سجلت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي بنسبة 0.6 بالمئة خلال يوليو إلى 131.1 نقطة، وسط اضطرابات الحرب والطقس، بما يهدد بزيادة كلفة الغذاء في مصر خلال الأشهر المقبلة.

 

ويكشف هذا التحذير هشاشة نموذج اقتصادي أبقى الأمن الغذائي المصري رهين الواردات وتقلبات العملة والشحن، بينما يتحمل المواطن محدود الدخل النتيجة عبر أسعار أعلى وهوامش أضيق للإنفاق على الغذاء والعلاج والتعليم والاحتياجات الأساسية.

 

وبحسب بيانات المنظمة، جاء صعود يوليو مدفوعا بارتفاع الحبوب والسكر والزيوت النباتية، في حين تراجعت أسعار اللحوم ومنتجات الألبان، بما يعكس اتساع الضغوط على السلع الأكثر اتصالا مباشرة بمائدة الأسر وأسواق الخبز والطهي.

 

كما ارتفع مؤشر الحبوب بنسبة 3.4 بالمئة، مدفوعا بصعود أسعار القمح والذرة، بينما زاد السكر 5.6 بالمئة والزيوت النباتية 2 بالمئة، وهي تحركات تكشف سرعة انتقال اضطرابات الطقس والطاقة والحروب إلى أسواق الغذاء الدولية.

 

ومن جهة أخرى، حذر كبير الاقتصاديين في الفاو ماكسيمو توريرو من أن صدمات الطاقة والأسمدة والنقل لا تظهر كاملة في أسعار المستهلك فور وقوعها، بل قد تنتقل تدريجيا خلال فترة تمتد بين 3 و6 أشهر.

 

وبالتالي، فإن أثر التوترات الحالية قد يصل إلى الأسواق المصرية بعد تأخر زمني، ما يعني أن هدوء بعض الأسعار محليا خلال شهر بعينه لا يمثل ضمانة ضد موجة تضخم غذائي جديدة في الخريف والشتاء.

 

وتزداد المخاطر مع ارتفاع تكلفة الوقود والأسمدة عالميا، لأن الزراعة الحديثة تعتمد على الديزل والغاز الطبيعي في التشغيل والإنتاج، بينما يؤدي اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج وروسيا إلى رفع تكاليف المحاصيل قبل وصولها للموانئ والأسواق.

 

وفي السياق نفسه، تشير تقديرات الفاو إلى إمكانية بقاء أسعار الأسمدة أعلى بنحو 15 إلى 20 بالمئة إذا استمرت اضطرابات ممرات الطاقة والتجارة، وهو ما يضغط على تكاليف الزراعة في الدول المنتجة والمستوردة معا.

 

غير أن المشكلة المصرية لا تبدأ عند الموانئ فقط، إذ تتضاعف الصدمة الخارجية محليا بسبب تكاليف التمويل والنقل والتخزين وسعر الصرف، ثم تنتقل عبر حلقات التجارة حتى تصل إلى المستهلك في صورة زيادات متتابعة.

 

وتؤكد بيانات يوليو أن التضخم السنوي في المدن المصرية ارتفع إلى 14.9 بالمئة مقابل 14.3 بالمئة في يونيو، بينما سجلت أسعار الغذاء والمشروبات في المدن زيادة سنوية بلغت 8 بالمئة رغم تراجعها شهريا.

 

الاستيراد يضاعف الصدمة

 

ويرى الخبير الاقتصادي محمد أبو باشا أن التضخم المصري يظل معرضا لضغوط متجددة خلال الصيف، حتى مع تراجع بعض السلع شهريا، لأن تأثيرات المقارنة السنوية والطاقة والتكاليف المحلية يمكن أن تعيد دفع المعدل إلى أعلى.

 

ومن ثم، تصبح أي زيادة عالمية في القمح أو الزيوت أو الذرة أكثر خطورة على مصر، لأن هذه السلع لا تمثل مكونات غذائية منفصلة فقط، بل تدخل أيضا في إنتاج الخبز والأعلاف واللحوم والدواجن والصناعات الغذائية.

 

وعلاوة على ذلك، ترتبط الأعلاف المستوردة مباشرة بتكلفة تربية الدواجن والماشية، ولذلك فإن صعود الذرة وفول الصويا لا يبقى داخل سوق الحبوب، بل ينتقل إلى أسعار البروتين الحيواني والبيض ومنتجات الألبان.

 

وبالمثل، يؤدي ارتفاع الزيوت الخام أو تكاليف الشحن إلى زيادة كلفة منتجات واسعة تبدأ من زيوت الطعام وتمتد إلى المخبوزات والحلويات والأغذية المصنعة، ما يجعل الصدمة أكثر انتشارا من مجرد ارتفاع سلعة واحدة.

 

كما أن اضطرابات البحر الأحمر ترفع كلفة التأمين والنقل وتطيل بعض مسارات الشحن، وهو ما يضيف أعباء على المستوردين قبل دخول السلع السوق المصرية، ثم يعاد تحميل جزء كبير منها على المستهلك النهائي.

 

لذلك، فإن الحديث الرسمي عن تراجع مؤقت في بعض الأسعار لا يكفي لتقييم الأمن الغذائي، لأن المعيار الحقيقي هو قدرة الأسرة على شراء احتياجاتها الأساسية بصورة مستقرة دون استنزاف متزايد للدخل أو اللجوء للديون.

 

المناخ يضغط على المحاصيل

 

ويشير الاقتصادي الزراعي كريس باريت إلى أن انتقال صدمة الحرب إلى الغذاء يمر عبر الوقود والأسمدة والأسواق المالية، وهي قنوات تجعل أسعار المحاصيل عرضة للارتفاع حتى قبل ظهور نقص فعلي في المعروض العالمي.

 

وفي الوقت نفسه، يزيد تأثير ظاهرة النينيو من عدم اليقين بشأن المحاصيل، إذ قد تؤدي اضطرابات الأمطار ودرجات الحرارة إلى تراجع الإنتاج في مناطق رئيسية، بما يضغط على القمح والذرة والأرز والزيوت والسكر.

 

ومع ذلك، تملك الأسواق العالمية حاليا مخزونات حبوب مرتفعة وقدرات إنتاجية أكثر تنوعا من أزمات سابقة، وهو ما يمنح بعض الحماية، لكنه لا يلغي خطر الأسعار إذا تزامنت خسائر المحاصيل مع تعطيل الطاقة والتجارة.

 

وبناء على ذلك، تبدو مصر أمام تحد مزدوج يتمثل في ارتفاع السعر العالمي من جهة، وزيادة التكلفة المحلية من جهة أخرى، وهو مزيج يمكن أن يبدد أي تحسن محدود في مؤشرات التضخم خلال فترة قصيرة.

 

وفوق ذلك، فإن ارتفاع الوقود المحلي أو الكهرباء يضيف طبقة جديدة من التكلفة على المزارع والمصنع والمخبز والمتجر، فتتحول الصدمة الخارجية إلى سلسلة محلية تشمل الإنتاج والنقل والتبريد والتخزين والتوزيع والبيع للمستهلك.

 

ولهذا، لا تقتصر المخاطر على السلع المستوردة مباشرة، إذ يمكن أن ترتفع أسعار الخضروات والفاكهة المحلية أيضا عندما تزيد تكاليف السماد والطاقة والنقل والعبوات، حتى لو لم تتغير كميات الإنتاج بصورة كبيرة.

 

الأسر تتحمل الفاتورة

 

ويحذر ماكسيمو توريرو من أن ارتفاع كلفة الغذاء يضغط بصورة أشد على الدول والأسر الأقل قدرة على امتصاص الصدمات، لأن جزءا أكبر من دخولها يذهب للطعام، فتتقلص قدرتها على التكيف مع الزيادات المتكررة.

 

وفي مصر، يعني ذلك أن الزيادة الجديدة لا تبدأ من نقطة مريحة، فالتضخم الحضري عند 14.9 بالمئة وأسعار الغذاء أعلى 8 بالمئة سنويا، بينما تواجه الأسر أيضا زيادات في السكن والطاقة وخدمات أساسية أخرى.

 

ومن ناحية أخرى، فإن الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي لتأمين واردات الغذاء والطاقة يعكس حجم الفجوة بين الاحتياجات المحلية والقدرة الإنتاجية، وقد وقعت مصر خلال مايو اتفاق تمويل بقيمة 1.5 مليار دولار لهذا الغرض.

 

ومع تصاعد الضغوط، يصبح توسيع الإنتاج المحلي للقمح والزيوت والأعلاف وترشيد حلقات الوساطة وتحسين التخزين وتقليل الفاقد ضرورة تتجاوز الشعارات، لأن الاستمرار في استيراد الصدمات يترك ملايين الأسر مكشوفة أمام كل أزمة دولية جديدة.

 

وفي المحصلة، لا يمكن للحكومة التحكم في الحروب أو النينيو أو أسعار النفط العالمية، لكنها مسؤولة عن درجة تعرض السوق المصرية لهذه الصدمات، وعن بناء احتياطيات وسياسات إنتاج وحماية اجتماعية تقلل انتقال الأزمة إلى موائد المواطنين.