أ.د. محسن محمد صالح
كاتب وباحث فلسطيني، المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
كان يكفي قيادة المنظمة أن تضع حائط صدٍّ أو حائطين، خندقًا أو خندقين، لتضمن إعادة إنتاج نفسها، ولتصطنع لنفسها "شرعية" تعرف قبل غيرها أنها لا تعكس التعبير الحقيقي عن إرادة الشعب الفلسطيني وتطلعاته؛ غير أنك قد تستهجن حجم الإجراءات والخطوات الوقائية التي أمعنت قيادة المنظمة في اتخاذها.
مخالفة ميثاق المنظمة
ابتداء، فإنّ منظمة التحرير الفلسطينية ينص نظامها على أنّ عضويتها حقٌّ لكل فلسطيني، وأنّها مظلّة لكل الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه وتوجهاته وأماكن تواجده؛ غير أنّ قيادة المنظمة قَصَرَت عمليًا هذا الحق على "جماعة أوسلو" ومؤيدي مسار التسوية مع الكيان الإسرائيلي، عندما قررت أنّ المشاركة في الانتخابات ستكون على أساس الالتزام بالاتفاقات التي التزمت بها قيادة المنظمة. وبالتالي، فمن لا يلتزم بها فلا مكان له في تمثيل الشعب الفلسطيني. وبذلك، وفي مخالفة للميثاق الوطني للمنظمة، قامت عمليًا بإقصاء فصائل وتيارات وقوى شعبية واسعة، تمثل وفق استطلاعات الرأي أغلبية الشعب الفلسطيني؛ وقطعت الطريق على قوى المقاومة (وخصوصًا حماس والجهاد الإسلامي) المشاركة الفعّالة بناء على برنامجها السياسي.
واستقوت قيادة المنظمة على مواطنيها ومنافسيها ومخالفيها، بوجود رغبات وطلبات إسرائيلية، وعربية رسمية ودولية غربية باستبعاد قوى المقاومة واستبعاد الإسلاميين، مهما كانت شعبيتهم؛ بل وبالغت في الخصومة عندما شاركت ودفعت (أو وافقت على الأقل) على تضمين بيان نيويورك في سبتمبر 2025، المتعلق بحلّ الدولتين، نصًا يؤكد على استبعاد حماس من المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، ونزع سلاحها!!
فلسطينيو الداخل والخارج
تابعت قيادة المنظمة تحوطاتها بالتراجع عن المناصفة في عضوية المجلس الوطني إلى إعطاء الضفة الغربية وقطاع غزة 200 مقعد (57 في المئة) مقابل 150 مقعدًا لفلسطينيي الخارج (43 في المئة)، مع أنّ عدد فلسطينيي الضفة والقطاع، بناء على إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في نهاية سنة 2025، يبلغ 5 ملايين و557 ألفًا (35.9 في المئة من مجموع الشعب الفلسطيني) مقابل 8 ملايين و77 ألفًا هو العدد الذي قدّره الجهاز لفلسطينيي الخارج، أي 52.1 في المئة من مجموع الشعب الفلسطيني، مع العلم أنّ فلسطينيي 1948 يبلغون مليونًا و855 ألفًا يمثّلون 12 في المئة من الشعب الفلسطيني، وهم غير محتسبين في عضوية المجلس.
- اختطاف ثلث مقاعد الداخل: ثم قامت قيادة المنظمة بعمل حائط صدٍّ جديد بالتغوّل على 67 مقعدًا من مقاعد الضفة والقطاع، وإخراجها من العملية الانتخابية، وجعلها مرهونة بقرار قيادة المنظمة نفسها.
- التفاف على تمثيل الخارج: والآن جرت/ أو تجري الترتيبات لاختطاف فرصة التمثيل الحقيقي لفلسطينيي الخارج من خلال إنشاء "مجمعات انتخابية" يجري تشكيلها بالتعيين، وتكون اليد الطُّولى والحاسمة فيها لقيادة المنظمة نفسها!! حيث ستتم عملية توزيع المقاعد بالتوافق بين هذه القيادة وبين من تستوعبهم تحت مظلتها.
حوائط سابقة ولاحقة
وقبل ذلك، وبعده، هناك حوائط صدّ وتحوطات وخنادق، لمنع غير المرغوبين بهم من الوصول للمجلس:
- فـ"الحاكم بأمره"، الذي له "حقّ" إصدار المراسيم والقوانين هو رئيس المنظمة محمود عباس.
- والذي يُعيّن اللجنة العليا "المستقلة" للانتخابات ويعتمدها هو محمود عباس.
- والذي يستطيع أن يُصدر أي مراسيم تُغيِّر "شروط اللعبة" هو محمود عباس.
- والذي يستطيع أن يوقف الانتخابات أو يؤجّلها أو يلغيها هو محمود عباس.
ومع ذلك، فما زالت هناك مخاوف من أن تتمكن حماس ومؤيدو المقاومة، ومعارضو أوسلو، ومعارضو "فتح عباس"، من عمل قوائم "مستقلة" تخترق حوائط وخنادق عباس، وتفرض نفسها على معادلة المجلس!!
إشكاليات جوهرية
لا تكمن المشكلة فقط في استئثار فئة معينة بقيادة منظمة التحرير، ولكن المشكلة أوسع وأعمق:
- فقيادة المنظمة أثبتت عجزها وفشلها طوال أكثر من عشرين عامًا، وصارت "شرعيتها" منتهية، وطوال عهدها ظلّت المنظمة مُهمَّشة معزولة في "غرفة الإنعاش"، وتحوّلت إلى دائرة من دوائر السلطة في رام الله؛ التي هي بدورها تقبع تحت الاحتلال.
- وهي قيادة تفتقر إلى "الرؤية" للخروج بالوضع الفلسطيني من أزمته وانقساماته، ووضع مشروعٍ حقيقيٍ للتحرير على السكَّة؛ وما زالت أسيرة مسار تسوية تجاوزه الاحتلال الإسرائيلي، ووضعه وراء ظهره؛ ولا تمتلك برنامجًا سياسيًا حقيقيًا يحظى بغالبية فلسطينية.
- وهي تدير المنظمة التي يُفترض أن تُمثّل كلّ الشعب الفلسطيني، بعقلية حزبية فصائلية منغلقة، لا تسمح بأي شراكة حقيقية، وترفض أي تعبير حقيقي عن الإرادة الشعبية الفلسطينية.
- وفي عهدها، وتحت إدارتها، انهارت مؤسسات منظمة التحرير ودوائرها، وفقدت فاعليتها، وتجاهلت فلسطينيي الخارج، وفشلت في الاستفادة من كفاءات وقدرات وإمكانات الشعب الفلسطيني ورموزه وخبرائه ومستقليه.
* * *
وأخيرًا، فإنّ أبا مازن، لا يهتم كثيرًا بالرسائل الواضحة التي تحملها استطلاعات الرأي العام الفلسطيني، وعلى مدى طويل، والتي تُجمع على مطالبته بالاستقالة، وبنسب تزيد عن 80 في المئة؛ والتي تشير كلّها أنّه سيخسر في أيّ انتخابات حرة نزيهة أمام أي من مرشحي حماس، أو الأسير مروان البرغوثي، وبفارق كبير جدًا.
ويبقى السؤال، خصوصًا لمن تجاوز التسعين: لِمَ كلّ هذه الحوائط والخنادق لإعادة إنتاج الذات وهندسة الإقصاء؟ ومَن المستفيد من ذلك؟! ألا يستحق الشعب الفلسطيني العظيم بتضحياته وصبره وثباته، وكفاءاته وخبراته قيادةً أفضل؟!

