جدد المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، تحذيراته من خطورة التصعيد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط، مؤكداً أن الحرب الأمريكية الإيرانية دفعت المنطقة إلى مرحلة أشد اضطراباً وتعقيداً. وتأتي تصريحاته وسط مخاوف مصرية متزايدة من اتساع رقعة المواجهات، وما قد يترتب عليها من تهديدات للأمن القومي وضغوط إضافية على الاقتصاد وحركة التجارة والملاحة.
وقال البرادعي، في تدوينة نشرها عبر حسابه على منصة «إكس»، إن الحرب أدت إلى «تدهور ملموس» في الأمن الإقليمي، معتبراً أن الشرق الأوسط أصبح شبكة متشابكة من الأهداف المتعارضة والمبهمة، والحروب بالوكالة، والتحالفات المؤقتة، فضلاً عن عودة شبح السلاح النووي إلى واجهة المشهد.
واختتم البرادعي رسالته بعبارة مباشرة تلخص رؤيته للأوضاع الراهنة، قائلاً: «ننتقل من السيئ إلى الأسوأ»، في إشارة إلى أن استمرار العمليات العسكرية وغياب مسار جاد للتسوية قد ينقلان المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة من الفوضى وعدم الاستقرار.
مخاوف من حرب أوسع
لا تمثل تصريحات البرادعي موقفاً منفصلاً عن تحذيراته السابقة، إذ سبق له أن تحدث عن وجود دولة تحاول توسيع نطاق الحرب، داعياً الدول العربية إلى توحيد جهودها والاستفادة من علاقاتها وقنوات اتصالها مع أطراف الأزمة لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وتزداد خطورة المشهد مع تعدد ساحات التوتر وتداخل المصالح الدولية والإقليمية، حيث لم تعد المواجهات محصورة بين طرفين واضحين، بل أصبحت مرتبطة بجماعات مسلحة وحروب بالوكالة وتحالفات سريعة التغير. ويجعل هذا التشابك إمكانية السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة، خصوصاً مع غياب ضمانات تمنع انتقال الضربات إلى دول أو منشآت جديدة.
كما يثير حضور العامل النووي في خطاب البرادعي مخاوف إضافية، بالنظر إلى خبرته الطويلة في إدارة ملف الانتشار النووي. فظهور «ظل السلاح النووي»، بحسب تعبيره، لا يعني بالضرورة استخدامه، لكنه يكشف عن ارتفاع مستوى التهديد وعودة الردع النووي إلى الحسابات السياسية والعسكرية.
ويعكس هذا التحذير إدراكاً بأن استمرار الحرب قد يدفع بعض الأطراف إلى رفع سقف التهديدات أو إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد ويقوض فرص بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة.
مصر أمام تداعيات مباشرة
تكتسب تحذيرات البرادعي أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تحاول تجنب الانخراط المباشر في النزاعات المسلحة، مع التمسك بالحلول الدبلوماسية والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى المتصارعة. غير أن الحياد السياسي لا يمنع وصول التداعيات الأمنية والاقتصادية إلى الداخل المصري.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد القلق عقب حادث استهداف ميناء دمياط بطائرة مسيرة، إذ حذرت شخصيات سياسية وأحزاب مصرية من محاولات جر البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالحها، مطالبة بتعزيز حماية المنشآت الحيوية والحفاظ على سياسة ضبط النفس.
ولا تتوقف المخاطر عند الجانب الأمني، إذ يمكن لاتساع الحرب أن يؤثر مباشرة في حركة الملاحة بالبحر الأحمر وقناة السويس، ويزيد اضطراب سلاسل الإمداد، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة والغذاء. وتمثل هذه التداعيات عبئاً مضاعفاً على الاقتصاد المصري في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العامة والأسواق المحلية.
كذلك قد يؤدي استمرار عدم الاستقرار إلى تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي والسياحة، وإحجام الشركات عن ضخ رؤوس أموال جديدة في المنطقة. ومن ثم، تصبح كلفة التصعيد بالنسبة إلى مصر أوسع من الحسابات العسكرية، لأنها تمتد إلى الاحتياطي النقدي والأسعار وفرص العمل وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
تحرك عربي لاحتواء التصعيد
يرى البرادعي أن منع الانزلاق إلى حرب إقليمية طويلة يتطلب تحركاً عربياً منسقاً، مستنداً إلى امتلاك عدد من الدول العربية علاقات وقنوات اتصال مع مختلف الأطراف. ويمكن لهذه الدول، وفق رؤيته، استخدام ثقلها السياسي والاقتصادي للضغط باتجاه وقف التصعيد وإطلاق مسار تفاوضي جاد.
وتواجه الدول العربية، في هذا السياق، اختباراً يتعلق بقدرتها على تجاوز المواقف المنفردة وتطوير موقف مشترك يحمي مصالح المنطقة. فاستمرار التحركات المتفرقة يحد من تأثيرها، بينما قد يمنح التنسيق العربي ثقلاً أكبر في مواجهة القوى التي تدفع نحو توسيع الحرب أو إعادة تشكيل التحالفات بالقوة.
ويشير مضمون رسائل البرادعي إلى أن إدارة الأزمة لم تعد تحتمل الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة، بل تحتاج إلى وساطة نشطة واتصالات متواصلة وضمانات تمنع استهداف الدول والمنشآت المدنية وخطوط الملاحة الدولية.
وفي ظل تعقيد شبكة المصالح والتحالفات، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بقدرة العواصم العربية على التدخل قبل تجاوز نقطة الاحتواء. فتحذير البرادعي من الانتقال «من السيئ إلى الأسوأ» يعكس خشية واضحة من أن يؤدي تأخر التحرك الدبلوماسي إلى فرض واقع جديد، تصبح فيه الحرب الممتدة هي القاعدة، بينما يتحول السلام إلى احتمال بعيد.

