تتجه حكومة الانقلاب إلى تأجيل تطبيق منظومة الدعم النقدي حتى الأول من يوليو 2027، بعدما كانت تستهدف بدء تنفيذها في يوليو 2026، قبل أن تؤجلها مرتين بسبب تعقيدات فنية وتنظيمية وأزمات مرتبطة بقواعد بيانات المستحقين. ويأتي التأجيل وسط مخاوف من نقل أخطاء منظومة البطاقات التموينية إلى النظام الجديد، بعدما تسببت قرارات الحذف وتنقية البيانات في حرمان أسر مصرية من الدعم خلال سنوات شهدت ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار وتراجعاً حاداً في القوة الشرائية.
ويعيد الجدل الدائر حول مصير الدعم إلى الواجهة تجربة الدكتور باسم عودة، الذي تولى وزارة التموين في حكومة الرئيس الشهيد محمد مرسي لمدة ستة أشهر فقط، وتمكن خلالها من إحداث تحسن نوعي في كميات السلع التموينية وجودتها وتوافرها ووصولها إلى المستحقين. ورفع عودة آنذاك شعار «الشعب المصري بعد ثورة يناير يستحق الأفضل»، بينما تعاني المنظومة الحالية اضطراب القرارات وتضارب المواعيد وتكرار شكاوى المواطنين من الحذف وتعطل البطاقات وتأخر التظلمات.
ومنذ العام الماضي، تتناول وسائل الإعلام خطط الانتقال من الدعم العيني المعمول به حالياً إلى الدعم النقدي، وسط تصريحات متباينة بشأن موعد بدء التطبيق. وانتقل الحديث من موعد إلى آخر قبل أن يتضح أن الحكومة لم تستكمل البنية الرقمية أو مراجعة قواعد البيانات، ولم تضع حتى الآن ضمانات كافية تمنع تكرار المشكلات التي صاحبت عمليات تنقية بطاقات التموين.
تأجيل يكشف تعقيد المنظومة
كشف المتحدث باسم شعبة المخابز بالغرف التجارية، خالد صبري، أن منظومة الدعم النقدي لا تزال قيد الدراسة، وأن الاتجاه الحكومي المطروح حالياً يستهدف بدء تطبيقها مع بداية السنة المالية الجديدة في الأول من يوليو 2027. وأكد أن الملف لم يصل إلى مرحلة التنفيذ، رغم الإعلان سابقاً عن بدء التطبيق في يوليو 2026 وتأجيل الموعد مرتين.
وأوضح صبري أن الاجتماعات الأخيرة بين وزارة التموين والتجارة الداخلية وشعبة المخابز أظهرت أن التحول لا يقتصر على تغيير طريقة حصول المواطن على الدعم، بل يتطلب إعادة بناء المنظومة من حيث قواعد البيانات ووسائل الصرف والرقابة وضمان وصول المخصصات إلى مستحقيها.
وبحسب التصورات المطروحة، ستُستغل الفترة المتبقية من العام المالي الجاري في استكمال المنظومة الرقمية، وإجراء حوار مجتمعي حول معايير الاستحقاق، والانتهاء من التجهيزات الفنية قبل اتخاذ قرار التنفيذ النهائي. ويهدف ذلك، وفق صبري، إلى تجنب أخطاء يمكن أن تؤثر في ملايين المواطنين المعتمدين على الدعم لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، أن الحكومة لن تتعجل تطبيق النظام، وأن التحول ستسبقه مناقشات مع مجلس النواب والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني، للوصول إلى صيغة تحافظ على حقوق الفئات الأولى بالرعاية. وأقر بأن نجاح المنظومة يرتبط بعدم تكرار أخطاء تنقية قواعد البيانات التي وقعت في مراحل سابقة.
ويكشف هذا التراجع عن أن التصريحات الحكومية المتكررة لم تكن مدعومة باستعداد تقني وتنفيذي مكتمل، رغم حساسية الملف واتصاله المباشر بالحياة اليومية للمواطنين. فالتأجيل لا يحل الأزمة وحده، ما لم تصاحبه مراجعة حقيقية لمعايير الاستحقاق وإجراءات تضمن عدم سقوط الأسر الفقيرة من النظام الجديد.
شركة قابضة لإدارة الدعم
تناولت الاجتماعات أيضاً مشروع «كاري أون»، الذي يُنتظر أن يصبح المسؤول الأول عن إدارة منظومة الدعم الحكومي، ضمن خطة لإعادة تنظيم توزيع السلع المدعمة. وأوضح خالد صبري أن المشروع يستهدف تحويل «كاري أون» إلى شركة قابضة تدير حلقات الإمداد والتوزيع وشبكات الدفع الفوري، وتربطها بالمنظومة الرقمية المنتظرة.
وتقوم الفكرة على توحيد أنظمة توزيع الدعم وآليات الصرف، مع توسيع مشاركة البقالين التموينيين، بما يسمح بفرض قدر أكبر من الرقابة على حركة السلع. غير أن صبري شدد على أن منظومة إنتاج الخبز ستظل مستقلة عن المشروع، نظراً لاختلاف آليات تشغيلها وأهميتها لملايين المواطنين الذين يعتمدون عليها بصورة يومية.
ويرى مراقبون أن الحكومة لا تتعامل مع الدعم النقدي بوصفه تغييراً في وسيلة الصرف فقط، وإنما جزءاً من إعادة هيكلة أوسع تشمل الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي وتداول السلع المدعمة. ولذلك يرتبط نجاح المشروع بمدى قدرة الأجهزة الحكومية على ضبط الأسواق ومنع التلاعب وحماية قيمة الدعم من التآكل.
وفي السياق نفسه، كثفت وزارة التموين حملاتها على المخابز الخاصة عقب إصدار التوجيه الوزاري رقم 5 لسنة 2026، الذي حدد أسعاراً استرشادية وأوزاناً ملزمة للخبز الحر. وأعلن وزير التموين اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين، مع متابعة الحملات في المحافظات، في محاولة لإحكام الرقابة على سوق الخبز.
لكن إعادة ترتيب منظومة التداول تظل مرهونة بكفاءة التنفيذ، لأن دمج شبكات التوزيع والدفع داخل نظام رقمي واحد قد يزيد من مركزية الإدارة دون أن يضمن بالضرورة معالجة أخطاء البيانات أو تسهيل حصول المواطنين على حقوقهم، خصوصاً مع استمرار أعطال البطاقات وتأخر الخدمات التموينية الأساسية.
الحذف يهدد حقوق الأسر
تمثل أزمة حذف ملايين المواطنين من بطاقات التموين أبرز العقبات أمام تطبيق الدعم النقدي. فقد اعتمدت الحكومة خلال السنوات الماضية على معايير مثل استهلاك الكهرباء وامتلاك سيارة وسداد مصروفات تعليمية وبعض مؤشرات الدخل، رغم أن هذه المعايير لم تعكس في حالات كثيرة المستوى المعيشي الحقيقي للأسر.
وأدت قرارات الحذف إلى تقديم مئات الآلاف من التظلمات، قبل أن تعيد الحكومة عدداً من المواطنين إلى المنظومة عقب مراجعة بياناتهم وثبوت استحقاقهم. ويكشف ذلك عن قصور واضح في عمليات التنقية، ويعزز مخاوف انتقال الأخطاء ذاتها إلى الدعم النقدي، الذي سيعتمد بالكامل على دقة المعلومات والربط الإلكتروني بين الجهات.
كما واجهت وزارة التموين خلال الشهرين الماضيين شكاوى بشأن تأخر إصدار البطاقات الجديدة، وتعطل استخراج بدل الفاقد والتالف، ومشكلات الفصل الاجتماعي وإضافة المواليد وتحديث البيانات. وتسببت هذه العقبات في حرمان بعض الأسر من الدعم لفترات طويلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية.
وطالب أعضاء بمجلس النواب بعدم بدء التحول قبل مراجعة قواعد المستحقين وإعلان معايير واضحة وشفافة، إلى جانب إنشاء آلية سريعة لفحص التظلمات. وحذروا من الاعتماد على مؤشرات جامدة لا تراعي ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية والتغيرات التي طرأت على أوضاع الأسر الاقتصادية.
ويؤكد خبراء الحماية الاجتماعية أن استبدال السلع بمبالغ مالية لا يضمن العدالة تلقائياً، خاصة إذا ظلت قواعد البيانات مضطربة أو فقد الدعم قيمته أمام ارتفاع الأسعار. ولذلك يتطلب التحول تحديثاً مستمراً للمعلومات، وربطاً دقيقاً بين الجهات، ورقابة تمنع التلاعب، وضمانات تحمي المستحقين من الحذف التعسفي.
وبين تجربة باسم عودة التي رفعت شعار استحقاق المصريين للأفضل، والواقع الحالي الذي تهيمن عليه قرارات التأجيل وشكاوى الحذف وتعطل الخدمات، يبقى المواطن الطرف الأكثر قلقاً. فنجاح أي منظومة لا يُقاس بتغيير اسمها أو وسيلة صرفها، وإنما بقدرتها على توفير احتياجات الأسر وحماية حقها في الدعم بكرامة وعدالة وشفافية.

