تكشف معطيات ووثائق مرتبطة بتحقيقات قضائية ورقابية عن نشاط شبكة فساد واسعة داخل قطاع النفط العراقي، يُشتبه في تورطها منذ عام 2011 في تمرير صفقات غير قانونية وعمليات تلاعب وتهريب تسببت في إهدار وسرقة مبالغ تُقدَّر بأكثر من 35 مليار دولار.
وتشير المعلومات المتداولة في هذا الملف إلى أن الشبكة استفادت من نفوذ سياسي وإداري داخل مؤسسات الدولة، ومن علاقات مع مسؤولين وأحزاب وجهات مسلحة، لفرض سيطرتها على أجزاء من عمليات إنتاج النفط ونقله وتكريره وتسويقه.
ولا تقتصر خطورة القضية على حجم الأموال المهدرة، بل تمتد إلى تأثيرها المباشر في الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة ودفع الرواتب وتنفيذ المشروعات الخدمية.
ووفقًا للمعطيات الواردة، فإن جزءًا كبيرًا من عوائد الإنتاج النفطي كان يتسرب خارج القنوات الرسمية، ويُستخدم في تمويل جماعات سياسية ومسلحة، في وقت تعاني فيه محافظات عراقية عديدة من تدهور البنية التحتية ونقص الخدمات وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
نفوذ سياسي وسيطرة على الإنتاج
تفيد المعلومات بأن الشبكة تمكنت، عبر نفوذها داخل مؤسسات الدولة، من التحكم في كميات كبيرة من النفط الخام والمشتقات النفطية، مستفيدة من ضعف الرقابة وتعدد الجهات المشرفة على عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع.
وتذهب بعض التقديرات الواردة في الملف إلى أن عوائد كميات قد تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، بما يعادل أكثر من ثلث الإنتاج النفطي في فترات معينة، كانت تتعرض للتسريب أو التلاعب لصالح جهات نافذة.
ويُعتقد أن أساليب التلاعب شملت تسجيل كميات أقل من النفط المنتج أو المنقول مقارنة بالكميات الفعلية، وتحويل شحنات إلى جهات غير مدرجة في السجلات الرسمية، إلى جانب استخدام شركات وسيطة وواجهات تجارية لإخفاء مسارات الأموال.
كما تشير المستندات إلى شبهات تورط مسؤولين في وزارة النفط في تعديل بيانات الكميات المحولة إلى المصافي أو المخصصة للاستهلاك المحلي.
وبحسب المعلومات ذاتها، أسهمت المجاملات السياسية ودفع الرشى في منح تراخيص لإنشاء معامل ومصافٍ نفطية خاصة، بعضها لم يكن مستوفيًا للشروط الفنية أو القانونية المطلوبة.
وأتاح ذلك لجهات نافذة الحصول على النفط بأسعار مدعومة أو بكميات أكبر من احتياجاتها المعلنة، قبل إعادة بيع جزء منه داخل البلاد أو تهريبه إلى الخارج بأسعار السوق.
وأدى هذا النمط من الفساد، وفقًا للتقارير المرتبطة بالقضية، إلى خسائر متراكمة في خزينة الدولة، وحرمان الحكومة من موارد كان يمكن توجيهها لتحسين قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والمياه والإسكان.
كما أسهم في تكوين مراكز نفوذ اقتصادية وسياسية باتت قادرة على التأثير في القرارات الحكومية وعرقلة أي محاولات جادة للإصلاح أو الملاحقة.
الوقود المدعوم بوابة للتهريب
تُعد عمليات التلاعب بالكميات المخصصة للاستهلاك المحلي واحدة من أبرز الآليات التي تعتمد عليها شبكات تهريب النفط والوقود في العراق.
إذ يجري، بحسب التحقيقات، رفع الاحتياجات المعلنة لبعض المحافظات أو المنشآت الصناعية ومحطات التوليد، ثم تحويل الفائض بصورة غير مشروعة إلى مخازن أو معامل خاصة تمهيدًا لإعادة بيعه.
وتستفيد شبكات التهريب من الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعوم داخل العراق وأسعاره في الأسواق الإقليمية، ولا سيما البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض.
ويتيح هذا الفارق تحقيق أرباح ضخمة خلال فترات قصيرة، خصوصًا عند تهريب المشتقات عبر الحدود البرية أو الممرات المائية، أو بيعها إلى منشآت تجارية وصناعية بأسعار أعلى من السعر الرسمي.
وتشير تفاصيل الملف إلى أن بعض عمليات السرقة لم تكن لتتم دون تعاون موظفين ومسؤولين في مواقع الإنتاج والخزن والتوزيع، إضافة إلى عناصر مكلفة بحماية المنشآت أو الإشراف على حركة الصهاريج.
وقد ساعد التلاعب بأجهزة القياس وأذونات النقل والفواتير والسجلات الإلكترونية في إخفاء جزء من الكميات المسروقة، أو إظهارها على أنها فاقد فني ناتج عن النقل والتخزين.
كما يُشتبه في استخدام جانب من العوائد لتمويل أحزاب وميليشيات وشبكات مصالح، الأمر الذي جعل ملف الفساد النفطي متداخلًا مع الصراع السياسي والأمني.
ولهذا تواجه السلطات صعوبات كبيرة في الوصول إلى جميع المتورطين، في ظل امتلاك بعضهم نفوذًا داخل أجهزة الدولة أو علاقات تمكنهم من تعطيل التحقيقات وإخفاء الأدلة ونقل الأموال.
مضبوطات بمليارات الدنانير والذهب
شهدت القضية تطورات بارزة بعد إعلان القضاء العراقي عن ضبط أموال وممتلكات ضخمة مرتبطة بملف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموقوف، عدنان الجميلي.
ووفق البيانات المعلنة، شملت المضبوطات نحو 213 مليار دينار عراقي، و12 مليون دولار، إضافة إلى نحو 400 كيلوغرام من الذهب.
وأعلنت محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية لاحقًا ضبط 27 مليار دينار إضافية ضمن القضية نفسها، في مؤشر على اتساع نطاق الأموال محل التحقيق واحتمال تورط أطراف أخرى في عمليات غسل أموال أو إخفاء عوائد غير مشروعة.
وتواصل الجهات القضائية تتبع الحسابات المصرفية والعقارات والشركات والتحويلات المرتبطة بالمتهمين، بهدف استرداد الأموال العامة وتحديد المسؤوليات القانونية.
وتبقى هذه القضية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العراقية على مواجهة الفساد في واحد من أكثر القطاعات حساسية وأهمية.
فاستكمال التحقيقات وكشف جميع المتورطين، بصرف النظر عن مواقعهم السياسية والإدارية، يمثلان خطوة ضرورية لحماية الثروة النفطية ووقف استخدامها في تمويل شبكات النفوذ والسلاح.
كما يتطلب منع تكرار هذه العمليات تطوير أنظمة القياس والرقابة الإلكترونية، وإخضاع حركة النفط والمشتقات لتدقيق مستقل، ونشر بيانا الإنتاج والتخصيص والنقل بصورة دورية وشفافة.
فالقضاء على الفساد النفطي لا يتوقف عند توقيف بعض المسؤولين، بل يحتاج إلى إصلاح مؤسسي شامل يفكك شبكات المصالح ويضمن وصول عوائد النفط إلى خزينة الدولة والمواطن العراقي.

