قدّم النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، سؤالين إلى الحكومة داخل مجلس النواب، بشأن تأسيس صندوق للمصانع المتعثرة وشركة لجامعة السويس، محذرًا من توسع ملكية الدولة ومزاحمة المستثمرين.
وتكشف الواقعة تناقضًا صارخًا بين وعود الحكومة بتقليص حضورها الاقتصادي وبين قرارات تعيدها مالكًا ومنافسًا، فيما يدفع أصحاب المشروعات والعاملون ثمن سوق لا تتساوى فيها الفرص ولا تخضع السلطة فيها للمساءلة.
صندوق بلا حدود
وبحسب القرار الحكومي، سُمح للهيئة العامة للتنمية الصناعية بتأسيس صندوق استثمار في صورة شركة مساهمة مصرية، استنادًا إلى توصية وحدة الشركات المملوكة للدولة، لتمويل وإعادة هيكلة مصانع خاصة متعثرة مصرية.
وفي التفاصيل، يستهدف الصندوق شراء أسهم أو حصص في شركات تعمل بالصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية والمنسوجات والملابس الجاهزة والدوائية والإنشائية، ما ينقل التدخل من الدعم المؤقت إلى الملكية المباشرة الجديدة.
غير أن الحكومة لم تعلن حجم رأس مال الصندوق أو مصادر تمويله أو هيكل مساهميه، كما لم تحدد السقف الأقصى لتعريض المال العام لخسائر منشآت تعاني أصلًا أزمات مالية وتشغيلية.
ومن ناحية أخرى، يطالب فؤاد بتعريف منضبط للمصنع المتعثر، لأن غياب المعايير المالية والفنية والتشغيلية يترك اختيار المستفيدين خاضعًا لتقديرات إدارية واسعة، قد تمنح الدعم لكيانات وتحجبه عن أخرى دون تفسير.
وفي هذا الإطار، وصف أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة مدحت نافع الإصدار الثاني من وثيقة ملكية الدولة بأنه تراجع عن الإصدار الأول، منتقدًا غياب الوضوح بشأن مسارات وجود الحكومة في الأنشطة الاقتصادية.
ووفقًا لنافع، خلطت الوثيقة بين رفع كفاءة الاقتصاد وتوفير حصيلة مالية للموازنة، وهو خلط قد يحول التخارج إلى أداة لجمع السيولة، بدل أن يكون برنامجًا لإعادة هيكلة السوق وتقليل الهيمنة الحكومية.
وبناءً على ذلك، يصبح إنشاء الصندوق اختبارًا مبكرًا لصدقية الوثيقة الجديدة، إذ لا يمكن إعلان الملكية العامة استثناء ثم تأسيس ذراع يشتري حصصًا خاصة في سبعة قطاعات تنافسية واسعة جديدة.
وفوق ذلك، لم تقدم الحكومة دراسة تقارن التملك المباشر ببدائل مثل التمويل المصرفي أو الإدارة المؤقتة أو دخول مستثمر استراتيجي، بما يوحي بأن خيار توسيع الملكية سبق فحص الحلول الأقل كلفة.
جامعة تنافس السوق
أما السؤال الثاني، فيتعلق بترخيص مجلس الوزراء لجامعة السويس بتأسيس شركة مساهمة مصرية تحمل اسم جامعة السويس للخدمات المتكاملة، بما يضيف كيانًا عامًا جديدًا إلى سوق تعمل فيها شركات خاصة قائمة.
وفي المقابل، تشمل أغراض الشركة الاستشارات الهندسية والمالية والتجارية وإنتاج البرامج والتدريب وحاضنات الأعمال، وهي خدمات تجارية لا ترتبط حصرًا بالتدريس أو البحث، وتوفرها مؤسسات خاصة تدفع الضرائب وتتحمل مخاطر السوق.
كذلك سأل فؤاد عما إذا كانت الجامعة حصلت على الموافقة الكتابية المسبقة من وحدة الشركات المملوكة للدولة، وعن الأسس الاقتصادية والفنية التي بررت السماح لشخص اعتباري عام بدخول تلك الأسواق.
وعلى صعيد المنافسة، حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق في تصريحات سابقة من أن مزاحمة الدولة للقطاع الخاص تمثل عائقًا رئيسيًا أمام الاستثمار، مؤكدًا أن دورها ينبغي أن يكون التنظيم والرقابة لا المنافسة.
وبموجب هذا المعيار، تتمتع الشركة الجامعية المحتملة باسم مؤسسة عامة وأصول وخبرات ممولة من الخزانة، بينما ينافسها مستثمرون يتحملون تكلفة رأس المال والضرائب والتراخيص، ما يثير شبهة غياب الحياد التنافسي.
فضلًا عن ذلك، لم يُعلن رأس مال الشركة أو نسبة مساهمة الجامعة أو قواعد تسعير خدماتها أو كيفية استخدام مرافق الجامعة وخبرات أساتذتها، وهي معلومات لازمة لمعرفة ما إذا كانت المنافسة عادلة.
ومع أن تحويل البحوث إلى تطبيقات ودعم الشركات الناشئة هدف مشروع، فإن جمعه مع الاستشارات المالية والتجارية والهندسية داخل شركة حكومية يوسع النشاط بعيدًا عن فجوة بحثية محددة إلى سوق مكتظة بالفعل.
لهذا السبب، لا يتعلق الاعتراض بحرمان الجامعة من استثمار المعرفة، بل بمنع استخدام غطاء أكاديمي لتأسيس منافس عام شامل، يستطيع التوسع بامتيازات لا تحصل عليها الشركات الصغيرة التي تزعم الدولة تمكينها.
وثيقة تنقضها القرارات
في المقابل، تعلن وثيقة ملكية الدولة للفترة 2026-2030 أن القطاع الخاص محرك رئيسي للنمو، وأن الملكية العامة ينبغي أن تقتصر على الأصول والأنشطة الاستراتيجية أو السيادية عند توافر مبرر واضح.
ومع ذلك، يوسع القراران الحدود عمليًا، فالصندوق يدخل سبعة قطاعات صناعية عبر الملكية، والشركة الجامعية تدخل خمس مجموعات خدمية على الأقل، دون نشر اختبارات تثبت الضرورة أو غياب البديل الخاص.
وفي تقييم سابق، قال نائب رئيس الوزراء الأسبق زياد بهاء الدين إن القليل فقط من وثيقة ملكية الدولة السابقة طُبق، ودعا إلى صياغة علاقة واضحة تطمئن القطاع الخاص وتحدد موقع الحكومة.
ومن ثم، تمنح ملاحظات بهاء الدين سؤال فؤاد بعدًا يتجاوز القرارين، لأن المشكلة ليست نقص الوثائق، بل قدرة الجهاز التنفيذي على الالتزام بقيودها حين تظهر أمامه فرصة لتأسيس شركة أو صندوق.
علاوة على ذلك، لم تحدد الحكومة للصندوق مدة بقاء في الشركات المتعثرة أو جدولًا ملزمًا للتخارج، ما يسمح بتحول الإنقاذ المؤقت إلى ملكية دائمة تتراكم بعيدًا عن الرقابة البرلمانية الفعلية.
وفي السياق ذاته، يظل مصير العاملين والموردين مرتبطًا بنجاح إعادة الهيكلة، لكن حماية الوظائف لا تبرر ضخ أموال عامة بلا معايير، لأن الفشل سيحمّل المواطنين الخسائر بينما يحتفظ الملاك بمكاسب الإنقاذ.
وبالتوازي، تثير شركة الجامعة سؤالًا عن الموارد البشرية العامة، إذ قد ينتقل وقت الأساتذة والمعامل والمنشآت إلى خدمة تعاقدات تجارية، على حساب الطلاب والبحث العلمي ما لم توجد قواعد فصل ومحاسبة صارمة.
لذلك، تتطلب المساءلة نشر دراسات الجدوى ورؤوس الأموال ومصادر التمويل ومعايير الاختيار ومدد التخارج وقواعد المنافسة، مع إخضاع الكيانين لرقابة البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات وجهاز حماية المنافسة المباشرة منذ البداية.
وأخيرًا، تكشف الخطوتان أن الحكومة لا تنسحب بقدر ما تبدل أدوات حضورها، من شركة مملوكة مباشرة إلى صندوق مساهم وشركة جامعية، لتبقى الدولة حكمًا ولاعبًا بينما ينتظر القطاع الخاص وعودًا تتراجع عند التنفيذ.

