فعت الحكومة أسعار معظم شرائح الكهرباء المنزلية في مصر بمتوسط 12%، مستهدفة توفير 20 مليار جنيه خلال العام المالي 2026 و2027، ما يزيد أعباء الأسر ويعيد الغلاء إلى فواتير خدمة أساسية.

 

ويكشف القرار كيف تُدار أزمة القطاع من جيوب المواطنين، إذ تُقدَّم الزيادة بوصفها حاجزًا أمام انقطاع التيار، بينما يُطلب من أسر أنهكها الغلاء سداد ثمن مديونيات متراكمة وقرارات تأجل إصلاحها سنوات.

 

وبحسب مسؤول حكومي، كان استمرار تأجيل الزيادة سيضغط على منظومة الكهرباء وقد يعيد خطة تخفيف الأحمال، لأن القطاع يحتاج إلى سيولة لشراء الوقود وضمان تشغيل محطات الإنتاج واستقرار الشبكة خلال فترات الاستهلاك المرتفع.

 

وفي المقابل، قال المسؤول إن الحكومة لم تتعهد رسميًا بتجميد الأسعار طوال 2026، رغم تداول تصريحات سابقة بهذا المعنى، وهو تبرير متأخر لا يبدد أثر الرسائل المتناقضة على ثقة المواطنين في القرارات الحكومية.

 

 

زيادة لا تعالج العجز

 

أوضح المسؤول أن مجلس الوزراء أرجأ تحريك أسعار القطاع المنزلي 4 مرات منذ 2024 حتى يونيو 2026، قبل تنفيذ الزيادة الأخيرة، مرجعًا التأجيل إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت المواطنين خلال تلك الفترة.

 

ومع ذلك، بلغت مديونية وزارة الكهرباء المستحقة لوزارة البترول نحو 500 مليار جنيه، وهو رقم يكشف عمق الاختلال المالي بين جهتين حكوميتين، ويطرح تساؤلات عن أسباب تراكم الالتزامات وآليات الرقابة والمحاسبة طوال السنوات الماضية.

 

وعند مقارنة الرقمين، فإن حصيلة الزيادة المقدرة بنحو 20 مليار جنيه تعادل 4% فقط من المديونية المعلنة، ما يعني أنها لن تغلق الفجوة، لكنها ستنقل جزءًا جديدًا من تكلفتها مباشرة إلى فواتير المنازل.

 

وفي هذا السياق، قال استشاري الطاقة والاستدامة محمد سليم إن زيادة الأسعار بنسبة 12% ليست سوى مسكن مؤقت، ولن تعالج الأزمة الهيكلية التي تضرب منظومة إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها أو تمنع تجدد العجز.

 

وبالتالي، قدر سليم تكلفة إنتاج ونقل وحدة الكهرباء بنحو 7 جنيهات عند احتساب الوقود والأسعار العالمية وسلاسل الإمداد، معتبرًا أن البيع بأقل من التكلفة يفسر الأعباء المالية الضخمة التي تتحملها الدولة سنويًا.

 

غير أن الخبير حذر من أن تحميل الفارق للمستهلك يرفع تكاليف المصانع والسلع والخدمات، ويمحو سريعًا أثر أي زيادات في الأجور والمعاشات، لأن الكهرباء تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم الأنشطة الاقتصادية.

 

ولهذا، دعا سليم إلى إعادة هيكلة القطاع وتقليل الفقد وفتح سوق الطاقة أمام الإنتاج والبيع المباشر، بدل الاكتفاء بزيادات دورية لا تمس جذور الخلل، ولا تكشف للرأي العام أين ذهبت موارد المنظومة.

 

 

فاتورة تشعل التضخم

 

أكدت وزارة الكهرباء أن الدولة تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا لسد الفجوة بين تكلفة الإنتاج وأسعار البيع، وأن نسبة ما تتحمله الأسر تختلف وفق الاستهلاك، بينما استثنت الشريحة الأولى من الزيادة الأخيرة.

 

وبينما تروج الحكومة لاستمرار الدعم، تواجه الأسر زيادة فعلية في الشرائح التالية بدءًا من فاتورة أغسطس، بما يضغط على ميزانيات الطعام والعلاج والتعليم، ويجبر محدودي الدخل على تقليص استهلاك ضروري خلال ذروة الصيف.

 

ومن ناحية أخرى، لا يتوقف أثر القرار عند قيمة الفاتورة المنزلية، لأن المحال والمصانع ومقدمي الخدمات يعيدون تمرير زيادة التكلفة إلى أسعار منتجاتهم، فتتحول نسبة 12% إلى موجة أوسع من الغلاء المتتابع.

 

ومن جانبه، توقع الخبير الاقتصادي هاني جنينة تسارع التضخم عقب رفع الكهرباء، موضحًا أن زيادة السلع والخدمات المسعرة حكوميًا بنسب بين 10% و15% ترفع التضخم الشهري عادة بنسبة تقترب من 2%.

 

كما أشار جنينة إلى أن الكهرباء، مثل السولار، تدخل في تكاليف المنتجات والخدمات والأجور، ولذلك يظهر أثرها المباشر وغير المباشر على الأسواق، حتى إن بقي وزنها داخل سلة قياس الأسعار أقل من الغذاء والوقود.

 

إضافة إلى ذلك، جاءت الزيادة بعد سنوات من تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل تثبيت الشريحة الأولى حماية محدودة لا تشمل ملايين الأسر التي يتجاوز استهلاكها 50 كيلوواط ساعة شهريًا لأسباب معيشية طبيعية.

 

ومن ثم، يصبح توفير 20 مليار جنيه للخزانة رقمًا ناقصًا ما لم تعلن الحكومة التكلفة الاجتماعية المقابلة، ومقدار الزيادة المتوقعة في أسعار السلع، وعدد الأسر التي ستضطر إلى خفض استهلاكها الأساسي لتجنب شرائح أعلى.

 

 

تبريرات وصندوق النقد

 

نفى المسؤول الحكومي وجود صلة بين قرار الزيادة وموافقة صندوق النقد الدولي على المراجعة السابعة، وقال إن القرار اتُخذ منذ يونيو، قبل اعتماد المراجعة والإفراج عن الشريحة الجديدة من التمويل المقرر لمصر.

 

لكن وثائق الصندوق تدرج تعديلات أسعار الكهرباء ضمن حزمة الوصول إلى استرداد تكلفة الطاقة، ما يجعل نفي التزامن المباشر مختلفًا عن نفي التوافق بين القرار والمسار الاقتصادي المتفق عليه مع المؤسسة الدولية.

 

وفي غضون ذلك، تبقى معادلة الشرائح نفسها محل نقاش، إذ قال حافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إن الشريحة العليا تمثل 1.5% من الاستهلاك لكنها توفر نحو 20% من الإيرادات.

 

وبناءً على ذلك، توضح أرقام سلماوي أن تصميم الشرائح قادر على توليد إيرادات كبيرة من الاستهلاك الأعلى، لكنه لا يجيب وحده عن كفاءة الإنفاق أو معالجة الفقد والمديونيات أو عدالة توزيع التكلفة بين المنازل والأنشطة.

 

كذلك، أشار سلماوي إلى أن استهلاك الشرائح الأعلى قد يزيد بنحو 40% صيفًا بسبب المكيفات وطول ساعات التشغيل، ما يعني أن توقيت الزيادة يضاعف أثرها الفعلي على الأسر خلال أشد شهور العام حرارة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن تهديد المواطنين بعودة تخفيف الأحمال يضعهم أمام خيار قاس بين فاتورة أغلى أو خدمة منقطعة، بينما المسؤولية الحكومية تقتضي تأمين الوقود وإدارة الديون ورفع الكفاءة دون استخدام الكهرباء أداة ضغط.

 

أخيرًا، لا تنهي زيادة 12% أزمة مديونية تبلغ 500 مليار جنيه، بل تمنح القطاع 20 مليارًا يدفعها المواطنون، فيما تبقى الحاجة قائمة إلى كشف الحسابات ومحاسبة المسؤولين وتقليل الفقد وحماية الأسر من جولة غلاء جديدة.