فرضت وزارة التربية والتعليم في مصر رسوماً تصل إلى 300 جنيه على استخراج وثائق وخدمات طلاب الثانوية العامة، ما أشعل غضب أولياء الأمور، ووسع الجدل بشأن تحويل الأوراق الدراسية الضرورية إلى عبء مالي جديد.
وسياسياً، تكشف الواقعة كيف تواصل السلطة تحميل الأسر كلفة تراجع الخدمات العامة، بينما يتحول حق التعليم إلى سلسلة مدفوعات متزايدة، تلاحق الطالب حتى بعد الامتحان وتستنزف دخلاً أنهكته الغلاءات والسياسات الاقتصادية القاسية.
رسوم تثقل الأسر
وفي التفاصيل، شمل القرار بيانات النجاح والرسوب والغياب والقيد والمعادلات، إلى جانب كشوف الدرجات والتصديق على الشهادات وتعديل الأسماء، فضلاً عن الاستعلام عن صحتها والإفادات الصادرة من الإدارات التعليمية المختصة.
وبحسب الرسوم المعلنة، يبلغ استخراج بيان النجاح أو كشف الدرجات أو بيان الرسوب أو الغياب 100 جنيه، على أن يتسلم الطالب الوثيقة في اليوم التالي لتقديم الطلب واستيفاء المتطلبات الإدارية المطلوبة منه.
أما تعديل الاسم والإفادات الصادرة من الإدارة، فقد حددت الوزارة مقابلهما عند 150 جنيهًا، وهو مبلغ أثار تساؤلات حول سبب تحميل الطالب كلفة تصحيح بيانات يفترض أن تكون دقيقة منذ البداية.
وفيما يتعلق بالمعادلات، تقرر تحصيل 150 جنيهًا لاستخراج بيان معادلة الشهادات، بينما قفز رسم كشف الدرجات المترجم إلى لغة أجنبية ليبلغ 300 جنيه، وهو أعلى مقابل ضمن القائمة المعلنة للخدمات.
كذلك، حدد الإعلان رسم الاستعلام عن صحة الشهادات الدراسية عند 150 جنيهًا، في حين بلغت كلفة التصديق على الشهادات 80 جنيهًا، بما يضيف مدفوعات جديدة إلى إجراءات يحتاجها الطلاب للدراسة أو العمل.
ومن جهة أخرى، يدفع الطالب 100 جنيه مقابل استخراج بيان يثبت عدم تقدمه لامتحانات الثانوية العامة وما يعادلها، رغم أن الوثيقة لا تتطلب سوى مراجعة السجلات الرسمية وإثبات الحالة المسجلة.
وفوق ذلك، ألزمت الوزارة مقدم الطلب بلصق طابع الشهيد وطابع المهن التعليمية عند طلب أي محرر مشمول بالقرار، بما يعني أن القيمة النهائية قد تتجاوز الرسم الأساسي المثبت في القائمة.
وإلى جانب الرسوم الأصلية، فرضت الوزارة 25 جنيهًا إضافية مقابل الاستعجال لمن يريد استلام البيان في يوم تقديم الطلب، فتحول الفارق بين الخدمة العادية والعاجلة إلى بند تحصيل مستقل جديد.
وبذلك، لا تقف الكلفة عند ثمن الورقة المطلوبة، بل تمتد إلى طوابع ورسوم استعجال وانتقالات بين الإدارات، وهو ما يضاعف العبء على الأسر القادمة من مناطق بعيدة لإنهاء الإجراءات الرسمية.
تسعير الخدمة العامة
وعند قراءة القائمة، يظهر أن معظم الخدمات الأساسية تدور بين 80 و150 جنيهًا، فيما يصل بعضها إلى 300 جنيه، بما يعكس اتجاهاً واضحاً إلى تسعير كل خطوة إدارية على حدة.
وفي المقابل، لا تنظر الأسر إلى هذه المبالغ منفصلة، إذ تتراكم مع مصروفات الدروس والانتقالات والامتحانات والتقديم للجامعات، فتتحول الرسوم الصغيرة ظاهرياً إلى فاتورة واسعة تثقل ميزانية الأسرة المصرية المحدودة.
ومع انتهاء امتحانات الثانوية العامة، تزداد حاجة الطلاب إلى كشوف الدرجات والإفادات والتصديقات، ما يجعل توقيت الرسوم شديد الحساسية ويضع الأسر أمام دفع لا يمكن تأجيله في كثير من الحالات.
وعلاوة على ذلك، يمس القرار وثائق لا تعد خدمات ترفيهية، بل أوراقاً لازمة لإثبات المسار الدراسي وتصحيح البيانات ومواصلة التعليم، ولذلك يبدو فرض المقابل المرتفع أقرب إلى جباية مرتبطة بحق أساسي.
وبناءً على ذلك، يصبح السؤال الرئيسي متعلقاً بأساس تحديد الأسعار وكلفة إصدار الوثيقة فعلياً، خصوصاً أن غالبية البيانات محفوظة داخل سجلات الوزارة، ولا يحتاج استخراجها إلى خدمة استثنائية تبرر هذه القيم.
ومن ثم، يفتح غياب تفسير تفصيلي لبنود التسعير باب الشك بشأن استخدام الوثائق التعليمية مورداً للتحصيل، بدلاً من اعتبارها جزءاً من مسؤولية الدولة تجاه الطلاب الذين أتموا سنوات الدراسة والامتحانات.
لذلك، قال أحمد حسن إن جميع القرارات تزيد الأعباء على الشعب، في تعليق يلخص شعوراً عاماً بأن كل إجراء حكومي جديد ينتهي إلى اقتطاع مبلغ إضافي من دخول المواطنين المتآكلة.
وبصورة أكثر تشاؤماً، خشي حماد مصطفى من أن تؤدي الأخطاء في البيانات أو النتائج إلى إجبار الطالب على دفع رسوم التصحيح، معتبراً أن الخطأ المحتمل قد يتحول إلى وسيلة لتحصيل مبالغ إضافية.
غير أن هذا التخوف، وإن ظل رأياً لأحد أولياء الأمور، يكشف أزمة ثقة أوسع بين المواطنين والجهات الحكومية، حيث ينظر كثيرون إلى أي رسم جديد باعتباره مقدمة لمزيد من التحصيل.
غضب وسخرية الأسر
وعلى نحو ساخر، قالت شيماء سلامة إن البيان يبدو صادراً عن وزارة الهجرة لا وزارة التعليم، في إشارة إلى أن الرسوم تقترب في نظرها من كلفة المعاملات المرتبطة بالسفر والاغتراب.
وبعبارة مقتضبة، طالب وائل زهران السلطة بأن تواصل التفتيش في جيوب الناس، وهي سخرية عكست شعوراً بأن القرارات المالية المتلاحقة تبحث عن مواردها لدى المواطن مهما تراجع دخله الحقيقي المتاح.
وفي تعليق آخر، تساءل محمد الشامي عن سبب ارتفاع الرسوم، ساخراً مما إذا كانت الخدمة تعمل بالبنزين، وهو سؤال يختصر غياب التناسب المفهوم بين كلفة الإجراء والمبلغ المطلوب من الطالب.
ومن جانبه، اعتبر أحمد ناجح أن المصريين أصبحوا يعاملون داخل بلدهم معاملة الأجانب، في تعبير عن إحساس متصاعد بأن الحصول على الوثائق الرسمية لم يعد حقاً ميسراً للمواطن وأسرته محدودة الدخل.
وفي المحصلة، تكشف التعليقات المتباينة بين الغضب والسخرية والخوف أن الأزمة لا تتعلق بقيمة منفردة، وإنما بطريقة إدارة التعليم التي تطلب من الأسرة الدفع عند كل مرحلة وكل وثيقة رسمية.
وبوجه خاص، ستكون الأسر الأفقر الأكثر تضرراً، لأن الطالب قد يحتاج أكثر من بيان أو تصديق، بينما لا تراعي الرسوم تفاوت الدخول ولا تقدم إعفاءات معلنة لغير القادرين من الطلاب.
وفي الوقت نفسه، قد تدفع الكلفة بعض الطلاب إلى تأخير استخراج وثائقهم أو الاكتفاء بما هو متاح، بما يهدد فرص التقديم للدراسة والعمل ويحول العائق الإداري إلى تمييز اجتماعي فعلي.
ولهذا، يحتاج القرار إلى مراجعة علنية توضح أسس التسعير وتخفض المقابل إلى حدود رمزية، مع ضمان مجانية تصحيح الأخطاء وإعفاء غير القادرين، حتى لا تصبح الوثيقة حاجزاً أمام مستقبل الطالب.
وأخيراً، لا يقاس نجاح وزارة التعليم بحجم ما تجمعه من رسوم، بل بقدرتها على حماية حق الطلاب وتيسير معاملاتهم، أما تحويل كل إفادة إلى فاتورة فيعمق الغضب ويهدم الثقة العامة.

