تشهد محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، تصعيدًا عسكريًا متزايدًا مع عودة المواجهات إلى عدد من الجبهات، وفي مقدمتها جبهة البرح غربي المحافظة، حيث أعلنت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، إحباط هجوم واسع شنته جماعة الحوثيين على مواقعها، مؤكدة مقتل وإصابة عشرات من عناصر الجماعة وتدمير عدد من الآليات والمواقع العسكرية التابعة لها.
ويأتي التصعيد في وقت تتزايد فيه المؤشرات على هشاشة التهدئة التي شهدتها اليمن خلال السنوات الماضية، وسط تحذيرات أممية متكررة من أن استمرار التحركات العسكرية والهجمات المتبادلة قد يدفع البلاد مجددًا نحو مواجهة واسعة النطاق، في ظل تعثر المسار السياسي واستمرار التوتر على خطوط التماس.
هجوم واسع على جبهة البرح
وأفادت مصادر عسكرية بأن جماعة الحوثيين شنت فجر الجمعة هجومًا واسعًا على مواقع القوات الحكومية في جبهة البرح، مستخدمة المدفعية وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة، في محاولة لتحقيق اختراق ميداني في واحدة من أكثر الجبهات حساسية بمحافظة تعز.
وبحسب المصدر العسكري، تمكنت القوات الحكومية من رصد تحركات المهاجمين قبل وصولهم إلى مواقعها، لتبدأ عملية التصدي للهجوم، وسط اشتباكات عنيفة استُخدمت خلالها مختلف أنواع الأسلحة.
وقالت القوات الحكومية إن المواجهات انتهت بإفشال الهجوم وإجبار العناصر الحوثية التي بقيت في المنطقة على الانسحاب، مشيرة إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، إلى جانب تدمير وإحراق عدد من الأطقم والثكنات والمدافع والآليات العسكرية.
ولم يصدر، حتى الآن، تعليق رسمي من جماعة الحوثيين بشأن الرواية التي أعلنتها القوات الحكومية، كما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من أعداد القتلى والجرحى أو حجم الخسائر المادية التي تحدثت عنها المصادر العسكرية.
27 قتيلًا و19 مصابًا خلال 3 أيام
وفي سياق متصل، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الموالية للحكومة اليمنية مقتل 27 عنصرًا من جماعة الحوثيين وإصابة 19 آخرين جراء ضربات نفذتها في محافظة تعز خلال ثلاثة أيام.
وذكرت وسائل الإعلام التابعة للمقاومة الوطنية أن الضربات تركزت في جبهة البرح، واستهدفت مواقع وتجمعات وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، مؤكدة أن العمليات أسفرت كذلك عن إحراق وإعطاب عدد من المركبات والآليات العسكرية.
وأشارت الرواية العسكرية إلى أن بعض الضربات استهدفت مواقع تابعة لتشكيلات عسكرية حوثية، بينها ما يسمى «اللواء 14 صماد»، إضافة إلى مقر قيادة ما يسمى «اللواء 155 مشاة».
وبحسب المصادر ذاتها، أسفرت إحدى الضربات عن مقتل أربعة من عناصر الحراسة وإصابة اثنين، بينهم قائد أحد الألوية، فيما قالت المقاومة الوطنية إن الضربات المتواصلة خلال الأيام الثلاثة أسفرت إجمالًا عن أكثر من 27 قتيلًا و19 جريحًا في صفوف الحوثيين.
وتظل هذه الأرقام، التي أعلنتها القوات المناهضة للحوثيين، غير مؤكدة بصورة مستقلة، في ظل غياب بيانات مقابلة من جماعة الحوثيين.
تعز.. جبهة استراتيجية في قلب الصراع
وتكتسب جبهة البرح أهمية عسكرية كبيرة بسبب موقعها في غرب محافظة تعز وقربها من الساحل الغربي ومناطق باب المندب، ما يجعل السيطرة على المنطقة مرتبطة بصورة مباشرة بخطوط الحركة والإمداد والانتشار العسكري.
وعلى مدار سنوات الحرب اليمنية، تحولت تعز إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع بين القوات الحكومية والحوثيين، وشهدت المحافظة معارك طويلة وقصفًا متبادلًا ومحاولات متكررة لتغيير خطوط السيطرة.
ومع تجدد الاشتباكات في الفترة الأخيرة، عادت الجبهات الغربية للمحافظة إلى واجهة التطورات العسكرية، بالتزامن مع نشاط متزايد للطائرات المسيّرة والمدفعية والصواريخ، الأمر الذي يعكس ارتفاع مستوى التوتر مقارنة بفترات الهدوء النسبي التي شهدتها البلاد.
تشييع عشرات الحوثيين
وفي مؤشر آخر على حجم الخسائر التي تقول القوات المناهضة للحوثيين إنها تكبدتها الجماعة خلال الأسابيع الأخيرة، ذكرت وسائل إعلام حكومية يمنية أن الحوثيين شيعوا 57 من عناصرهم خلال عشرة أيام، بينهم 31 ضابطًا، من بينهم ثلاثة برتبة عميد.
وقالت المصادر إن العناصر الذين جرى تشييعهم قُتلوا في جبهات قتال مختلفة، من دون الكشف عن تفاصيل دقيقة بشأن أماكن مقتلهم أو ظروف سقوطهم.
وفي تقارير أخرى، تحدث الإعلام العسكري للقوات الحكومية عن تشييع أعداد أكبر من مقاتلي الحوثيين خلال الأسابيع الماضية، بينها قيادات ميدانية، إلا أن هذه البيانات لم تخضع لتأكيد مستقل.
هجوم بطائرة مسيرة في حضرموت
ولم يقتصر التصعيد على محافظة تعز، إذ شهدت محافظة حضرموت، شرقي اليمن، هجومًا بطائرة مسيرة استهدف معسكرًا تابعًا لقوات «درع الوطن» في صحراء العبر.
وأفادت مصادر عسكرية بمقتل جنديين وإصابة 15 آخرين في الهجوم، مشيرة إلى أن الحصيلة أولية، وأن حجم الأضرار المادية داخل المعسكر لم يكن واضحًا بشكل كامل.
ويقع العبر في منطقة ذات أهمية عسكرية ولوجستية، باعتبارها نقطة اتصال بين المحافظات الشرقية والوسطى، وهو ما يجعل أي هجمات فيها ذات تأثير على حركة القوات وخطوط الإمداد.
وتأسست قوات «درع الوطن» بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي في عام 2023، وتعمل ضمن التشكيلات العسكرية التابعة للحكومة اليمنية، وقد توسع حضورها خلال السنوات الأخيرة في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية.
ولم تعلن جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن الهجوم على معسكر العبر، كما لم يصدر في حينه تعليق رسمي يوضح ملابساته بشكل نهائي.
استهداف ثلاثة زوارق في البحر الأحمر
وبالتزامن مع المعارك البرية، أعلنت القوات البحرية وخفر السواحل اليمنية تدمير ثلاثة زوارق قالت إنها تابعة لجماعة الحوثيين في البحر الأحمر.
ووفق الرواية العسكرية، كانت الزوارق محملة بالمتفجرات ومجهزة لتنفيذ هجمات في المياه الإقليمية، فيما كان أحدها يحمل معدات مرتبطة بإطلاق وإدارة الطائرات المسيّرة.
وقالت القوات البحرية إنها رصدت أحد الزوارق واستهدفته، ما أدى إلى تدميره ومقتل خمسة من العناصر الموجودين على متنه، بحسب المصدر العسكري.
وأضافت أن زورقين آخرين وصلا إلى المنطقة في محاولة لإنقاذ الموجودين على متن الزورق المستهدف، قبل استهداف أحدهما وتدميره، ثم وصول زورق ثالث إلى المكان ومحاولته تنفيذ عملية إنقاذ جديدة، لتقوم القوات باستهدافه أيضًا.
وأكدت الرواية العسكرية أن الزوارق الثلاثة كانت مجهزة لتنفيذ هجمات في البحر الأحمر، إلا أنه لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل العملية أو أعداد الخسائر البشرية.
ضربات متبادلة في مأرب والجوف والساحل الغربي
وتزامن التصعيد في تعز مع عمليات عسكرية أخرى أعلنت عنها القوات الحكومية في محافظات مأرب والجوف وشبوة ومناطق الساحل الغربي.
وأفاد الإعلام العسكري اليمني بتنفيذ ضربات بالطائرات المسيّرة والمدفعية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، إلى جانب مرابض للهاون وآليات ومواقع عسكرية وخنادق ومتارس.
وفي مأرب، تحدثت المصادر عن استهداف مواقع في جبهات العكد والكسارة والعلم، إضافة إلى مواقع في الزور وروضة جهم، بينما قالت إن ضربات أخرى استهدفت تعزيزات حوثية في مناطق تقع بين مأرب والجوف.
أما في الجوف، فأعلنت القوات الحكومية استهداف مواقع وتجمعات وتحركات حوثية شرقي المحافظة، في حين امتدت عمليات الاستهداف، وفق الرواية العسكرية، إلى مناطق أخرى من الساحل الغربي ومحور تعز.
الحوثيون يعلنون استهداف منشأة لأرامكو
وفي المقابل، أعلن الحوثيون تنفيذ هجوم بطائرتين مسيرتين استهدف، وفق روايتهم، منشأة تابعة لشركة أرامكو السعودية في منطقة جيزان جنوب المملكة.
ونقلت وسائل إعلام تابعة للجماعة عن مصدر عسكري حوثي قوله إن الطائرتين أصابتا الهدف، دون أن تقدم الجماعة تفاصيل بشأن حجم الأضرار أو الخسائر الناجمة عن الهجوم.
البحر الأحمر يتحول إلى جبهة موازية
ولا تنفصل التطورات البرية عن التصعيد المتزايد في البحر الأحمر، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة من الهجمات التي طاولت سفنًا تجارية، ما أثار مخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن بين أحدث الحوادث استهداف السفينة التجارية اليمنية «تهامة» أثناء إبحارها في منطقة باب المندب.
وقالت وزارة النقل في الحكومة اليمنية إن السفينة كانت تحمل مواد غذائية، وإنها تعرضت لثلاث ضربات متتالية بصواريخ باليستية.
واتهمت الحكومة اليمنية جماعة الحوثيين بالوقوف وراء الهجوم، واعتبرت استهداف السفينة تهديدًا لأمن الملاحة البحرية والتجارة الدولية.
في المقابل، تبنى الحوثيون استهداف السفينة، وقالوا إنها كانت تنقل معدات عسكرية سعودية، في حين أكدت الحكومة اليمنية أنها سفينة مدنية يمنية.
ميناء المخا تحت الضغط
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصعيد حول ميناء المخا على الساحل الغربي لليمن، حيث تعرضت منشآت الميناء وأرصفته لقصف أدى، بحسب مصادر محلية وملاحية، إلى أضرار في أجزاء من البنية التحتية.
ويحظى ميناء المخا بأهمية استراتيجية بسبب موقعه بالقرب من مضيق باب المندب، لكنه لا يزال محدود القدرة على استقبال السفن الكبيرة، وفق مصادر ملاحية، كما أن عمليات توسعة وتطوير منشآته كانت جارية قبل تعرضه للهجمات الأخيرة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن السفينة «تهامة» دخلت إلى ميناء المخا في السابع من أغسطس/آب، قبل أن تتعرض للاستهداف لاحقًا في محيط باب المندب.
كما سبق أن تعرضت سفينة تجارية هندية لهجوم في البحر الأحمر، أدى إلى غرقها بالكامل، وفق ما أعلنت الحكومة اليمنية ومصادر هندية.
خسائر اقتصادية تتجاوز حدود اليمن
ولا تقتصر تداعيات التصعيد البحري على الجانب العسكري، إذ يمكن أن تمتد آثاره إلى حركة التجارة العالمية وأسعار الشحن والتأمين والطاقة.
ويمثل باب المندب حلقة رئيسية في شبكة التجارة البحرية الدولية، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، كما يمثل جزءًا من الطريق البحري الذي يربط الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المنطقة يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى استخدام طرق أطول وأكثر تكلفة، ما ينعكس على أسعار النقل والسلع ومدة وصول الشحنات.
كما أن استهداف السفن النفطية أو التجارية يرفع مستوى المخاطر الأمنية بالنسبة لشركات الملاحة، ويدفعها إلى إعادة تقييم مساراتها وتكاليف التأمين والحماية.
وفي اليمن نفسه، تزداد المخاوف من أن يؤدي تراجع النشاط التجاري والبحري إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على بلد يعاني أصلًا من أزمة إنسانية واقتصادية عميقة.
8 سفن نفطية و29 سفينة مُنعَت من المرور
وبحسب بيانات أعلنتها جماعة الحوثيين، فقد استهدفت الجماعة ثماني سفن نفطية سعودية منذ بدء ما وصفته بالحظر البحري في 22 يوليو/تموز الماضي، فيما قالت إنها منعت أو أجبرت 29 سفينة نفطية سعودية على التراجع والعودة في البحرين الأحمر والعربي.
وتتعامل الحكومة اليمنية مع هذه العمليات باعتبارها تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية، بينما يقدم الحوثيون عملياتهم بوصفها جزءًا من المواجهة الإقليمية الأوسع.
وفي ظل استمرار تبادل الاتهامات، تزداد الدعوات الدولية إلى تحييد الممرات البحرية والمنشآت المدنية عن العمليات العسكرية، وضمان سلامة أطقم السفن وعدم تحويل الموانئ والممرات التجارية إلى ساحات قتال.
تحذير أممي من العودة إلى الحرب الواسعة
ويأتي التصعيد العسكري في وقت أطلق فيه المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ تحذيرًا شديد اللهجة بشأن مستقبل الوضع الأمني في البلاد.
وقال غروندبرغ، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، إن اليمن يواجه خطر العودة إلى صراع واسع النطاق بدرجة أكبر من أي وقت مضى منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
وأشار إلى أن النشاط العسكري المتزايد على خطوط المواجهة، إلى جانب الهجمات الأخيرة في مأرب وحضرموت والمخا ومناطق أخرى، أدى إلى سقوط ضحايا من العسكريين والمدنيين.

