كشفت بيانات المراجعة السابعة لصندوق النقد الدولي أن مصر تواجه فجوة تمويل خارجي تبلغ 9.7 مليار دولار خلال العام المالي الجاري، ما يدفع الحكومة إلى الاعتماد على القروض والمساعدات الدولية مع انكماش عائدات الخصخصة.

 

وأظهرت الأرقام أن السلطة لم تبن اقتصادًا قادرًا على تمويل احتياجاته من الإنتاج والتصدير، بل راكمت التزامات يدفع المواطن ثمنها عبر الغلاء وتقليص الدعم ورفع أسعار الطاقة وبيع الأصول لتوفير سيولة مؤقتة.

 

 

القروض تسد فجوة الدولار

 

بداية، تمثل الفجوة التمويلية الفرق بين الإيرادات والمصروفات الخارجية، إلى جانب التراجع المتوقع في احتياطيات النقد الأجنبي، وهو ما يكشف استمرار هشاشة موارد الدولار رغم سنوات من القروض والتخفيضات المتلاحقة لقيمة الجنيه.

 

وفي المقابل، تعتمد الحكومة على 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي ومليار دولار من البنك الدولي و3.5 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي، بما يجعل المؤسسات الخارجية الممول الأبرز للاحتياجات المصرية خلال العام الجاري.

 

إلى جانب ذلك، تتوقع بيانات الصندوق تدفقات بقيمة 1.8 مليار دولار من مصادر لم يحددها، الأمر الذي يفتح باب التساؤل بشأن طبيعة هذه الأموال وشروطها وتوقيتها وقدرتها الفعلية على سد الفجوة المعلنة.

 

وبحسب الخبير الاقتصادي محمد فؤاد، ستظل مصر محتاجة إلى تمويل خارجي بصورة مستمرة بسبب وجود فجوة تمويلية، حتى إذا لم تلجأ إلى برنامج جديد مع صندوق النقد عقب انتهاء الاتفاق الحالي.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف الحاجة المتواصلة إلى التمويل الخارجي أن الأزمة لم تعد مرتبطة بصدمة مؤقتة، بل بنموذج اقتصادي يستهلك العملات الأجنبية أسرع من قدرته على توليدها عبر الصناعة والتصدير والاستثمار المنتج.

 

وبالتالي، تصبح تصريحات الحكومة عن إنهاء التعامل مع الصندوق محدودة القيمة ما دامت أسباب الاقتراض قائمة، لأن تغيير جهة التمويل لا يعني انتهاء الأزمة حين تبقى الفجوة ويستمر سداد الديون بقروض وتدفقات جديدة.

 

كما أن الحزمة التمويلية المبرمة خلال 2024 لم تتحول إلى علاج مستدام، بعدما استخدمت التدفقات أساسًا لاحتواء أزمة النقد الأجنبي وسداد الالتزامات، دون إحداث تحول واضح يرفع قدرة الاقتصاد على تحقيق إيرادات دولارية مستقرة.

 

ومن ثم، يبدو البرنامج الحالي أقرب إلى إدارة دورية للعجز منه إلى عملية إصلاح تنهي أسبابه، إذ تتكرر المراجعات والشروط والدفعات بينما تظل الدولة محتاجة إلى تمويل جديد لتجاوز كل استحقاق قادم.

 

غير أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل التمويلات الدولية إلى مظلة تؤجل الانفجار ولا تمنعه، لأن استمرار الاقتراض يضيف فوائد وأقساطًا مستقبلية ويضيق مساحة الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنية الأساسية.

 

 

الخصخصة تفقد بريقها

 

أما برنامج الطروحات الحكومية، فتتوقع بيانات الصندوق ألا تتجاوز مساهمته في تمويل الاحتياجات الخارجية 400 مليون دولار خلال العام المالي 2026-2027، مقابل 3.5 مليار دولار خلال العام السابق، بانخفاض حاد يكشف تعثر المسار.

 

وفوق ذلك، لم تجمع الحكومة تحت البرنامج الحالي سوى 2.2 مليار دولار من بيع الأصول قبل تباطؤ العمليات بنهاية العام المالي 2023-2024، رغم تقديم الخصخصة باعتبارها بديلًا رئيسيًا للاقتراض وتوفير النقد الأجنبي.

 

وفي السياق نفسه، أعادت صفقة علم الروم البالغة 3.5 مليار دولار إيرادات البيع إلى الواجهة، لكنها كرست الاعتماد على الصفقات العقارية الكبرى بدل بناء تدفقات مستدامة قائمة على زيادة الصادرات وتحسين الإنتاجية وتوسيع الاستثمار الصناعي.

 

علاوة على ذلك، توقع الصندوق جمع 500 مليون دولار على الأقل بحلول يوليو وأغسطس 2026 عبر صفقات تشمل محطة جبل الزيت وشركة مصر لتأمينات الحياة، بالتوازي مع استهداف مليار دولار من الطروحات والامتيازات.

 

ووفق الخبير الاقتصادي هاني توفيق، قد يكون بيع الأصول لسداد المديونية العاجلة مقبولًا في الأجل القصير، لكنه لا يمثل حلًا دائمًا، لأن قوة الاقتصاد ترتبط بالإنتاج والتصدير والقدرة المتواصلة على الوفاء بالالتزامات.

 

وبناء على ذلك، يظل بيع الشركات الرابحة أو الأراضي المميزة لتغطية فجوات سنوية مسارًا محفوفًا بالمخاطر، إذ تحصل الدولة على حصيلة لمرة واحدة بينما تفقد أصلًا كان قادرًا على توليد إيرادات لسنوات طويلة.

 

وفي الوقت ذاته، يثير غياب الشفافية الكاملة عن تقييم الأصول وشروط البيع وهوية المشترين مخاوف تتعلق بإهدار المال العام، خصوصًا عندما تتم الصفقات تحت ضغط الاحتياج العاجل للدولار وضيق الوقت أمام الاستحقاقات الخارجية.

 

لهذا، لا يمكن قياس نجاح الطروحات بقيمة الحصيلة وحدها، بل يجب تقييم أثرها في المنافسة والتشغيل والاستثمار ونقل التكنولوجيا، مع ضمان عدم تحولها إلى تصفية صامتة لممتلكات عامة يصعب استردادها لاحقًا.

 

بالمثل، يكشف تراجع العائد المتوقع من الخصخصة أن الحكومة لم تنجح في تحويل برنامج الطروحات إلى سياسة اقتصادية مستقرة، فبقي مرهونًا بالصفقات الاستثنائية وظروف السوق وحاجة الخزانة المتزايدة إلى العملات الأجنبية.

 

 

المواطن يدفع كلفة العجز

 

أما الهيئة العامة للبترول، فأكد الصندوق استمرار ارتفاع مديونيتها وتأثير مصروفات الفوائد الضخمة في أدائها المالي، رغم رفع أسعار الوقود وسداد متأخرات شركات الاستخراج الأجنبية خلال يونيو الماضي لدعم مركزها المتعثر.

 

إضافة إلى ذلك، توضح أزمة الهيئة أن تحميل المواطنين زيادات الوقود لم يعالج الاختلالات الهيكلية، وإنما نقل جانبًا من الكلفة إلى الأسر وقطاعات الإنتاج والنقل، ثم انعكس في أسعار السلع والخدمات ومعدلات التضخم.

 

وعليه، جاءت زيادة أسعار الكهرباء بنحو 12 في المئة لتضيف ضغطًا جديدًا على الدخول المتآكلة، بينما تواصل الحكومة تنفيذ إجراءات يطلبها الصندوق دون توفير حماية كافية للفئات التي تتحمل النتائج الأقسى لهذه القرارات.

 

وفي قراءة أوسع، يرى الخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين أن انتهاء برنامج الصندوق لا يكفي وحده لإعلان نجاح الإصلاح، لأن المطلوب هو معالجة الاختلالات وتعزيز الاستثمار الخاص والإنتاج والتنافسية بعيدًا عن الحلول التمويلية المؤقتة.

 

كذلك، تكشف المراجعة قبل الأخيرة أن المؤسسة الدولية لا تزال ترصد غياب إصلاحات هيكلية أساسية، ما يعني أن سنوات التقشف والخصخصة ورفع الأسعار لم تحقق الوعود الحكومية بإنشاء اقتصاد أكثر صلابة واستقلالًا.

 

وعلى الرغم من ذلك، تكرر السلطة خطاب الاستقرار المالي بينما تتجاهل كلفته الاجتماعية، إذ يعني خفض الإنفاق أو زيادة الرسوم والأسعار مزيدًا من الضغوط على أسر تعاني أصلًا من تراجع القوة الشرائية.

 

في ضوء ذلك، لا تبدو المشكلة في حجم الفجوة وحده، وإنما في طريقة سدها، لأن القروض تضيف ديونًا وبيع الأصول يستنزف الممتلكات العامة وزيادات الطاقة تنقل الفاتورة مباشرة إلى المواطنين.

 

ومع اقتراب المراجعة الثامنة والأخيرة في نوفمبر، تواجه الحكومة اختبارًا حقيقيًا بين مواصلة إدارة الأزمة بالتدفقات الخارجية أو تبني مسار يوسع الإنتاج والصادرات ويعيد ترتيب الإنفاق ويوقف استنزاف موارد الدولة.

 

ختامًا، تثبت فجوة التمويل البالغة 9.7 مليار دولار أن أربع سنوات من برنامج الصندوق لم تفك اعتماد مصر على الدائنين، بينما تراجع الخصخصة وارتفاع كلفة الطاقة يتركان الاقتصاد والمواطن أمام فاتورة مؤجلة ومتضخمة.