فلم يتجاوز 7 جنيهات للكيلو الواحد بإجمالي 4200 جنيه، رغم أن الأوراق تخص معاملات تقدر بنحو 600 مليون جنيه، وهي مفارقة عمقت الشكوك بشأن الغرض الحقيقي من التخلص منها.

 

لاحقا، قال عامل النظافة إنه أدى دور الوسيط وأعاد بيع الكميات إلى شخص آخر لم تحدد هويته، وعندما حاولت الشركة استرجاعها كانت قد دخلت مصانع إعادة التدوير وفرمت، فضاع الدليل المادي نهائيا.

 

وعقب افتضاح الواقعة، قدم وكيل الشؤون القانونية بلاغا إلى الشرطة، بينما أثبت تقرير الطب الشرعي صحة توقيع المتهم على الإقرار وعدم تعرضه للإكراه، لكن التحريات لم تنجح في ضبطه بعد اختفائه من محل إقامته.

 

غير أن تقرير الطب الشرعي ذكر أن متن الإقرار حرر باستخدام طابعة، ما أثار تساؤلات حول الجهة التي صاغت الوثيقة قانونيا، وكيف تحمل موظف بسيط بموجبها المسؤولية المنفردة عن إعدام أرشيف بالغ الحساسية.

 

ومن ناحية أخرى، لا تثبت هذه التساؤلات وحدها وجود شركاء أو مدبرين، لكنها تضع رواية الفاعل المنفرد تحت الاختبار، خصوصا مع التخطيط للنقل وتوقيت التسليم وسرعة الاختفاء والصياغة المحكمة للإقرار المنسوب إليه.

 

علاوة على ذلك، أفادت مصادر قضائية وقانونية بأن نيابة الأموال العامة بدأت منذ منتصف يونيو 2026 تحقيقات تكميلية مستقلة لفحص طبيعة الأوراق المفرومة، وما إذا كان إعدامها أخفى معاملات وعقودا واستثمارات مشبوهة.

 

وفي إطار الفحص، استدعت جهات التحقيق رؤساء مجالس إدارة سابقين ومستشارين قانونيين ومسؤولين ماليين، لمقارنة أقوالهم وتتبع مسار الأرشيف، بالتوازي مع مراجعات تجريها جهات رقابية وتحريات مختصة بجرائم الأموال العامة.

 

المعاملات تحت التحقيق

 

مبدئيا، تشير المعلومات المنشورة عن التحقيقات والتحريات الأولية إلى فحص احتمال وجود دافع لإخفاء تدفقات نقدية وعقود استثمارية، في ظل أزمة سابقة بين الشركة ومصلحة الضرائب وجهات رقابية بشأن مراجعات مالية شاملة.

 

وبصورة أوسع، تراجع جهات التحقيق الإقرارات الضريبية عن عامي 2022 و2023 وعامي 2024 و2025، وتفحص شبهة تقديم بيانات غير دقيقة أو متلاعب بها، لكن هذه الفرضيات ما زالت قيد التحقيق ولم يصدر حكم بشأنها.

 

كذلك تشمل الأوراق المفقودة، بحسب المعلومات المتداولة في التحقيقات، عقود شراء أراض وتخصيصاتها وشراكات مع مستثمرين، وهي وثائق قد تظهر الفارق بين السعر الحقيقي للمتر والقيمة التي جرى إثباتها في السجلات الرسمية.

 

ومن جانب آخر، يجرى فحص دفاتر العمولات ومستخلصات المقاولين ومحاضر استلام الأعمال، لمعرفة ما إذا تضمنت مبالغات أو أعمالا وهمية أو مدفوعات غير قانونية، وهي اتهامات لا تزال بحاجة إلى أدلة ونتائج قضائية حاسمة.

 

إضافة إلى ذلك، تبحث التحقيقات مصير عقود العملاء وحسابات الأقساط والمبيعات النقدية، واحتمال وجود تدفقات دخلت الشركة خارج السجلات الرسمية، بما قد يرتبط بالتهرب الضريبي أو تسهيل الاستيلاء على أموالها.

 

وبالتالي، يمتد نطاق البحث إلى قيادات تنفيذية ومستثمرين ومقاولي باطن قد يستفيدون من غياب العقود الأصلية، لأن إعدامها يصعب إثبات مخالفات التربح أو العمولات أو المبالغات، ويعرقل مطالبة أي مستفيد برد الأموال.

 

وفي المقابل، قد تتحمل الشركة غرامات وجزاءات ضريبية ضخمة بسبب عجزها عن تقديم مستندات الصرف والتحصيل، كما تواجه احتمالات إقامة دعاوى تعويض وفقد تعاقدات، لتنتقل كلفة الإعدام في النهاية إلى ميزانية الدولة.

 

ومن ثم، يهدد فقد الأرشيف بإسقاط مديونيات مستحقة للشركة لدى الغير واستحالة إثباتها قضائيا، فضلا عن شلل رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات والوزارة، وتحول المركز المالي للشركة إلى صندوق مغلق يصعب تقييمه.

 

وأخيرا، لا تتوقف القضية عند 600 كيلو من الورق أو موظف هارب، بل تختبر قدرة الدولة على كشف المستفيد الحقيقي وحماية أصول المواطنين، ومنع تحويل الحلقة الأضعف إلى ستار يدفن وراءه فساد أكبر.