بعد ثلاثة عشر عامًا، لا تزال مشاهد فض اعتصام رابعة العدوية حاضرة في ذاكرة الناجين والشهود؛ جثث محترقة، ومصابون ينزفون، وصرخات أطفال فقدوا ذويهم، وقناصة يطلقون النار من أعلى المباني. مشاهد وصفها أحمد، أحد شهود ذلك اليوم، بأنها لا تقل رعبًا عن يوم القيامة، مؤكدًا أنها تحولت إلى كوابيس تلاحقه ليلًا ونهارًا وتجعله يتمنى لو لم يعش ذلك اليوم.
في الساعات الأولى من 14 أغسطس 2013، اقتحمت قوات الجيش والشرطة ميدان رابعة العدوية، شرقي القاهرة، حيث كان عشرات الآلاف من أنصار الرئيس الراحل محمد مرسي يعتصمون مطالبين بعودته إلى الحكم. وخلال ساعات، تحول الميدان إلى مساحة محاصرة بالنيران والدخان والجثث، وسط استخدام المدرعات والجرافات والغطاء الجوي وانتشار القناصة فوق البنايات المجاورة.
اختلفت تقديرات أعداد القتلى؛ إذ أعلنت السلطات في البداية مقتل 288 شخصًا ثم رفعت العدد إلى 377، بينما سجلت اللجنة القومية لتقصي الحقائق لاحقًا 632 قتيلًا، بينهم ثمانية من قوات الأمن. وقدرت منظمة هيومن رايتس ووتش سقوط 817 قتيلًا على الأقل، مع احتمال تجاوز العدد ألف شخص، ووصفت الواقعة بأنها إحدى أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد خلال التاريخ الحديث.
تمهيد وتحريض سبق اقتحام الميدان
لم تبدأ قصة رابعة صباح الفض، فقد سبقتها أسابيع من التحريض الإعلامي والتهيئة المجتمعية التي صورت المعتصمين باعتبارهم خطرًا يهدد أمن الدولة. وأسهمت حملة الشيطنة، بحسب النص، في دفع قطاعات من المجتمع إلى تقبل استخدام القوة وما نتج عنه من أعداد كبيرة من الضحايا.
بدأ الاعتصام في 21 يونيو 2013، بالتزامن مع تجمعات أخرى في ميدان النهضة بالجيزة والقائد إبراهيم بالإسكندرية ورمسيس بالقاهرة والشون بالمحلة الكبرى ومحيط الحرس الجمهوري. ورفع المشاركون شعارات تطالب بعودة الرئيس المنتخب، مؤكدين سلمية تحركهم، بينما تضمن الاعتصام خطبًا وندوات وفقرات ثقافية وفنية وترفيهية.
ومع استمرار الاعتصامات لأكثر من 45 يومًا، شهد محيط الحرس الجمهوري في 8 يوليو هجومًا على المعتصمين أثناء الصلاة، أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. ورأى متابعون أن الواقعة كانت تمهيدًا لما سيحدث لاحقًا، سواء من خلال اختبار ردود الفعل أو تعويد الرأي العام على مشاهد الدماء.
وقبيل شروق شمس يوم الفض، تحركت آليات الجيش ومدرعات الشرطة نحو مداخل رابعة، مدعومة بطائرات مروحية وقناصة انتشروا فوق أسطح المباني. أغلقت المنافذ تدريجيًا، وضاق الحصار على المعتصمين قبل بدء الاقتحام الواسع.
ساعات الفض.. النيران تطوق المعتصمين والممر الآمن يتحول إلى فخ
مع بداية العملية، تحول الميدان إلى ساحة حرب؛ أحرقت الخيام، واقتحم المسجد، ودُمرت المستشفيات الميدانية، بينما امتلأت الطرقات بالمصابين والجثث. وتقدمت الجرافات داخل الميدان وسط استمرار إطلاق النار، حتى سُويت أجزاء واسعة منه بالأرض وتحول إلى مشهد من الدخان والأنين والدماء.
وقالت شهادات نقلتها صحيفة واشنطن بوست إن العنف لم يكن مفاجئًا، وإن السلطات توقعت مسبقًا سقوط أعداد ضخمة من القتلى. وذكر الحقوقي أحمد سميح، الذي حضر اجتماعًا مغلقًا في وزارة الداخلية قبل الفض، أنه خرج بانطباع واضح بأن العملية ستكون عنيفة، وأن التقديرات المطروحة آنذاك تحدثت عن احتمال سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل من الجانبين.
ووصف سميح الدم بأنه كان منتشرًا على الأرض والسيارات، موضحًا أنه أحصى، بحلول صباح اليوم التالي، أكثر من 152 جثة داخل المشرحة. وتقاطعت شهادته مع روايات سكان المنطقة والناجين الذين تحدثوا عن صعوبة إسعاف المصابين والوصول إلى قلب الميدان نتيجة الحصار وإطلاق النار.
وتروي سارة الغمري، إحدى سكان مدينة نصر، أنها استيقظت على اتصال يخبرها ببدء الفض، ثم شاهدت من شرفة منزلها عمودًا كثيفًا من الدخان يصل بين الأرض والسماء. توجهت إلى محيط رابعة، ولم تتمكن من بلوغ قلب الاعتصام، لكنها شاركت في مساعدة المصابين والناجين الفارين.
وأكدت الغمري أن الممرات الآمنة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية لم تكن آمنة، وأنها تحولت في الساعات الأخيرة إلى مسارات تنتهي بعربات الشرطة والأمن المركزي. فبينما تمكن بعض النساء والأطفال والشباب في بداية الفض من الخروج عبر طرق جانبية وبين المباني، أصبح كل من يحاول المغادرة لاحقًا معرضًا للقبض عليه، سواء كان مصابًا أم سليمًا.
أما الطبيب محمد رفعت، أحد أطباء المستشفى الميداني، فقال إن قوات الأمن أجبرت القادرين على الحركة على الخروج رافعين أيديهم، بينما بقي المصابون العاجزون عن المغادرة داخل المستشفى في ظروف بالغة السوء، إلى جانب مئات الجثث.
قتلٌ ممتد وحرب على الذاكرة وعدالة مؤجلة
لم تتوقف تداعيات رابعة عند انتهاء عملية الفض، إذ أعقبتها موجة اعتقالات وأحكام قاسية بحق عدد كبير من المشاركين. واضطر آخرون إلى مغادرة مصر أو العيش متخفين، بينما واجه من أُطلق سراحهم قيودًا رقابية وإجراءات ألزمت بعضهم بقضاء ساعات الليل داخل أقسام الشرطة.
وفي يوليو 2018، أصدرت محكمة جنايات القاهرة أحكامًا بإعدام 75 شخصًا، بينهم 31 حوكموا غيابيًا، إلى جانب أحكام بالسجن تراوحت بين خمس سنوات و15 عامًا بحق نحو 500 متهم. ووصفت منظمات حقوقية تلك المحاكمات بأنها افتقدت ضمانات العدالة، في وقت لم يخضع فيه المسؤولون عن قتل المعتصمين لتحقيق مستقل.
وشكل الرئيس المؤقت عدلي منصور في 2014 لجنة قومية لتقصي الحقائق، انتهت إلى تحميل المعتصمين المسؤولية الأساسية بدعوى وجود مسلحين واستخدام العنف، واعتبرت أن قوات الأمن مارست أقصى درجات ضبط النفس. وفي المقابل، خلص تقرير هيومن رايتس ووتش «حسب الخطة» إلى أن الفض كان مخططًا له على مستويات عليا، وأن عمليات القتل قد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وأن المعتصمين لم يحصلوا على ممر آمن حقيقي.
وتبنت منظمة العفو الدولية موقفًا مشابهًا بشأن الاستخدام المفرط والممنهج للقوة المميتة، فيما طالبت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتحقيق مستقل. لكن، وبعد ثلاثة عشر عامًا، لم يُفتح تحقيق مستقل شامل يحدد المسؤوليات ويحاسب المتورطين.
بالتوازي، خاضت السلطة حربًا على رواية الحدث عبر الإعلام والدراما والخطاب السياسي، وقدمت قوات الأمن في صورة الضحية والمدافع عن الدولة، بينما حُملت المعارضة مسؤولية العنف والأزمات اللاحقة. وفي مواجهة ذلك، عمل ناجون وصحفيون وحقوقيون على جمع الشهادات والصور والفيديوهات والوثائق الطبية، وإنتاج أفلام وتسجيلات تحفظ تفاصيل المجزرة.
ورغم التضييق وحذف بعض المواد الرقمية وفقدان أدلة ميدانية، بقي التوثيق معركة لحماية الذاكرة من الطمس. فالجريمة التي شهدها رابعة لا تزال محفوظة بالصوت والصورة وفي شهادات الأحياء، ولا يمكن محوها بمرور السنوات أو تبديل مواقع الجاني والضحية. وتظل العدالة الغائبة شرطًا ضروريًا لإنهاء هذا الجرح المفتوح، لأن الجرائم ضد الإنسانية لا ينبغي أن تسقط بالتقادم.

