أعلن وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا اعتزام أديس أبابا إنشاء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق بسعة تقارب 140 مليار متر مكعب، بما يمنح إثيوبيا قدرة أوسع على التحكم في التدفقات الواصلة إلى مصر والسودان.
وتأتي التصريحات بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة التي لم تنتج اتفاقا ملزما، بينما يواجه ملايين المصريين مخاطر الفقر المائي، وسط انتقادات حادة لسلطة بددت الوقت وتركت أديس أبابا تفرض الوقائع تباعا دون ردع فعال.
مخزون يفوق تدفق النهر
وفي البداية، قال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين إن إثيوبيا تخطط لبناء 3 سدود إضافية، لترتفع قدرتها التخزينية الإجمالية إلى أكثر من 200 مليار متر مكعب، رغم محدودية الإيراد السنوي للنيل الأزرق.
وبحسب نور الدين، لا يتجاوز متوسط تدفق النيل الأزرق نحو 49 مليار متر مكعب سنويا، ما يعني أن ملء الخزانات الجديدة سيستغرق سنوات وقد يقتطع كميات مؤثرة من المياه الواصلة إلى مصر والسودان خلال فترات الجفاف.
ومن ناحية أخرى، تبلغ السعة المعلنة لسد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب، بينما ترفع السدود المقترحة القدرة النظرية إلى قرابة 214 مليار متر مكعب، وليس 224 مليارا كما ورد في بعض التقارير المتداولة إعلاميا.
وفي المقابل، تبرر أديس أبابا توسعها بالحاجة إلى توليد الكهرباء وتحقيق التنمية، لكنها ترفض حتى الآن إخضاع التشغيل والملء لاتفاق قانوني ملزم، بما يجعل وعود عدم الإضرار مرهونة بإرادتها المنفردة وحساباتها الداخلية والإقليمية المتغيرة.
وعلى هذا الأساس، لا تكمن الخطورة في عدد السدود وحده، بل في تحول النيل الأزرق إلى منظومة خزانات مترابطة تستطيع التحكم في توقيتات المياه وكمياتها، دون قواعد مشتركة تضمن التعامل المنصف مع سنوات الجفاف الممتد.
وفوق ذلك، يمنح تراكم السعات التخزينية إثيوبيا قدرة تفاوضية متصاعدة، بينما تدخل مصر كل جولة جديدة من موقع أضعف، بعدما استهلكت سلطاتها سنوات حاسمة في بيانات مطمئنة لم توقف البناء أو الملء أو التشغيل الأحادي.
وبالتوازي، يهدد أي نقص ممتد قطاعات الزراعة والغذاء والعمل، لأن مصر تعتمد على النيل لتغطية معظم احتياجاتها المائية، بينما تعاني أصلا عجزا سنويا تعالجه بإعادة الاستخدام والاستيراد المكثف للسلع الغذائية الأساسية.
وفي المحصلة، يكشف تقدير نور الدين أن المشروعات ليست مجرد منشآت كهربائية منفصلة، وإنما بنية تحكم واسعة قد تعيد توزيع المخاطر على دول المصب، وتضع أمنها المائي تحت ضغط قرارات إثيوبية لا تخضع لرقابة مشتركة.
تعقيدات التنفيذ لا تلغي الخطر
ومن جانبه، يرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي أن إعلان 3 سدود لا يعني قدرة إثيوبيا على تنفيذها جميعا بالتزامن، بسبب احتياجات التمويل الضخمة والتعقيدات الفنية وطول الفترات اللازمة لإنجاز المشروعات العملاقة.
ومع ذلك، يحذر شراقي من الاستهانة بالإعلان، موضحا أن أديس أبابا قد تطرح المشروعات بوصفها حزمة استثمارية ثم تختار أحدها وفقا للتمويل والجدوى، قبل الانتقال تدريجيا إلى مشروعات أخرى عندما تسمح الظروف الاقتصادية.
وبناء على ذلك، لا يمنح بطء التنفيذ القاهرة ترف الانتظار، لأن تجربة سد النهضة أثبتت أن المشروع الذي يبدأ بخطوات هندسية محدودة يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى أمر واقع كامل يصعب تغييره بالمفاوضات المتأخرة.
وفي السياق نفسه، استغرق سد النهضة أكثر من عقد للوصول إلى مراحله التشغيلية الأساسية، إلا أن طول المدة لم يمنع إثيوبيا من استكماله، كما لم يدفع الحكومات المصرية المتعاقبة إلى انتزاع ضمانات قانونية قابلة للتنفيذ.
ومن ثم، تبدو المراهنة على نقص التمويل الإثيوبي تكرارا لوهم سابق رافق سنوات بناء سد النهضة، حين جرى التقليل من فرص اكتماله، قبل أن تستيقظ القاهرة على خزان ضخم يتحكم فعليا في المجرى الرئيسي للنيل الأزرق.
وعلاوة على ذلك، تستطيع أديس أبابا استخدام الإعلانات الجديدة لجذب المستثمرين ورفع سقف التفاوض وتثبيت مفهوم السيادة المطلقة على المياه، حتى إن تعذر تنفيذ المشروعات الثلاثة دفعة واحدة أو تأخر بعضها سنوات إضافية.
وفي غضون ذلك، يظل غياب المعلومات الفنية التفصيلية عن مواقع السدود وسعاتها وقواعد تشغيلها مشكلة مركزية، لأن تقييم الأضرار يحتاج بيانات شفافة ودراسات مستقلة، لا تصريحات دعائية تصدرها دولة المنبع ثم تطالب الآخرين بالثقة.
وختاما لهذا المسار، يقدم تحليل شراقي سببا للحذر دون الاطمئنان، فالتعقيدات قد تؤخر التنفيذ لكنها لا تلغي الخطر، بينما يمنح التأخير الحكومة المصرية فرصة أخيرة للتحرك الجاد بدلا من إعادة تدوير خطاب الخطوط الحمراء المستهلك.
آثار تتجاوز سد النهضة
أما وزير الري الأسبق حسام مغازي، فيحذر من أن السدود المقترحة قد تترك آثارا سلبية جسيمة على مصر والسودان، مؤكدا أن تداعياتها المحتملة يمكن أن تتجاوز تأثيرات سد النهضة لأسباب فنية مرتبطة بالمواقع والسعات والتشغيل المتتابع.
وبخلاف سد منفرد، تسمح سلسلة خزانات موزعة على أعالي النيل الأزرق بحجز المياه وتمريرها وفق برنامج إثيوبي متكامل، وهو ما قد يضاعف صعوبة التنبؤ بالتدفقات ويقلص قدرة السدود السودانية والمصرية على التخطيط الآمن.
وإضافة إلى ذلك، تتسع المخاطر خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد، عندما تصبح كل كمية مخزنة حاسمة للزراعة ومياه الشرب، بينما لا توجد آلية ملزمة تحدد نصيب دول المصب أو تفرض تنسيقا مسبقا لإدارة العجز.
وبالتالي، قد ينعكس انخفاض التدفقات على الرقعة الزراعية وأسعار الغذاء وفرص العمل الريفية، ثم ينتقل العبء إلى الأسر الفقيرة التي تتحمل بالفعل كلفة التضخم، من دون أن تملك الحكومة شبكة حماية توازي حجم التهديد.
كما أن السودان يواجه خطرا مزدوجا، لأن قرب سدوده ومنشآته من المشروعات الإثيوبية يجعله أكثر تعرضا للتغيرات المفاجئة في التصريف، فيما تعرقل الحرب قدرته المؤسسية على المراقبة والتفاوض والاستجابة السريعة لأي طارئ مائي.
غير أن الخطاب الإثيوبي يقدم السيطرة على التدفقات باعتبارها حقا سياديا، متجاهلا أن الأنهار العابرة للحدود تفرض التعاون وعدم التسبب في ضرر جسيم، وأن التنمية لا تبرر احتكار مورد تتوقف عليه حياة شعوب كاملة.
وفي ضوء ذلك، لا يكفي أن تعلن القاهرة رفضها للمشروعات أو تصفها بالأحادية، لأن سنوات الاعتراض اللفظي لم تمنع اكتمال سد النهضة، ولم تنتج اتفاقا يحدد قواعد التشغيل أو إجراءات التعامل مع الأزمات والجفاف.
إلى جانب ذلك، تثير التصريحات تساؤلات قاسية بشأن حصيلة اتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015، بعدما تعاملت السلطة معه بوصفه مدخلا للتعاون، بينما استندت إليه إثيوبيا في مواصلة البناء دون تسوية جوهر الخلاف.
وأخيرا، تكشف الأزمة أن الأمن المائي المصري لا يحتمل إدارة بالبيانات والوعود، بل يحتاج مسارا قانونيا ودبلوماسيا واقتصاديا متماسكا، ومصارحة للرأي العام بحجم المخاطر بعدما ساهم الغموض الرسمي في تعميق العجز وفقدان الثقة.

