كشفت بيانات محافظة الإسكندرية تخصيص 5 شواطئ مجانية لخدمة ملايين المواطنين في المدينة التي تعاني إشغالات الكورنيش وتراجع النظافة بينما تتدفق الاستثمارات والخدمات إلى منتجعات الساحل الشمالي لتتسع الفجوة بين مصيفين على بحر واحد.

 

وتفضح المقارنة منظومة تمنح الأثرياء شواطئ نظيفة وفعاليات فاخرة خلف الأسوار بينما تترك محدودي ومتوسطي الدخل يطاردون مكانًا مجانيًا ورؤية غير محجوبة للبحر وكأن حق الاستجمام أصبح امتيازًا تحدده الثروة لا المواطنة.

 

بحر واحد لعالمين

 

حين يطالب الإعلام بإزالة إشغالات كورنيش الإسكندرية وتحسين النظافة والقضاء على النباشين فإنه لا يناقش مشكلات مدينة عادية بل يدافع عن الوجهة الصيفية الأبرز لملايين الأسر التي أخرجتها أسعار المصايف الأخرى من حساباتها.

 

كما تعكس المطالب بساطتها المؤلمة لأن سكان الإسكندرية وزوارها لا يطالبون بمنتجعات فاخرة بل بكورنيش مفتوح وشاطئ نظيف ودورات مياه صالحة وممرات آمنة ومشهد بحري لا تستولي عليه الكافيتيريات والمنشآت التجارية.

 

في المقابل تقدم منتجعات الساحل الشمالي نموذجًا مختلفًا بالكامل حيث تتوافر الشواطئ النظيفة والحراسة والصيانة والحفلات والخدمات المتكاملة لمن يستطيع شراء وحدة أو دفع إيجار مرتفع وتذكرة قد تعادل دخل أسرة شهريًا.

 

غير أن الفارق لا يتوقف عند مستوى الرفاهية بل يمتد إلى توزيع الاهتمام والاستثمار إذ تستقبل مناطق الأغنياء المشروعات والفعاليات سريعًا بينما تظل الإسكندرية أسيرة مطالب سنوية بإزالة القمامة والإشغالات وتحسين الخدمات الأساسية.

 

ويرى أستاذ علم الاجتماع عمرو علي الذي تناول فقدان شواطئ الإسكندرية ومساحاتها العامة أن الشاطئ ليس مرفقًا سياحيًا فقط بل فضاء اجتماعي تتشكل داخله علاقة السكان بمدينتهم وذاكرتهم وهويتهم الساحلية.

 

وبناء على هذا الطرح يصبح إغلاق الشاطئ أو حجب رؤيته عملية إقصاء اجتماعي لأن الأسر محدودة الدخل لا تملك بدائل خاصة ويظل البحر متنفسها الأقل كلفة في ظل تراجع الحدائق والمساحات العامة المجانية.

 

ومن ثم تكشف أزمة الكورنيش صراعًا على طبيعة المدينة نفسها بين إسكندرية مفتوحة لأهلها وزوارها وأخرى تتحول مساحاتها البحرية تدريجيًا إلى مواقع تجارية تمنح الأفضلية لمن يدفع وتحرم المارة من حق الرؤية.

 

شواطئ حسب القدرة المالية

 

وتقسم محافظة الإسكندرية شواطئها إلى فئات تضم 5 شواطئ مجانية وأخرى بأسعار رمزية أو أعلى بهدف استيعاب شرائح مختلفة لكن التقسيم يترجم عمليًا تفاوت الخدمات وإمكانية الوصول وفق القدرة المالية للمصطاف.

 

وبالموازاة يمثل مصيف بلطيم بديلًا منخفض التكلفة للعائلات محدودة ومتوسطة الدخل بفضل الإقامة الأرخص والخدمات الشعبية وهو ما يكشف حاجة ملايين المصريين إلى سياحة داخلية تحترم دخولهم ولا تستنزف مدخراتهم.

 

على الجانب الآخر تحولت مساحات واسعة من الساحل الشمالي إلى سوق عقارية مغلقة تتحدد فيها فرصة الوصول إلى البحر بامتلاك وحدة أو استئجارها بينما يغيب المصطاف غير القادر خلف بوابات القرى والحواجز الأمنية.

 

ويشير الباحث والمصمم العمراني أحمد زعزع في تناوله للساحل الشمالي إلى أن المنطقة نمت عبر مشروعات متفرقة ومنتجعات موسمية أكثر من تطورها كمدن متكاملة وهو نموذج يعمق العزلة ويضعف إتاحة الشاطئ العام.

 

وانطلاقًا من رؤيته لا تبدو الفجوة نتيجة طبيعية لاختلاف الدخول فقط بل ثمرة تخطيط يربط جودة الخدمات بملكية العقار ويترك الشواطئ العامة محدودة أمام غالبية لا تستطيع دخول المجتمعات الساحلية المسورة.

 

وفوق ذلك تتركز الفعاليات الفنية والترفيهية والإعلانات السياحية في المناطق المغلقة بينما يظل المصيف الشعبي حاضرًا في الأخبار عبر شكاوى القمامة والنباشين والإشغالات بما يعكس انقسامًا حتى في الصورة المقدمة للجمهور.

 

وبالتالي تصبح الإسكندرية مطالبة بأداء دور اجتماعي ضخم دون نصيب مواز من الإنفاق والخدمات إذ تستقبل ملايين الزوار الباحثين عن بديل اقتصادي بينما تتحمل مرافقها وشوارعها وشواطئها ضغطًا يتجدد كل صيف.

 

أما تبرير الفصل باعتباره حق كل شخص في العيش وسط طبقته فيتجاهل أن البحر مورد طبيعي وأن تحويل سواحله إلى جزر مغلقة يحرم قطاعات واسعة من حق لا ينبغي ربطه بامتلاك العقارات.

 

تنمية تنحاز للمواطنين

 

وتفاعل المواطنون بقوة مع إزالة كافيتيريا ابن البحر لأن القرار فتح مساحة كانت محجوبة وأعاد جزءًا من المشهد العام وهو ما أثبت أن الشارع يدعم الإجراءات الحكومية عندما تسترد حقًا عامًا بدل انتزاعه.

 

إضافة إلى ذلك يكشف الاحتفاء بإزالة منشأة واحدة حجم الطلب المؤجل على العدالة العمرانية لأن رؤية البحر صارت مكسبًا استثنائيًا رغم أن الأصل بقاء الكورنيش مفتوحًا بلا حواجز تحوله إلى واجهات تجارية خاصة.

 

وتوضح الباحثة العمرانية أمنية خليل في دراساتها عن المدينة أن التطوير العادل يرتبط بمشاركة السكان وعدم إقصاء أصحاب الأنشطة القائمة لأن تجميل المكان يفقد معناه عندما يستبدل مستخدميه الأصليين بفئات أكثر ثراء.

 

وعليه يجب ألا تتحول إزالة الإشغالات إلى مطاردة انتقائية للباعة والفقراء مع حماية المنشآت الكبرى بل ينبغي تطبيق معيار موحد يضمن فتح الرؤية وحركة المشاة وتنظيم الأنشطة دون تجريد العاملين البسطاء من أرزاقهم.

 

كذلك لا تنحصر أزمة الإسكندرية في السياحة الصيفية إذ تعاني المدينة الزحام ونقص المحاور العرضية وضعف التوسع المنظم غربًا وقلة فرص العمل وتراجع النشاط الثقافي بما يحول المشكلة إلى أزمة تنمية ممتدة.

 

وفي السياق نفسه تشمل المطالب إنشاء مناطق صناعية جديدة وتوفير وظائف حقيقية وإحياء المسارح والفنون وتحسين النقل بما يسمح للإسكندرية باستعادة دورها كمدينة منتجة طوال العام لا مجرد مصيف شعبي مزدحم صيفًا.

 

وعوضًا عن توجيه أغلب الاستثمارات الساحلية إلى مجتمعات مسورة تستطيع الحكومة إنشاء شواطئ عامة مجهزة في الساحل الشمالي وربطها بوسائل نقل وإقامة اقتصادية تمنح الأسر العادية نصيبًا عادلًا من البحر والخدمات.

 

كما ينبغي أن تنشر محافظة الإسكندرية خريطة الشواطئ ورسوم الدخول ومستويات الخدمة وعقود المنشآت المقامة على الكورنيش مع تحديد مدد استغلالها وشروط إزالتها حتى يعرف المواطن من يشغل المساحة العامة وبأي مقابل.

 

وبالتزامن يتطلب تحسين السياحة الشعبية موازنة دائمة للنظافة والصيانة والإنقاذ ودورات المياه والإنارة بدل الحملات المؤقتة لأن الخدمة العامة لا يجوز أن تتحسن بعد ضجة إعلامية ثم تتراجع بانتهاء الموسم الصيفي.

 

وفي نهاية المطاف لا تختصر الفجوة بين الإسكندرية والساحل الشمالي اختلاف أسعار المصايف بل تكشف بلدًا يوزع جودة البحر وفق القدرة المالية ويترك أغلبية مواطنيه تتنافس على مساحات محدودة وخدمات متدهورة.

 

وختامًا لن تحل الأزمة بإزالة كافيتيريا أو افتتاح شاطئ مجاني إضافي وحده بل بخطة تعترف بالسياحة الشعبية حقًا اجتماعيًا وتحمي الشواطئ العامة وتعيد توزيع الاستثمار والخدمات بين المنتجعات المغلقة والمدن التي يقصدها الملايين.