كشف بلاغ مقدم إلى النائب العام من أحد ملاك مشروع جنة مصر في التجمع الثالث بالقاهرة الجديدة عن تصدعات وشروخ إنشائية تمتد بين عدة عمارات، وسط مخاوف من الهبوط الأرضي واحتمالات تهدد سلامة السكان.
ويضع البلاغ وزارة الإسكان وأجهزة المدن أمام مسؤولية سياسية وإنسانية مباشرة، لأن بيع وحدات توصف بالفاخرة ثم ترك ملاكها في مواجهة الشروخ وتسربات المياه والمصاعد المعطلة يعكس انهيارًا في الرقابة قبل أن يكون خللًا إنشائيًا.
شروخ تتجاوز التشطيبات
وبحسب البلاغ، ظهرت شروخ متزايدة داخل الشقة رقم 2 بالعمارة رقم 164، بينما أكد مهندس تابع لجهاز المدينة وجود هبوط أرضي وأن طبيعة الضرر إنشائية وتمتد إلى عمارات متجاورة داخل المشروع.
وفي السياق نفسه، أشار مقدم البلاغ إلى أن نطاق الضرر يمتد من العمارة رقم 163 حتى العمارة رقم 169، وهو ما يرجح وجود مشكلة أوسع في التربة أو الأساسات وليس عيبًا محدودًا داخل وحدة واحدة.
وخلال نوفمبر 2024، عاين نائب رئيس جهاز المدينة ورئيس الحي موقع التصدعات، لكن الزيارة لم تتبعها إجراءات علاجية حاسمة، ما دفع السكان إلى تصعيد شكاواهم والبحث عن مسار قانوني يحميهم.
وبعد ذلك، تقدم المتضررون بشكوى رسمية إلى جهاز القاهرة الجديدة حملت رقم 6534 بتاريخ 9 مارس 2025، مطالبين بفحص داخلي شامل للعقارات وتحديد أسباب الهبوط قبل تفاقم الأضرار وتهديد حياة الأسر المقيمة.
غير أن اللجان الفنية اكتفت، وفق رواية السكان، بمعاينة العمارات من الخارج وإصدار تقارير استلام وفحص هندسي دون دخول الوحدات المتضررة أو إجراء جس للتربة يكشف طبيعة الحركة أسفل المباني.
كما أن المعاينة الخارجية لا تستطيع رصد الشروخ الداخلية أو تقييم سلامة الأعمدة والكمرات والحوائط، وهو ما يجعل التقارير الظاهرية غير كافية لتحديد مستوى الخطر أو وضع خطة إصلاح حقيقية.
ولذلك رفض السكان ما وصفوه بالعلاج السطحي للشروخ، مؤكدين أن إخفاء العلامات الظاهرة بالدهانات أو المعجون لا يعالج أسباب الهبوط، بل يؤجل ظهور الخطر ويزيد احتمالات تفاقمه مستقبلًا داخل العقارات المتضررة.
ومن ثم، طالب الملاك بتشكيل لجنة هندسية محايدة تضم خبراء من المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، لإجراء فحوص شاملة من الداخل والخارج وتحديد الأسباب الجذرية وخطة التدعيم المطلوبة لحماية المباني والسكان.
تربة متحركة وخطر ممتد
وكشف تقرير هندسي منسوب إلى المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء أن عدم تنفيذ شبكة صرف زراعي متكاملة أدى إلى ارتفاع المياه الجوفية وتحرك التربة أسفل أجزاء من المشروع وتهديد استقرار المنشآت.
ووفق التقرير، توجد تربة انتفاشية تتغير خواصها مع المياه، ما يؤدي إلى تمددها أو هبوطها وتحريك العناصر الإنشائية فوقها، وهو ما يفسر ظهور التصدعات بصورة متصلة بين عمارات متجاورة داخل الموقع.
وإلى جانب ذلك، رصد التقرير أضرارًا في الأعمدة والكمرات والحوائط بعدد من العقارات، شملت العمارات 77 و78 و79 و164 و165 و166 و167 و168 و187 و188 و189 و210 و231 و262 بالمشروع.
وعلى هذا الأساس، لم تعد الأزمة مجرد خلاف حول جودة تشطيب أو شروخ سطحية، بل أصبحت مسألة سلامة عامة تستوجب تدخلًا هندسيًا عاجلًا ومنع أي أعمال تجميلية تخفي مؤشرات الخلل.
وفي المقابل، اتهم السكان شركة المقاولات المنفذة بالتقاعس عن تنفيذ إصلاحات جذرية، واللجوء إلى حلول ظاهرية لا تتناسب مع طبيعة المشكلة، مع غياب جدول زمني واضح لمعالجة الأسباب الإنشائية المتراكمة.
وبناءً على ذلك، طالب المتضررون بإلزام الشركة بتنفيذ أعمال التدعيم والإصلاح على نفقتها، وفق تقارير هندسية معتمدة، مع ضمانات مكتوبة تمنع تكرار الأضرار وتحفظ حقوق الملاك في وحدات آمنة ومستقرة.
وعلاوة على ذلك، أشارت شكوى موجهة إلى وزير الإسكان السابق إلى شبهات تلاعب في المواصفات وغياب أنظمة السلامة، مع اتهامات لأجهزة المدينة بالاعتماد على معاينات شكلية لا تعكس الواقع داخل الوحدات.
وفي هذا الإطار، قال ملاك إن التشطيبات المنفذة أقرب إلى مواصفات مشروع دار مصر للإسكان المتوسط، رغم تسويق الوحدات باعتبارها ضمن مشروع فاخر واحتساب أسعار أعلى عند التعاقد مع المشترين.
خدمات غائبة وأموال غامضة
ومن ناحية أخرى، رصد السكان تدني أعمال السباكة والكهرباء والمحارة، واضطرار عدد منهم إلى إعادة الإصلاح على نفقتهم الخاصة، رغم زيادة سعر المتر بنحو 2000 جنيه مقارنة بمشروعات جنة أخرى.
وفوق ذلك، غابت مرافق يفترض توافرها في مشروع سكني فاخر، بينها النادي الاجتماعي والمبنى الإداري، بينما جفت مساحات خضراء واسعة ولم ينفذ من السور الشجري سوى 800 متر بحسب الشكاوى.
وبالتوازي، تحدث الملاك عن تسربات مستمرة في شبكات مياه الشرب تتسبب في انقطاعات يومية وتآكل وهبوط بالإنترلوك، بما يضيف عاملًا جديدًا قد يفاقم حركة التربة ويزيد الأضرار المحيطة بالمباني السكنية.
أما على مستوى السلامة، فقال السكان إن المشروع الذي يضم 365 عمارة ونحو 10 آلاف شقة يخلو من نظام إطفاء فعال، مع وجود صناديق فارغة لا تحتوي على خراطيم أو تجهيزات للطوارئ.
وفي الوقت نفسه، اشتكى الملاك من تركيب مصاعد مجهولة الهوية بحمولة لا تتجاوز 150 كيلوغرامًا، وتعاني أعطالًا متكررة، ما يثير تساؤلات حول مطابقتها للمواصفات وقدرتها على خدمة عمارات سكنية كبيرة.
وإضافة إلى ذلك، يفتقر المشروع إلى لوحات إرشادية واضحة، وتبقى مخلفات البناء والحفر في أجزاء متعددة، كما تغيب وسائل النقل التي تربط التجمع بالمناطق المركزية المحيطة وتخفف عزلة السكان اليومية.
وعلى الصعيد المالي، طالب السكان بالتحقيق في أوجه صرف عوائد وديعة الصيانة التي سددوها بالكامل، مؤكدين غياب الشفافية بشأن الإيرادات والمصروفات ونطاق الأعمال التي يفترض تنفيذها داخل المشروع السكني.
وفي ديسمبر 2024، أُسندت أعمال الصيانة إلى شركة إيدين، لكن السكان يقولون إن الشركة تتنصل من الأعطال والمشكلات المستمرة، رغم أن نسبة الإشغال لا تتجاوز 25 في المئة حاليًا داخل المشروع.
وأخيرًا، تكشف الأزمة فجوة بين السعر المدفوع والخدمة الفعلية، وتفرض على وزارة الإسكان نشر نتائج الفحوص ومحاسبة المقصرين وضمان إصلاحات جذرية، قبل أن تتحول الشروخ الحالية إلى كارثة يصعب احتواؤها.

