منحت الحكومة الإسبانية إيطاليا مهلة حتى الأحد 9 أغسطس 2026 لرفع القيود الحدودية المفروضة على القادمين من أراضيها، محذرة من اتخاذ تدابير متناسبة لحماية مصالح مواطنيها إذا أصرت روما على موقفها، في خلاف دبلوماسي نادر بين بلدين عضوين في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، اندلع على خلفية أزمة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الإسباني شمالي المغرب.
إنذار إسباني لروما
وصفت مدريد الإجراءات الإيطالية بأنها غير عادلة وتمييزية بحق الشعب الإسباني ومخالفة لمصالح الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن استمرارها لا يستند إلى مبررات واقعية بعد عودة معظم المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة نحو الأراضي المغربية، وعدم قدرتهم على الانتقال مباشرة من الجيب إلى البر الإسباني دون المرور بإجراءات أمنية ورقابية مشددة.
واتهمت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز السلطات الإيطالية بتحويل أزمة إنسانية وأمنية معقدة إلى نزاع تحركه حسابات انتخابية داخلية، في إشارة إلى الضغوط التي تتعرض لها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من القوى الأكثر تشددًا تجاه الهجرة، والتي تطالب باتخاذ إجراءات أوسع ضد الدول المتهمة بالتساهل في استقبال المهاجرين.
وكانت إيطاليا قد أعادت فرض ضوابط على الرحلات البحرية والجوية القادمة من إسبانيا اعتبارًا من 31 يوليو ولمدة شهر، مع تركيز عمليات التدقيق على المسافرين من مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينما نسقت مع فرنسا لتشديد الرقابة عند الحدود الفرنسية الإيطالية، إذ لا توجد حدود برية مباشرة بين إسبانيا وإيطاليا.
وبررت ميلوني القرار بالحاجة إلى حماية الأمن القومي ومنع انتقال تداعيات أزمة سبتة إلى بلادها، مؤكدة أن التدبير استثنائي ومؤقت. غير أن مدريد ترى أن تلك المخاوف مبالغ فيها، وأن الإجراء يستهدف الإسبان وسمعة بلادهم أكثر مما يعالج خطرًا أمنيًا قابلًا للإثبات.
ورغم الإنذار الإسباني، رفضت روما التراجع الفوري عن القيود، مشيرة إلى استمرار المخاوف الأمنية والتحذيرات من محاولة عبور جماعي جديدة إلى سبتة في 15 أغسطس، وهو ما ينذر باتساع المواجهة إذا مضت مدريد في تنفيذ تهديدها باتخاذ إجراءات مضادة لم تحدد طبيعتها حتى الآن، وفق رويترز .
سبتة تشعل الخلاف
تعود الأزمة إلى عبور عشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة خلال أيام، في موجة غير مسبوقة تسببت في سقوط عشرات الضحايا وأثارت ارتباكًا أمنيًا وإنسانيًا واسعًا. واستغل مهربون معلومات مضللة انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي لإقناع المهاجرين بإمكان البقاء أو الانتقال إلى أوروبا بمجرد دخول الجيب الإسباني.
وأعلنت السلطات الإسبانية أن الغالبية الساحقة من الوافدين عادت إلى المغرب، مشددة على أن الانتقال من سبتة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية يخضع لرقابة شرطية تمنع تحرك الوافدين بصورة تلقائية داخل فضاء شنغن. لذلك اعتبرت مدريد أن القيود الإيطالية تعاقب المسافرين دون وجود مسار فعلي يربط أزمة سبتة بالأمن الإيطالي.
في المقابل، تنظر حكومة ميلوني إلى الأزمة بوصفها اختبارًا جديدًا لحدود أوروبا الخارجية، وتقول إن التدفقات المفاجئة والكبيرة قد تنتقل آثارها بين الدول الأعضاء بسرعة. كما ربط مسؤولون إيطاليون موقفهم بسياسة الحكومة الإسبانية تجاه تسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، معتبرين أنها قد تشجع تدفقات إضافية.
وامتد الجدل إلى عواصم أوروبية أخرى، بعدما دعا قادة إلى تشديد الإجراءات بحق إسبانيا أو إعادة تقييم وضعها داخل فضاء شنغن، بينما دافعت دول أخرى عن ضرورة التضامن معها. غير أن تعليق عضوية دولة منفردة في شنغن ليس قرارًا تستطيع حكومة وطنية اتخاذه بمفردها، لأنه يخضع لقواعد ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ويكشف الخلاف انقسامًا أوسع داخل أوروبا بشأن توزيع مسؤوليات الهجرة، إذ تطالب دول الوصول الأولى بمزيد من التضامن وتقاسم الأعباء، بينما تركز حكومات أخرى على الردع وإغلاق طرق الانتقال. وبين الموقفين، يتحول المهاجرون والمسافرون العاديون إلى الطرف الأكثر تعرضًا للقيود والتأخير وعدم اليقين.
اختبار لقواعد شنغن
تسمح قواعد شنغن بإعادة فرض الرقابة مؤقتًا عند وجود تهديد خطير للنظام العام أو الأمن الداخلي، لكنها تشترط أن يكون الإجراء ضروريًا ومتناسبًا ومحدود المدة والنطاق، وأن يستخدم باعتباره ملاذًا أخيرًا بعد تقييم البدائل المتاحة وآثاره على حرية الحركة بين الدول الأعضاء.
كما يتعين على الدولة التي تعيد الضوابط إخطار البرلمان الأوروبي والمجلس والمفوضية والدول الأخرى، وتقديم مبررات واضحة وتقييم للمخاطر. وتتيح القواعد للمفوضية أو لأي دولة عضو الاعتراض إذا ثارت شكوك حول ضرورة التدابير أو تناسبها، بحسب النظام الأوروبي المعدل لقواعد حدود شنغن.
ومن شأن استمرار الأزمة أن يضع المفوضية الأوروبية أمام اختبار حساس، لأن التساهل مع القيود غير المدعومة بأدلة كافية قد يشجع دولًا أخرى على استخدام الاستثناءات الأمنية في نزاعات ثنائية أو داخلية، بما يهدد أحد أبرز إنجازات الاتحاد المتمثلة في حرية انتقال الأشخاص.
أما الإجراءات الإسبانية المضادة فقد تشمل، نظريًا، قيودًا مماثلة أو تحركًا قانونيًا ودبلوماسيًا داخل مؤسسات الاتحاد، لكن مدريد لم تعلن تفاصيلها. ويظل اختيار الرد محكومًا بالحاجة إلى حماية مواطنيها دون توسيع الأزمة أو إلحاق أضرار إضافية بالسياحة والنقل والتجارة خلال موسم الصيف.
وبذلك، لم يعد الخلاف محصورًا في التعامل مع تدفقات سبتة، بل تحول إلى مواجهة حول حدود السيادة الوطنية داخل منظومة أوروبية مشتركة. وستحدد استجابة روما بعد انتهاء المهلة، وتحرك المفوضية الأوروبية، ما إذا كانت الأزمة ستنتهي بتسوية سريعة أم تفتح بابًا لمزيد من القيود المتبادلة داخل شنغن.

