كشفت 3 انفجارات لأسطوانات الهيليوم خلال عام 2026 في القاهرة ودمياط عن مقتل 8 أشخاص وإصابة عشرات آخرين، بعدما تحولت محال الهدايا والألعاب إلى مخازن لأوعية مضغوطة تعمل وسط الجمهور دون رقابة وقائية فعالة.

 

وتفضح الوقائع المتلاحقة نموذجاً حكومياً ينتظر سقوط القتلى قبل مراجعة التراخيص، بينما يدفع المواطنون ثمن سوق متروك للموردين المجهولين، ومنشآت تجارية تتوسع في استخدام الأسطوانات دون تدريب حقيقي أو تفتيش يسبق الكارثة.

 

سلسلة دم لا تتوقف

 

بدايةً، وقع أحدث الانفجارات داخل محل هدايا بمول أربيلا بلازا في القاهرة الجديدة، حيث انفجرت أسطوانة معبأة بالغاز، فقتل الحادث 3 أشخاص وأصاب آخرين وألحق تلفيات بواجهات محال مجاورة داخل المركز التجاري.

 

وفي التفاصيل، انتقلت قوات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف عقب تلقي البلاغ، لكن هذا التحرك جاء بعد وقوع الانفجار، فيما بقي السؤال معلقاً حول الجهة التي سمحت بتخزين أسطوانة مضغوطة داخل محل يستقبل الجمهور.

 

وقبل ذلك، شهدت منطقة المطبعة في دار السلام يوم 12 أغسطس انفجار أسطوانة داخل محل ألعاب بعد تعرضها لحرارة مرتفعة، قبل امتداد النيران إلى محتويات المتجر ومصرع عامل وطبيب صيدلي وفق المعلومات المتاحة.

 

أما الحادث الأشد من حيث الإصابات، فوقع بمدينة دمياط الجديدة يوم 20 مارس، عندما انفجرت أسطوانة داخل محل لملء بالونات الدعاية، ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 32 آخرين وتحويل فرحة العيد إلى مأتم.

 

وبذلك، لم تعد الحوادث وقائع منفصلة يمكن ردها إلى أخطاء فردية، بعدما تكررت في 3 مواقع خلال عام واحد وبالنمط نفسه تقريباً، بما يكشف خللاً ممتداً في الترخيص والتوريد والتخزين والتدريب والتفتيش.

 

وعلى الرغم من ذلك، لم تعلن الحكومة حتى الآن حصراً شاملاً للمحال التي تستخدم أسطوانات الهيليوم، ولا خريطة بمصادر توريدها أو نتائج فحصها، بينما تواصل هذه الأنشطة عملها داخل مناطق مزدحمة ومراكز تجارية مغلقة.

 

في المقابل، فتحت النيابة العامة تحقيقاً في حادث أربيلا، وكلفت الجهات الفنية فحص الأسطوانة وموقع الانفجار والتراخيص، غير أن التحقيق الجنائي وحده لا يعوض غياب الرقابة السابقة التي كان يفترض أن تمنع إدخال الخطر.

 

ومن زاوية أخرى، يظل ملف إدارة المول موضع مساءلة بشأن طبيعة النشاط المرخص للمحل، ووجود موافقة على استخدام الغاز، ومكان تخزين الأسطوانة، ومدى تنفيذ اشتراطات الحماية المدنية وخطط الإخلاء وتدريب العاملين على الطوارئ.

 

ضغط يتحول إلى قنبلة

 

علمياً، يعد الهيليوم غازاً خاملاً وغير سام وغير قابل للاشتعال، لكن الأسطوانة التي تحتويه تظل وعاءً معدنياً تحت ضغط مرتفع، وقد تتحول عند تلفها أو تسخينها أو كسر صمامها إلى مقذوف شديد التدمير.

 

وبعبارة أخرى، لا يكون مصدر الانفجار دائماً احتراق الهيليوم نفسه، وإنما التمدد الناتج عن ارتفاع الحرارة أو ضعف جسم الأسطوانة أو تلف الصمام، إضافة إلى احتمال تعبئتها بغازات رخيصة قابلة للاشتعال بدلاً من الهيليوم النقي.

 

ووفقاً للمهندس هشام علي، استشاري تخطيط نظم السلامة والصحة المهنية، فإن سقوط الأسطوانة أو تعرضها للصدمات أو العبث بوسائل الأمان قد يقود إلى انفجار ميكانيكي، بينما يزيد التخزين السيئ والحرارة المرتفعة حجم الخطر.

 

كذلك، حذر هشام علي من إزالة أجزاء الحماية أو استخدام منظمات وصمامات غير مناسبة، مشدداً على ضرورة تثبيت الأسطوانات رأسياً وفصلها عن مصادر الحرارة ومراجعة كل محل يحتفظ بها داخل مناطق تجمع المواطنين.

 

ومن ثم، تبدأ الوقاية بفحص جسم الأسطوانة بحثاً عن الصدأ والانبعاجات والشقوق، والتحقق من تاريخ الاختبار الفني والعمر الافتراضي، وعدم قبول أي وعاء طمست بياناته أو أعيد طلاؤه لإخفاء عيوبه القديمة.

 

إضافة إلى ذلك، يجب تخزين الأسطوانات في أماكن جيدة التهوية بعيداً عن الشمس ومخارج الطوارئ والمصاعد، مع تثبيتها بسلاسل مانعة للسقوط وتركيب أغطية حماية للصمامات ومنع نقلها بالسحب أو التدحرج العشوائي.

 

وعلى صعيد النقل، ينبغي استخدام عربات مخصصة وتثبيت الأسطوانات خلال الحركة، لأن اصطدام الصمام أو انفصاله قد يطلق الغاز بقوة هائلة ويدفع الوعاء المعدني داخل المكان بسرعة تهدد العاملين والمترددين على المنشأة.

 

فضلاً عن هذا، يجب منع غير المدربين من تركيب منظمات الضغط أو تعبئة البالونات، مع إلزام المحال بسجلات توضح المورد وتاريخ الاستلام والفحص والصيانة، بدلاً من الاكتفاء بتعليمات شفوية يقدمها مندوب مجهول الخبرة.

 

رقابة تحضر بعد الجنازات

 

بحسب العميد شريف خالد، الخبير السابق بقطاع الحماية المدنية، فإن نحو 90% من الشركات الموردة لا تلتزم بالمواصفات المطلوبة وفق تقديره، وتجري عمليات تعبئة تحت بئر السلم، بما يفتح سوقاً خطرة بلا ضمانات فنية.

 

وأضاف خالد أن بعض الموردين يعيدون تجديد أسطوانات قديمة انتهى عمرها الافتراضي ثم يطرحونها مجدداً، رغم تراجع قدرتها على تحمل الضغط وارتفاع احتمالات فشلها عند التعرض للحرارة أو الاستخدام المتكرر داخل المنشآت.

 

لذلك، لا يكفي مطالبة أصحاب المحال بالشراء من جهات معتمدة، بل يتعين إعلان سجل حكومي مفتوح بالموردين المرخصين، ووضع رقم تتبع على كل أسطوانة يكشف منشأها وتاريخ تعبئتها واختبارها والجهة المسؤولة عنها.

 

وبالمثل، يرى الدكتور مجدي صليب، المدير السابق للمركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية، أن تطبيق اشتراطات الأمان يجب ألا يتوقف عند منح الترخيص، وإنما يستمر عبر التفتيش والمتابعة الدورية طوال مدة تشغيل المنشأة.

 

واستناداً إلى رأيه، ينبغي أن تحدد الجهات المختصة أصلاً ما إذا كان موقع تجاري مزدحم يصلح لنشاط يستخدم أسطوانات الهيليوم، لأن السماح بالتشغيل داخل مركز مغلق دون تقدير المخاطر يحول الترخيص إلى غطاء شكلي.

 

غير أن تكرار الانفجارات يكشف أن الجهات الحكومية تعاملت مع أسطوانات الهيليوم كملحق بسيط لنشاط بيع الهدايا، ولم تضع تداولها تحت منظومة صارمة تشمل المورد والمركبة والمخزن والمحل والعامل المسؤول عن الاستخدام.

 

علاوة على ذلك، يفترض أن تشمل حملات التفتيش جميع محال الألعاب والهدايا وقاعات المناسبات، مع التحفظ على الأسطوانات مجهولة المصدر، وإيقاف الأنشطة المخالفة فوراً، وإحالة الموردين غير المرخصين إلى جهات التحقيق دون انتظار انفجار جديد.

 

وبناءً على ذلك، تتحمل أجهزة الأحياء والحماية المدنية والرقابة الصناعية مسؤولية مشتركة عن مراجعة التراخيص السابقة، لأن بقاء أسطوانة غير مفحوصة وسط المتسوقين ليس مخالفة هامشية، بل تهديد مباشر للحياة كان يمكن منعه.

 

وفي المحصلة، تكشف وفاة 8 أشخاص في 3 حوادث أن أصل المشكلة ليس غازاً مجهول الطبيعة، بل دولة تأخرت في ضبط سوق معروف المخاطر، وتركت الرقابة تتحرك خلف سيارات الإسعاف بدلاً من الوصول قبلها.