قدّرت مؤسسة مورغان ستانلي أن يقفز عجز تجارة الطاقة في مصر إلى 23 مليار دولار خلال السنة المالية المنتهية في يونيو، ما يضغط على العملة والتضخم ويرفع كلفة الغذاء والنقل على المواطنين.

 

ويكشف السيناريو الأسوأ حصاد إدارة بددت سنوات الاكتشافات والشعارات دون بناء اكتفاء مستدام، ثم تركت الأسر تواجه فاتورة الاستيراد عبر جنيه أضعف وأسعار وقود أعلى ومائدة تنكمش كلما ارتفع برميل النفط عالميًا.

 

ثلاثة مسارات للعجز

 

في البداية، عرضت مورغان ستانلي ثلاثة مسارات محتملة لعجز تجارة الطاقة، تتحدد وفق أسعار الخام واستقرار الإنتاج الإقليمي وحركة الملاحة، مع فجوة واسعة بين أفضل التقديرات وأسوأها تكشف هشاشة الوضع أمام الصدمات الخارجية.

 

وبحسب السيناريو المتفائل، قد ينخفض العجز إلى 18 مليار دولار إذا تراجعت أسعار النفط وعادت الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز واستقر الإنتاج، وهي شروط تبدو بعيدة مع استمرار التوتر وتعطل الإمدادات في المنطقة.

 

أما السيناريو الأساسي، فيفترض استقرار العجز عند نحو 20 مليار دولار مع ارتفاع نسبي في تكاليف جلب الشحنات والتأمين والنقل، بما يبقي الطلب على العملة الأجنبية مرتفعًا ويحد من فرص تحسن الحساب الخارجي.

 

وفي المقابل، يرفع السيناريو المتشائم العجز إلى 23 مليار دولار مع بقاء علاوة المخاطر مرتفعة، بالتزامن مع اتساع عجز الحساب الجاري إلى 17 مليار دولار وتزايد الاحتياجات التمويلية خلال العام المالي.

 

علاوة على ذلك، أظهرت اضطرابات مضيق هرمز أن الاعتماد على الواردات يجعل مصر رهينة مسار بحري شديد الحساسية، إذ يرفع أي توقف تكلفة الشحن والتأمين ويؤخر وصول الوقود اللازم للكهرباء والنقل والصناعة.

 

ومن ناحية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن خفض واردات الوقود بنسبة 15 في المئة ممكن لكنه مشروط بزيادة الإمدادات المحلية ورفع كفاءة التكرير وترشيد الطلب وتنفيذ خطط الإنتاج دون تعثر.

 

بناءً على ذلك، تصبح الوعود الحكومية بخفض الواردات رهينة عوامل لا تملك القاهرة التحكم فيها بالكامل، وفي مقدمتها سعر الخام وكفاءة المصافي ومواعيد دخول الحقول الجديدة ومدى قدرة الإنتاج المحلي على تعويض الغاز المستورد.

 

وفوق ذلك، لا تمثل زيادة الفاتورة رقمًا محاسبيًا مجردًا، لأنها تعني خروج مليارات إضافية من النقد الأجنبي كان يمكن توجيهها إلى استيراد الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج أو الوفاء بالالتزامات الخارجية المتراكمة.

 

الجنيه تحت ضغط

 

على صعيد العملة، يؤدي اتساع عجز الطاقة إلى زيادة طلب الجهات الحكومية والشركات على الدولار لتمويل الشحنات، بينما تتنافس احتياجات الوقود مع واردات القمح والأدوية والخامات على موارد نقدية تعاني أصلًا من الضغوط.

 

وبالتالي، قد يفقد الجنيه جزءًا من استقراره كلما ارتفعت أسعار النفط أو تعطلت الإمدادات، لأن البنك المركزي يصبح مطالبًا بتوفير عملة إضافية للاستيراد أو السماح بانخفاض السعر لاستعادة التوازن بين العرض والطلب.

 

كما أن تحسن العملة المعتمد على تحويلات المصريين وتدفقات أدوات الدين يظل قابلًا للانعكاس، إذ يمكن للمستثمرين الأجانب سحب أموالهم سريعًا عند ارتفاع المخاطر أو تراجع العائد الحقيقي أو اشتداد اضطرابات المنطقة.

 

وفي هذا السياق، ربط الخبير الاقتصادي هاني جنينة قوة الجنيه بتدفقات رؤوس الأموال إلى أذون وسندات الخزانة وضعف الدولار عالميًا، كما رهن تحسنه بعودة إيرادات قناة السويس ونمو السياحة وتحويلات العاملين بالخارج.

 

مع ذلك، تكشف هذه العوامل أن الاستقرار الحالي يعتمد بدرجة واسعة على موارد متقلبة أو ظروف خارجية، بدل اعتماده على توسع إنتاجي قادر على توفير الطاقة وزيادة الصادرات وتقليل الحاجة المزمنة إلى الاقتراض.

 

إضافة إلى ذلك، تمثل تحويلات العاملين بالخارج خط دفاع مهمًا، لكنها لا تعالج أصل الاختلال، لأنها تعوض جزءًا من الفجوة بعد حدوثها ولا توقف تراجع إنتاج الغاز أو تضخم واردات الوقود كل شهر.

 

ومن ثم، قد تلجأ الحكومة إلى مزيد من أدوات الدين أو الوثائق الدولارية لجذب السيولة، ما يوفر راحة مؤقتة لكنه يراكم التزامات جديدة ويزيد كلفة الفوائد ويؤجل مواجهة الخلل الهيكلي في ميزان الطاقة.

 

في الوقت نفسه، يهدد ارتفاع الدولار برفع القيمة المحلية لفاتورة الطاقة حتى دون زيادة الكميات المستوردة، فتدفع الخزانة جنيهات أكثر مقابل الشحنة نفسها وتنتقل التكلفة إلى الموازنة والأسعار ورسوم الخدمات العامة.

 

المواطن يدفع الفاتورة

 

أما على مستوى الأسعار، تنتقل صدمة الطاقة سريعًا إلى تكاليف النقل والتصنيع والزراعة والتخزين، ثم تظهر في أسعار الخبز والخضروات والدواء والملابس، لتتحول فاتورة النفط من أزمة حكومية إلى اقتطاع يومي من دخل الأسرة.

 

لهذا السبب، توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع التضخم إلى 16.7 في المئة خلال النصف الثاني من العام المالي، مدفوعًا بعوامل الطاقة قبل بدء مسار تدريجي طويل نحو الانحسار تحيط به مخاطر الصراع والاستيراد.

 

وبالمثل، حذر المحلل الاقتصادي هاري تشيمبرز من أن استمرار الصراع وبقاء أسعار النفط مرتفعة سيؤديان إلى استمرار زيادة التضخم، بما يعني أن الأسر قد تواجه موجة غلاء أطول من التقديرات الحكومية المتفائلة.

 

كذلك، قد تستخدم الحكومة آلية التسعير لرفع أسعار الوقود محليًا وتقليص دعم الطاقة، فتنتقل خسائر الاستيراد مباشرة إلى سائقي المركبات وأصحاب المصانع والمزارعين، ثم يحمل المنتجون الزيادة إلى المستهلك النهائي دون حماية كافية.

 

غير أن رفع الأسعار لا يصنع اكتفاءً محليًا ولا يعيد إنتاج الغاز المتراجع، بل يخفض استهلاك الفقراء قسرًا بينما تظل المشكلة الأساسية قائمة، وتواصل البلاد دفع الدولار لقاء احتياجات لا تستطيع الاستغناء عنها سريعًا.

 

إلى جانب ذلك، تتأثر مائدة المصريين مرتين، الأولى بارتفاع تكلفة نقل السلع وتشغيل المزارع والمخابز، والثانية بتراجع الجنيه أمام الدولار وما يسببه من زيادة أسعار الحبوب والزيوت والأعلاف المستوردة ومدخلات التصنيع الغذائي.

 

وعليه، تحتاج مواجهة الأزمة إلى خطة معلنة لزيادة الإنتاج المحلي وتطوير المصافي وتسريع الطاقة المتجددة وكشف تفاصيل عقود الاستيراد، بدل الاكتفاء بجذب الأموال الساخنة وتحميل المواطن نتائج التقلبات التي لم يصنعها.

 

أخيرًا، يضع تقدير 23 مليار دولار الحكومة أمام اختبار لا تخفيه البيانات، فإما تغيير نموذج الاعتماد على الخارج وبناء أمن طاقة حقيقي، أو استمرار حرق الجنيه وتقليص مائدة الأسر لسداد فاتورة النفط.