أعاد الجدل حول أموال التأمينات الاجتماعية في مصر فتح واحد من أكثر الملفات المالية تعقيدًا بعد عقود من الاتهامات والتفسيرات المتناقضة، إذ يقول وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي إن الأموال لم تضِع وإن جانبًا منها حقق عوائد مرتفعة، بينما تؤكد وزيرة التأمينات السابقة ميرفت التلاوي أن جزءًا من الأموال استُخدم في تمويل مشروعات الدولة بعوائد لم تكن مناسبة، في وقت تعيد فيه تحذيرات برلمانية قديمة، من بينها ما أثاره الدكتور أيمن نور، طرح سؤال ظل حاضرًا لسنوات: ماذا حدث فعلًا لأموال أصحاب المعاشات، ومن كان مسؤولًا عن إدارتها وتوجيهها؟
غالي والتلاوي.. صراع الروايتين
عاد يوسف بطرس غالي إلى ملف أموال التأمينات في يوليو 2026 خلال حديث إعلامي تناول فيه اتهامات قديمة ارتبطت بفترة وجوده في الحكومة، رافضًا بصورة واضحة الرواية التي تقول إن أموال التأمينات ضاعت أو جرى التصرف فيها خارج البلاد، ومؤكدًا أن جزءًا من فوائض الصناديق خضع لعمليات استثمار من خلال شركات متخصصة في إدارة المحافظ المالية.
ووفق الرواية التي قدمها غالي، فإن هذه الاستثمارات حققت عوائد مرتفعة، وهو ما اعتبره دليلًا على أن الصورة الشائعة بشأن تبديد الأموال لا تعكس ما حدث فعليًا، وأن الحديث عن اختفاء أموال التأمينات يتجاهل وجود أصول واستثمارات وعوائد ارتبطت بهذه الأموال خلال فترات مختلفة.
غير أن هذه الرواية اصطدمت سريعًا بموقف مغاير قدمته ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات الاجتماعية السابقة، التي أكدت أن الخلاف لا يتوقف عند السؤال عما إذا كانت الأموال موجودة أم لا، وإنما يمتد إلى كيفية استخدامها والعائد الذي حصل عليه أصحابها مقابل توجيهها إلى الدولة ومشروعاتها.
وبحسب رؤية التلاوي، فإن جانبًا من أموال التأمينات تحول عمليًا إلى مصدر لتمويل مشروعات واحتياجات حكومية، بينما لم تحصل صناديق التأمينات على عوائد تعكس القيمة التي كان من الممكن تحقيقها لو جرى استثمار هذه الأموال في أدوات بديلة وبشروط أكثر ملاءمة لأصحاب المعاشات والمؤمن عليهم.
وهنا يتحول النقاش من الاتهام المباشر بضياع الأموال إلى قضية أكثر تعقيدًا تتعلق بإدارة المدخرات العامة، فبقاء الأموال من الناحية المحاسبية لا يعني بالضرورة أن إدارتها كانت مثالية، كما أن تحقيق عائد لا يحسم وحده ما إذا كان هذا العائد عادلًا أو مناسبًا مقارنة بالفرص الاستثمارية المتاحة في ذلك الوقت.
كما يفتح الخلاف بين الوزيرين السابقين بابًا لسؤال آخر يتعلق بصاحب القرار الحقيقي، فإدارة فوائض التأمينات لم تكن شأنًا فرديًا يخص وزيرًا واحدًا، بل ارتبطت على مدار عقود بسياسات حكومية وتشريعات ومؤسسات متعددة، من بينها وزارة المالية وبنك الاستثمار القومي والهيئات المسؤولة عن التأمينات الاجتماعية.
تحذيرات مبكرة وأرقام لاحقة
تعود زاوية ثالثة من القضية إلى سنوات سابقة على الجدل الحالي، عندما أثار الدكتور أيمن نور خلال وجوده في مجلس الشعب ملفات تتعلق بالدين العام وأموال التأمينات واستخدامها داخل المنظومة المالية للدولة، محذرًا من حجم التشابكات التي تنمو بين الصناديق والجهات الحكومية.
ولا تمثل هذه التحذيرات في حد ذاتها دليلًا نهائيًا على صحة أي رواية من الروايات المتنافسة، لكنها تكتسب أهميتها من كونها سبقت ظهور أرقام ضخمة لاحقًا أظهرت أن العلاقة بين صناديق التأمينات وبنك الاستثمار القومي والخزانة العامة لم تكن محدودة أو هامشية.
فقد أظهرت البيانات وصول مستحقات صندوقي التأمين والمعاشات لدى بنك الاستثمار القومي إلى نحو 241.4 مليار جنيه في عام 2006، وهو رقم يكشف حجم الأموال التي دخلت في شبكة من العلاقات المالية بين الصناديق والدولة ومؤسساتها الاستثمارية.
ومع مرور السنوات، ازدادت هذه التشابكات بصورة كبيرة، إلى أن جاءت تسوية عام 2019 للتعامل مع التزامات ومستحقات قُدرت بنحو 898.7 مليار جنيه، في إطار محاولة لإعادة تنظيم العلاقة المالية بين الخزانة العامة والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
هذه الأرقام تجعل من الصعب التعامل مع القضية باعتبارها مجرد خلاف إعلامي بين مسؤولين سابقين، إذ إن وجود مئات المليارات من المستحقات والالتزامات يؤكد أن هناك مشكلة مالية ومحاسبية تراكمت عبر سنوات طويلة، واستدعت تدخلًا تشريعيًا وتسوية ممتدة الأجل.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تقدم بمفردها حكمًا نهائيًا على المسؤوليات، فهي تثبت وجود تشابكات ضخمة لكنها لا تحدد وحدها ما إذا كانت القرارات التي أدت إليها قانونية أو اقتصادية أو عادلة، كما لا تسمح بإسناد المسؤولية إلى شخص واحد دون دراسة كل مرحلة زمنية على حدة.
من استفاد من أموال التأمينات؟
يتركز جوهر القضية في السؤال عن طبيعة أموال التأمينات نفسها، فهي ليست إيرادات ضريبية تدخل إلى الخزانة دون التزام مباشر تجاه أصحابها، وإنما مدخرات يدفعها العاملون وأصحاب الأعمال على مدار سنوات مقابل الحصول على معاشات وحقوق تأمينية مستقبلية.
ومن هنا تصبح طريقة استثمار هذه الأموال عنصرًا أساسيًا في تقييم ما جرى، لأن الهدف المفترض ليس مجرد الحفاظ على قيمتها الاسمية، بل تنميتها بما يضمن قدرة الصناديق على الوفاء بالتزاماتها وتحقيق أفضل عائد ممكن ضمن مستويات مقبولة من المخاطر.
إذا كانت الدولة قد استخدمت فوائض التأمينات في تمويل مشروعات أو احتياجات عامة، فإن السؤال يصبح متعلقًا بالسعر الذي دفعت مقابله، أي حجم الفائدة أو العائد الذي حصلت عليه الصناديق مقارنة بالسوق وبمعدلات التضخم والفرص الاستثمارية البديلة.
وفي المقابل، إذا كانت بعض الأموال استُثمرت بالفعل من خلال محافظ وشركات متخصصة وحققت عوائد مرتفعة، كما يقول يوسف بطرس غالي، فإن المطلوب هو تحديد حجم هذه الأموال ونسبتها من إجمالي الفوائض والعائد الحقيقي المحقق عليها، وليس الاكتفاء بوصف عام.
كما يجب التمييز بين الأموال التي أُديرت استثماريًا بصورة مباشرة وبين الأموال التي أصبحت مديونية على جهات حكومية أو بنك الاستثمار القومي، لأن الخلط بين المسارين أدى لسنوات إلى سجال واسع استخدمت فيه تعبيرات مثل الضياع والاستيلاء دون فصل واضح بين المفاهيم المحاسبية المختلفة.
الوثائق وحدها تحسم الملف
لا يمكن في النهاية حسم قضية بهذا الحجم من خلال شهادات المسؤولين السابقين وحدها، مهما كانت مواقعهم أو قربهم من دوائر اتخاذ القرار، لأن كل شهادة تقدم رؤية من زاوية معينة وقد تعكس جزءًا من الحقيقة دون أن تقدم الصورة الكاملة.
ويحتاج الوصول إلى نتيجة موثقة إلى مراجعة حسابات صناديق التأمينات عامًا بعد عام، وتحديد الأموال التي أودعت لدى بنك الاستثمار القومي، والعوائد التي احتسبت عليها، والفارق بينها وبين معدلات السوق، إضافة إلى متابعة القرارات الحكومية التي نظمت الاستثمار والتحويل بين الجهات.
كما تتطلب القضية مراجعة تطور حجم الدين العام ودور أموال التأمينات في تمويله، إلى جانب تحليل تسوية 2019 وما إذا كانت قد عالجت أصل المشكلة أو أعادت توزيع الالتزامات على فترة زمنية طويلة دون كشف كامل لتكلفة القرارات السابقة.
والفصل بين الحقائق والتفسيرات يظل ضروريًا، فثبوت استخدام أموال التأمينات في تمويل الدولة لا يعني تلقائيًا أنها ضاعت، كما أن عدم ضياعها لا يعني أن إدارتها حققت أفضل مصلحة مالية لأصحابها.
ويبقى الملف مفتوحًا بين رواية تقول إن الأموال استُثمرت ولم تتعرض للتبديد، وأخرى ترى أن الدولة استفادت منها بعوائد أقل مما تستحقه الصناديق، بينما تشير الأرقام إلى حقيقة واحدة يصعب إنكارها وهي أن أموال التأمينات دخلت في تشابكات مالية ضخمة امتدت لعقود.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أكثر دقة من عبارة أين ذهبت الأموال، فهو يتعلق بكيفية استخدامها، والعائد الذي تحقق منها، ومن اتخذ قرارات إدارتها، وما إذا كان أصحابها حصلوا على القيمة التي كان يمكن أن توفرها لهم مدخراتهم عبر عشرات السنوات.

