اكتسبت "عمارة المنايفة" شهرة واسعة إبان مجزرة اعتصام رابعة لأنصار الرئيس محمد مرسي في 14 أغسطس، بعد أن احتمى بها المعتصمون لساعات طويلة في مواجهة طلقات الرصاص الكثيفة التي انهالت عليهم، مما أدى إلى سقوط ضحايا واعتقال العشرات.

 

فقد تحصن المعتصمون في العمارة التي كانت آنذاك قيد الإنشاء في شارع الطيران المؤدي إلى ميدان رابعة العدوية- وتعرف بهذا الاسم نسبة إلى أصحابها الذين يعودون إلى محافظة المنوفية- لمحاولة إعاقة تقدم المدرعات وقوات الأمن لحماية الميدان وإجلاء المصابين، باستخدام الحجارة والمولوتوف وسقالات البناء.

 

ووثّق الفيلم الاستقصائي لقناة الجزيرة "عمارة المنايفة.. المشهد الأخير من رابعة"، شهادات لمعتصمين عما دار داخل العمارة التي مثلت أحد أهم معالم المكان الذي كان شاهدًا على ما وصفت بأنها أسوأ مجزرة في التاريخ الحديث.

 

 واستُخدمت أدوار المبنى السبعة خلال الاعتصام لخدمات الإعاشة، والتوثيق الإعلامي، ومراقبة المداخل. ويروي الناجون أنهم حاولوا استخدام الحجارة، وإلقاء زجاجات المولوتوف، وتفكيك "السقالات" الخشبية لتعطيل تقدم المدرعات والآليات العسكرية نحو الميدان.

 

حصار خانق وقصف بالرصاص الحي

 

وتذكر الشهادات أن المعتصمين داخل المبنى تعرّضوا لحصار خانق وقصف مكثف بالرصاص الحي وقذائف "الجرينوف"، إلى جانب استهدافهم من قِبل قناصة اعتلوا المباني المجاورة وطائرات الهليكوبتر، مما أدى لسقوط عشرات القتلى والجرحى داخل العمارة حتى السيطرة عليها مساءً.

 

يروي أحد المعتصمين أن رد قوات الأمن والجيش كان "هستيريا". ويروي آخر أن ما كان يلقى عليهم من خرطوش وقنابل غاز اختفى من المشهد ليحل محله فقط الرصاص الحي.

 

 

وحاول المعتصمون التصدي لزحف مليشيات الانقلاب العسكري من خلال فك "السقالات" التي تحيط بالعمارة من ثلاث جهات ودفعها لتنهار وتغلق الشارع. 

 

في الساعات التي بدا فيها أن عمارة المنايفة تعيش اللحظة الأخيرة مع تكدس الجثث وكثافة النيران، يروي أحد الشباب كيف كان عناصر ميليشيات الأمن يستولون على الهواتف الجوالة من الجثث الملقاة في أركان العمارة.

 

وجرى اعتقال غالبية المعتصمين المحاصرين، وبعضهم سقط من ارتفاعات عالية وهو يحاول الهرب، فإن نجا اعتقل وإن فارق الحياة ترك على الأرض.

 

يروي الطالب أنس أنور لحظات لا تنسى عن بقائه جريحًا وحيدًا بين أكوام الجثث، لا لشيء إلا لأن عربة الإسعاف كما قيل له لديها رقم معين تلتزم به.

 

أما المدرس هاني سعد فتحدث بألم عن نقله في عربة أصر سائقها على تشغيل أغنية "تسلم الأيادي".


أحكام بالإعدام 

 

ويروي الصحفي والحقوقي مصطفى الأعصر في تقرير نشره موقع "ألترا صوت" أن جميع المعتصمين الذين أُلقي القبض عليهم من محيط "عمارة المنايفة" بميدان رابعة العدوية، حُكم عليهم بالإعدام، بغض النظر عن طبيعة الأدلة أو الأحراز أو التحقيقات، فيما وصفه بأنه كان قرارًا سياسيًا خالصًا. 

 

وينقل الأعصر عن أحد هؤلاء الذين حُكم عليهم بالإعدام، والذي يقول إنه لم يكن ينتمِ لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه محب لتيار الإسلام السياسي، دوافعه للانضمام لاعتصام رابعة، "فأخبرني أنه رأى الناس تُقتل، فأخذ دراجته النارية واتجه صوب الاعتصام ليس لدعم المتظاهرين، ولكن لإنقاذ ما يمكن من الضحايا والمصابين، كان ينقل المصاب على دراجته النارية إلى أقرب نقطة يمكن علاجه بها ويعود مرة أخرى لينقل مصاب آخر، وهكذا غرقت ملابسه ودراجته بدماء الضحايا محاولًا إنقاذهم، ولحظّه العاثر قُبض عليه من محيط عمارة المنايفة، وصدر عليه حكم بالإعدام، فقط لأنه كان ينقل المصابين ويحاول إنقاذ الأرواح".

 

بينما يحكي عن آخر قصته التي كانت أكثر دراماتيكية وأكثر سينمائية، والذي حُكم عليه بالإعدام هو الآخر، لم يهتم أبدًا بالشأن السياسي ولا بصراعات الحكم لدرجة أنه لم يعلم عن وجود اعتصام بميدان رابعة العدوية، وفي أثناء عودته من عمله في الصباح الباكر في ذلك اليوم، بدأت عملية فض الاعتصام ووجد نفسه عالقًا في المنتصف بين وابل من الرصاص، لم يعرف أين يذهب ففر هاربًا يحاول الاحتماء بأي شيء أو الخروج من هذه المنطقة ليجد نفسه في مواجهة عمارة المنايفة!

 

يدخل إلى العمارة ويصعد الدرج إلى الأعلى ظنًا منه أنه يهرب من الخطر، وصل إلى سطح البناية ليجد بعض المسلحين الذين لم يعرف هويتهم وإذا ما كانوا من المتظاهرين أو من قوات الأمن، مجهولون يحملون أسلحة، فيعاود أدراجه مسرعًا نحو الأسفل مجددًا ليجد في مواجهته قوة من الأمن تصعد الدرج وأحد الضباط يوجه السلاح إلى رأسه، يقول الزميل إن آخر ما يتذكره أن الضابط قال له: "خسارة فيك ثمن الرصاصة"، ثم دفعه من البناية ليسقط جسده على سقالات البناء ويفقد الوعي ويدخل في غيبوبة تستمر لشهور.

 

أفاق من غيبوبته ولا يتذكر إلا آخر جملة نطقها الضابط "خسارة فيك ثمن الرصاصة"، ليجد نفسه متهمًا في قضية رابعة العدوية وبعد خمس سنوات من السجن يصدر ضده حكم بالإعدام في 2018!