شهد جنوب لبنان، فجر اليوم الأربعاء، موجة جديدة من التصعيد العسكري الإسرائيلي، بعدما شنّ الطيران الحربي سلسلة غارات على مناطق متفرقة في محافظتي النبطية والجنوب، بالتزامن مع عمليات تفجير وقصف مدفعي وإطلاق قنابل مضيئة فوق عدد من البلدات الحدودية، في مشهد يعيد المخاوف من اتساع دائرة المواجهة وانهيار التفاهمات الهشة التي خفّضت وتيرة القتال خلال الأسابيع الماضية.

 

واستهدفت الغارات الإسرائيلية مرتفع علي الطاهر عند أطراف بلدة النبطية الفوقا، إضافة إلى دوحة كفررمان وأطراف بلدة دير سريان، فيما نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير داخل عدد من بلدات الجنوب، وسط استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق لبنانية احتلتها القوات خلال الحرب التي اندلعت في مارس الماضي.

 

ويأتي التصعيد الجديد بعد أيام من غارات إسرائيلية دامية شهدها جنوب لبنان، إذ أفادت تقارير دولية بمقتل 11 شخصًا على الأقل في غارات يوم 15 أغسطس، في واحدة من أعنف موجات القصف منذ بدء الهدنة الأخيرة في يونيو، ما عكس هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة واستمرار إمكانية الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

 

 

قصف النبطية وتفجيرات ليلية في بلدات الجنوب

 

بدأ التصعيد الإسرائيلي بعد منتصف الليل واستمر حتى ساعات الفجر، حيث نفذ الطيران الحربي غارات متتالية على مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا، وهي منطقة شهدت خلال الأشهر الماضية مواجهات وقصفًا متكررًا، إلى جانب استهداف دوحة كفررمان وأطراف دير سريان.

 

وبالتوازي مع الغارات الجوية، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير في بلدتي حداثا والمنصوري، فيما تعرضت بلدة مجدل زون والأودية المحيطة بها لقصف بعدد من القذائف، بحسب ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية.

 

كما ألقت القوات الإسرائيلية قنابل مضيئة فوق منطقتي صور وبنت جبيل، في إطار النشاط العسكري الليلي المستمر على امتداد مناطق جنوب لبنان.

 

وتشير طبيعة العمليات، التي جمعت بين القصف الجوي والتفجيرات الميدانية والقصف المدفعي والقنابل المضيئة، إلى استمرار حالة الاستنفار العسكري الإسرائيلي في الجنوب، رغم تراجع حدة المعارك مقارنة بالأشهر الأولى من الحرب.

 

ولا تزال مسألة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تحتلها القوات في جنوب لبنان واحدة من أبرز نقاط الخلاف. وفي 13 أغسطس، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن الانسحاب مرتبط بنزع سلاح حزب الله، في حين تعتبر الولايات المتحدة أن استمرار الوجود الإسرائيلي يجب أن يخضع للاتفاق المتعلق بالانسحاب وتسليم المناطق إلى الجيش اللبناني.

 

 

حرب بدأت في مارس وهدن لم توقف المواجهات

 

وتعود الجولة الحالية من الحرب إلى 2 مارس 2026، حين أطلق حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، في أعقاب الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، لترد إسرائيل بحملة جوية وعسكرية واسعة داخل الأراضي اللبنانية.

 

ومنذ ذلك الحين، تعرضت مناطق واسعة من جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت لغارات متواصلة، إلى جانب عمليات برية في المناطق الحدودية، بينما نفذ حزب الله هجمات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع إسرائيلية.

 

وفي 16 أبريل، توصلت الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية إلى اتفاق أولي لوقف الأعمال القتالية، لكن القتال واسع النطاق لم يتوقف بصورة كاملة، واستمرت الخروقات والتصعيد حتى يونيو. وتشير مراجعة لمكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن الطرفين توصلا إلى الاتفاق الأول في 16 أبريل، إلا أن المواجهات عالية الكثافة استمرت عمليًا حتى 20 يونيو.

 

وأعلن عن هدنة جديدة في 20 يونيو، ساهمت في خفض مستوى العمليات، لكنها لم تنه الغارات الإسرائيلية أو المواجهات بصورة نهائية. وفي اليوم نفسه الذي بدأت فيه الهدنة الجديدة، أفادت تقارير بمقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا في ضربات إسرائيلية داخل لبنان، في مؤشر مبكر على هشاشة وقف إطلاق النار.

 

 

وقف إطلاق نار هش ومخاوف من عودة الحرب الواسعة

 

ورغم انخفاض وتيرة القصف منذ أواخر يونيو، لم يتحول وقف إطلاق النار إلى حالة استقرار حقيقية على الأرض، إذ استمرت الغارات والعمليات العسكرية المتبادلة والاتهامات بخرق التهدئة.

 

وتصاعدت المخاوف مجددًا خلال أغسطس، خاصة بعد الغارات التي أوقعت 11 قتيلًا في جنوب لبنان يوم 15 أغسطس، ووصفت بأنها من أكثر الهجمات دموية منذ بدء الهدنة في يونيو.

 

وتكشف غارات فجر الأربعاء أن الجنوب اللبناني لا يزال بعيدًا عن الاستقرار، وأن خطوط التماس العسكرية ما زالت مفتوحة رغم الاتفاقات السياسية ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار.

 

وبينما تتمسك إسرائيل باستمرار عملياتها العسكرية وربط انسحابها بملف سلاح حزب الله، يطالب لبنان بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، لتظل المنطقة أمام معادلة شديدة الهشاشة: هدنة قائمة على الورق، مقابل غارات وتفجيرات متواصلة على الأرض، مع احتمال أن يؤدي أي تصعيد كبير جديد إلى إعادة جنوب لبنان مجددًا إلى دائرة الحرب المفتوحة.