يتزايد الضغط داخل الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات تجارية ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي مع استمرار عدوانها على قطاع غزة، وسط انتقال النقاش من مقاطعة سلع المستوطنات محدودة القيمة إلى احتمال تعليق المزايا التجارية التي تتمتع بها تل أبيب في السوق الأوروبية. وقد يكلف تعليق الأحكام التجارية لاتفاقية الشراكة إسرائيل نحو مليار يورو سنويًا، بعدما بلغ حجم التجارة المتبادلة بين الجانبين 43 مليار يورو خلال 2025.
ويهدد التصعيد الأوروبي قطاعات الآلات والنقل والصناعات الكيميائية، في وقت يحذر خبراء إسرائيليون من أن خسارة السوق التفضيلية قد تمنح منافسين، وفي مقدمتهم تركيا، فرصة لاحتلال مواقع المصدرين الإسرائيليين بصورة يصعب تداركها لاحقًا.
من المستوطنات إلى التجارة الشاملة
قال رجل الأعمال الإسرائيلي إيتان ميليتس إن النقاش الأوروبي لم يعد محصورًا في مقاطعة منتجات المستوطنات، بعدما اتجه إلى دراسة إجراءات أوسع قد تصل إلى وقف إجمالي التجارة أو تعليق اتفاقية الشراكة التجارية مع إسرائيل.
وأوضح ميليتس أن القيمة الاقتصادية لمنتجات المستوطنات تتراوح بين عشرات ومئات الملايين من اليوروهات سنويًا، بينما بلغ إجمالي التجارة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي نحو 43 مليار يورو خلال 2025، ما يكشف الفارق الهائل بين المسارين.
وتتحرك الضغوط الأوروبية عبر ثلاثة مسارات متوازية، يبدأ أولها بحظر التجارة مع المستوطنات، وهو الخيار الذي يحظى بأوسع دعم سياسي داخل القارة، وقد بدأت هولندا وإسبانيا تطبيق قوانين تحظره وتتضمن عقوبات وغرامات جنائية.
ويشمل الحظر منتجات مصانع النبيذ في الجولان المحتل وتمور غور الأردن وسلع البحر الميت، وقد يمتد إلى دول أوروبية أخرى أو يتحول إلى سياسة عامة يعتمدها الاتحاد بأكمله بدلًا من الإجراءات الوطنية المنفردة.
ورغم الدلالة السياسية للحظر، يرى ميليتس أنه لا يمثل الخطر الاقتصادي الأكبر على تل أبيب، لأن تجارة المستوطنات محدودة مقارنة بإجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى أوروبا وحجم الاعتماد المتبادل بين الطرفين.
ويتمثل المسار الثاني في تعليق الأحكام التجارية لاتفاقية الشراكة، وهو مقترح قدمته المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين، ويعني حرمان المنتجات الإسرائيلية من الوصول التفضيلي إلى أسواق الاتحاد وفرض رسوم جمركية عليها.
وستخضع الصادرات الإسرائيلية، في هذه الحالة، للمعاملة ذاتها المفروضة على منتجات الدول التي لا ترتبط باتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد، وهو ما سيضعف قدرتها التنافسية ويرفع أسعارها أمام المستورد والمستهلك الأوروبيين.
أما المسار الثالث والأكثر حدة، فيتعلق بإلغاء اتفاقية الشراكة بالكامل، وهو إجراء يتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء وعددها 27 دولة، وقد يؤدي إلى تدهور أوسع في العلاقات الاقتصادية والسياسية بين أوروبا وتل أبيب.
قطاعات إسرائيلية أمام الخسائر
تعد الآلات ومعدات النقل أكثر القطاعات الإسرائيلية تعرضًا للخطر، إذ تبلغ قيمة صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي نحو 7 مليارات يورو، بما يعادل 44 بالمئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية المتجهة إلى السوق الأوروبية.
وتأتي المواد الكيميائية في المرتبة التالية بصادرات تبلغ قيمتها 2.9 مليار يورو، ثم المنتجات الصناعية بنحو 1.9 مليار يورو، وهي قطاعات قد تواجه رسومًا تتراوح بين نسب محدودة وعشرات بالمئة بحسب نوع كل منتج.
وتبلغ الواردات الأوروبية من إسرائيل نحو 15.3 مليار يورو، وتتكون بصورة رئيسية من الآلات ومعدات النقل بنسبة 42.8 بالمئة، والمواد الكيميائية بنسبة 18.7 بالمئة، ما يجعل أي رسوم جديدة ذات تأثير مباشر على المصانع والمصدرين.
ويستحوذ الاتحاد الأوروبي على 31.7 بالمئة من تجارة إسرائيل السلعية مع العالم، كما تتجه إليه 29.4 بالمئة من صادراتها، ما يجعله الشريك التجاري الأكبر والأكثر تأثيرًا في قدرة اقتصاد الاحتلال على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ونقل ميليتس عن أرييه رايخ، نائب رئيس جامعة بار إيلان، أن التكلفة المباشرة لتعليق الاتفاقية تبلغ نحو مليار يورو سنويًا من المزايا التجارية المفقودة، دون احتساب التداعيات غير المباشرة على الاستثمار والإنتاج وسلاسل التوريد.
ولا يقتصر اعتماد تل أبيب على تصدير منتجاتها إلى القارة، إذ تستورد من الاتحاد سلعًا بقيمة 28 مليار يورو سنويًا، تمثل نحو 33 بالمئة من وارداتها، وفي مقدمتها الآلات والمركبات والأدوية والمواد الكيميائية.
ويحذر قطاع الأعمال الإسرائيلي من أن الضرر قد يتجاوز ارتفاع الرسوم، لأن الشركات الأوروبية قد تعيد بناء سلاسل توريدها بالاعتماد على دول أخرى تتمتع باتفاقات تجارية مستقرة، ما قد يؤدي إلى خسارة إسرائيل عقودًا وأسواقًا بصورة دائمة.
وتبرز تركيا بوصفها أحد المنافسين القادرين على استغلال الأزمة، نظرًا إلى ارتباطها بعلاقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي وامتلاكها قاعدة صناعية واسعة، ما يسمح لها بتقديم نفسها بديلًا أقل مخاطرة من الشركات الإسرائيلية.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن عودة المصدرين الإسرائيليين إلى مواقعهم السابقة لن تكون سهلة حتى إذا تراجعت العقوبات لاحقًا، لأن المستوردين الأوروبيين قد يفضلون الحفاظ على الموردين الجدد بعد اختبار قدرتهم وأسعارهم.
عقبة ألمانيا وإيطاليا
يحتاج تعليق الأحكام التجارية إلى دعم 15 دولة تمثل 65 بالمئة من سكان الاتحاد الأوروبي، وبينما تؤيد 20 دولة من أصل 27 اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، تظل الكتلة السكانية المطلوبة عقبة أمام تمرير القرار.
وتعارض ألمانيا وإيطاليا فرض العقوبات لأسباب تاريخية، وباعتبارهما من أكبر دول الاتحاد من حيث عدد السكان، يصعب الوصول إلى نسبة 65 بالمئة من دونهما، لكن دعم واحدة منهما قد يكفي لترجيح نتيجة التصويت.
ومع ذلك، بدأت مواقف أوروبية كانت أكثر تحفظًا في التحول، إذ جمدت إيطاليا اتفاقية أمنية مع إسرائيل، ووقع 49 سفيرًا إيطاليًا رسالة تدعو إلى فرض العقوبات، كما انضمت فرنسا للمطالبة بحظر تجارة المستوطنات.
وفي يوليو، حصل حظر التجارة مع المستوطنات على أوسع دعم أوروبي حتى ذلك الوقت، بالتزامن مع توقيع مليون مواطن أوروبي عريضة تطالب بإجراءات ضد تل أبيب، ما يعكس انتقال الضغوط من المؤسسات إلى الرأي العام.
كما تغيرت الحسابات داخل المجر بعد خسارة فيكتور أوربان، المقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الانتخابات، بعدما كان يمثل أحد أبرز المعارضين لأي عقوبات أوروبية على دولة الاحتلال.
وتواجه الخطوات المقترحة خلافًا قانونيًا بشأن آلية إقرارها، إذ تعتبر المفوضية الأوروبية العقوبات جزءًا من السياسة الخارجية، ما يتطلب الإجماع، بينما ترى الدائرة القانونية للمجلس أنها إجراء تجاري يكفي لتمريره الحصول على أغلبية مؤهلة.
وسبق أن فرضت بريطانيا وأستراليا وكندا والنرويج ونيوزيلندا عقوبات شخصية على وزيري الأمن القومي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش، كما حظرت إسبانيا وهولندا وبلجيكا دخولهما إلى أراضيها.
لكن الاتحاد الأوروبي لم يفرض، بصفته هيئة موحدة، عقوبات شخصية على الوزيرين بسبب معارضة بعض الدول الأعضاء، رغم أن مسار العلاقات الأوروبية الإسرائيلية يتجه نحو مزيد من التوتر مع استمرار الحرب والتصريحات المتطرفة لمسؤولي الاحتلال.
ويرى ميليتس أن بقاء الحكومة الإسرائيلية الحالية أو تمديد ولايتها سيرفع احتمال العقوبات، لأن تصريحات مسؤوليها تجعل الدفاع عنها أكثر صعوبة أمام حلفائها، بينما تمنح مشاهد إهانة معتقلي أسطول الحرية أنصار المقاطعة أدلة إضافية.
ويشير التصعيد الجاري إلى قطيعة تدريجية بين الاحتلال وأقرب حلفائه، بعدما تحولت حرب غزة إلى عبء اقتصادي ودبلوماسي متزايد، يهدد بحرمان إسرائيل من أهم أسواقها ويفرض عليها تكلفة مباشرة قد تتجاوز مليار يورو سنويًا.

