تسعى وزارة البترول المصرية إلى رفع واردات الغاز الإسرائيلي في مصر بنسبة 12.5 في المئة إلى 1.35 مليار قدم مكعبة يوميا خلال الصيف لتعويض تعطل سفينة تغويز وتفادي نقص إمدادات الكهرباء والصناعة.
ويأتي هذا التوسع بينما تواصل إسرائيل حربها المدمرة وتفاقم المأساة الإنسانية في غزة ما يجعل شراء مزيد من غازها تمويلا غير مباشر لاقتصاد الاحتلال ويكشف انفصال القرار الرسمي عن الغضب الشعبي المصري.
تراجع الإنتاج وفاتورة الاستيراد
بحسب المصدر المسؤول تحصل الشبكة القومية هذا الأسبوع على 1.2 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز الإسرائيلي وستضيف الوزارة 150 مليون قدم لتعويض الكميات المفقودة بعد حريق سفينة إنرجوس وينتر في ميناء دمياط.
وفي المقابل تمثل الإمدادات الإسرائيلية حاليا نحو 17 في المئة من استهلاك مصر البالغ قرابة 7 مليارات قدم مكعبة يوميا فيما ترفع الزيادة المتوقعة الحصة إلى 19 في المئة خلال ذروة الصيف.
كذلك تستحوذ محطات الكهرباء وحدها على ما بين 55 و60 في المئة من الغاز المستهلك وهو ما يحول أي اضطراب في الواردات إلى تهديد مباشر للتيار الكهربائي وتشغيل المصانع والخدمات الأساسية.
ومن جهة أخرى تعمل ثلاث سفن تغويز في موانئ سوميد وسونكر بينما خرجت السفينة الرابعة من ميناء دمياط مؤقتا رغم أن المنظومة العائمة تضخ نحو 2.7 مليار قدم مكعبة يوميا إلى الشبكة.
وبحسب مدحت يوسف رئيس هيئة البترول الأسبق بدأ إنتاج الغاز المحلي التراجع منذ 2022 بفعل الانخفاض الطبيعي في الحقول العملاقة وفي مقدمتها ظهر بينما واصل طلب الكهرباء والصناعة والأسمدة ارتفاعه بلا توقف.
وإزاء الخطاب الحكومي المتفائل يرى يوسف أن الاكتشافات الجديدة ما زالت محدودة وأن التنبؤات المعلنة غير مؤكدة علميا بما يدفع مصر إلى سنوات إضافية من الاستيراد ويحمّل الموازنة أعباء متصاعدة.
لهذا يقدر يوسف قيمة واردات الغاز ومشتقات النفط بنحو 2.55 مليار دولار شهريا خلال النصف الأول من 2026 مقابل صادرات لم تتجاوز 2.3 مليار دولار بما يوسع عجز الميزان البترولي.
وعليه لا تستطيع صادرات المنتجات البترولية والبتروكيماوية تعويض كلفة الغاز المستورد بالكامل حتى لو وفرت نقدا أجنبيا لأن ارتفاع فاتورة الطاقة يكشف ثمنا باهظا لتباطؤ تنمية الحقول المحلية وسداد مستحقات الشركاء.
إمدادات قابلة للانقطاع
ويؤكد جمال القليوبي أستاذ هندسة البترول والطاقة أن اتفاق الغاز مع إسرائيل تجاري قابل للتوقف في أي لحظة ولا سيما مع التصعيد الإقليمي وهو تحذير يهدم صورة الإمداد المضمون التي تروجها الحكومة.
ووفقا للقليوبي دفع تراجع الإنتاج خلال عامي 2023 و2024 مصر إلى تنويع التعاقدات واستقدام سفن تغويز لتلبية السوق غير أن هذا التحرك جاء بعد انكشاف العجز لا قبل تحوله إلى أزمة.
بينما تمنح زيادة الأنابيب حلا أسرع وأقل كلفة من الغاز المسال فإنها تربط جزءا أكبر من الكهرباء والصناعة بقرار إسرائيلي يمكن تعليقه وقت الحرب أو استخدامه أداة ضغط على القاهرة.
لكن تجربة توقف الحقول الإسرائيلية خلال جولات التصعيد أثبتت أن وصف العلاقة بالتجارية لا يلغي خطرها إذ اضطرت مصر إلى بدائل أغلى وتقليص إمدادات الصناعة واتخاذ إجراءات استثنائية لحماية شبكة الكهرباء.
وعمليا يعني بلوغ الحصة الإسرائيلية 19 في المئة أن قرابة خمس الاستهلاك اليومي سيأتي من دولة احتلال تخوض حربا مفتوحة وهو مستوى اعتماد يناقض أبسط قواعد توزيع المخاطر وحماية المرافق الحيوية.
فضلا عن ذلك تضع الزيادة المصانع المصرية أمام معادلة قاسية فإما استمرار الإنتاج بوقود مرتبط بإسرائيل وإما تحمل نقص الغاز أو كلفة الشحنات المسالة الأعلى سعرا بما يضغط على الأسعار والعمالة والصادرات.
ومع ذلك تصف الوزارة الإجراء بالمؤقت بالتوازي مع تنمية الحقول وربط الاكتشافات الجديدة لكن العقود الممتدة والتوسعات المخططة في خطوط النقل تكشف أن الارتباط مرشح للتحول من معالجة موسمية إلى اعتماد هيكلي طويل.
وبالتبعية تصبح أي أزمة أمنية في شرق المتوسط قابلة للانتقال خلال ساعات إلى البيوت والمصانع المصرية بينما تبقى تفاصيل الأسعار وشروط الطوارئ والضمانات بعيدة عن الرقابة العامة بما يفاقم أزمة الشفافية والمحاسبة.
تنويع مكلف وهش
ويحذر الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة من أن أثر إغلاق الحقول الإسرائيلية قد يكون محدودا على المدى القصير بفضل تعاقد مصر على شحنات من دول متعددة لكنه ربط الاطمئنان باستمرار البدائل وعدم إطالة الصراع.
وعلى الجانب الآخر لا يعني تعدد الموردين استقلالا حقيقيا ما دام الإنتاج المحلي أقل من الطلب والفجوة تسدها سفن باهظة وخطوط عابرة للحدود إذ يظل المواطن ممولا للخلل عبر الأسعار والضرائب وتراجع الخدمات.
وفي هذا الإطار توفر سفن التغويز مرونة فنية مهمة لكنها لا تلغي مخاطر الحريق والتوقف والصيانة ولا كلفة شراء الغاز المسال وشحنه وإعادته إلى حالته الغازية قبل ضخه في الشبكة القومية.
ثم إن خروج إنرجوس وينتر كشف هشاشة الخطة نفسها فتعطل وحدة واحدة دفع الوزارة فورا إلى طلب مزيد من الغاز الإسرائيلي بدلا من وجود فائض محلي أو احتياطي تشغيلي قادر على امتصاص الصدمة.
وبموازاة ذلك تسعى الحكومة إلى حماية إمدادات الصناعة لكنها تنقل المخاطر من نقص الوقود إلى كلفته ومن عطل فني في دمياط إلى تبعية مورد يستطيع وقف التدفق بقرار منفرد عند كل مواجهة.
ومن ناحية أخرى لا تنفصل الأزمة عن سنوات من الوعود بتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة قبل أن تتحول منشآت الإسالة والشبكات إلى أدوات لاستقبال الواردات بعدما تراجع إنتاج ظهر واتسعت فجوة الاستهلاك.
وبناء على ذلك تبدو الزيادة اعترافا عمليا بفشل سياسة الاكتفاء التي روجت لها السلطة إذ أصبحت الكهرباء والصناعة مرهونتين بمزيج من الغاز الإسرائيلي والشحنات المستوردة مع فاتورة دولارية يتحملها اقتصاد مثقل بالديون.
وأخيرا لا يكفي وصف الواردات بأنها مؤقتة لطمأنة المصريين فالمطلوب نشر العقود والأسعار وشروط الانقطاع وجدول استعادة الإنتاج المحلي وإخضاع القرار لرقابة مستقلة حتى لا يتحول أمن الطاقة إلى ورقة بيد الاحتلال.

