استغاث أهالي قرية كفر أبو حطب بالغربية من تعطل تحويلة بترعة شرشيمة، بعدما أدى الانسداد إلى توقف مياه الري واضطرار مزارعين لاستخدام مياه الصرف، بما يهدد الأراضي الزراعية والمحاصيل وصحة السكان في المنطقة.

 

ويكشف استمرار الأزمة، رغم وضوح آثارها، فجوة قاسية بين الخطاب الرسمي عن حماية الرقعة الزراعية وبين واقع يترك المزارعين أمام خيارين أحلاهما مر، إما خسارة المحصول أو استخدام مياه قد تحمل مخاطر صحية وبيئية واسعة.

 

وبحسب روايات الأهالي، فإن المشكلة بدأت مع انسداد التحويلة التي تنقل مياه الترعة إلى مساحات زراعية يعتمد أصحابها عليها بصورة مباشرة، قبل أن يتحول نقص المياه من عطل فني محدود إلى أزمة تهدد دورة الزراعة اليومية.

 

وفي المقابل، يقول أصحاب الشكوى إنهم حاولوا الوصول إلى مسؤولين مختصين لشرح الموقف وطلب تدخل عاجل، لكن أحد الردود التي تلقوها، بحسب روايتهم، جاء مستفزا وعكس غياب الإحساس بحجم الخطر المتصاعد.

 

ومن ناحية أخرى، لا تتوقف تداعيات الانسداد عند حدود نقص مياه الري، لأن اللجوء إلى مياه الصرف يفتح الباب أمام احتمالات تلوث التربة وتراكم الملوثات في المزروعات وانتقالها لاحقا إلى المستهلكين عبر الغذاء.

 

كما أن الأزمة تضرب المزارع في مصدر دخله مباشرة، إذ يصبح مطالبا بالحفاظ على محصوله من الجفاف في ظل غياب البديل الآمن، بينما يتحمل وحده مخاطر القرار وتكلفة التلف المحتمل من دون ضمان تدخل سريع.

 

وفوق ذلك، يثير تأخر تطهير التحويلة تساؤلات بشأن كفاءة المتابعة المحلية لشبكات الري، خصوصا أن انسداد مجرى واحد يمكن أن يحرم مساحات واسعة من المياه، ويحول عطلا قابلا للإصلاح إلى أزمة عامة ممتدة.

 

وبالتالي، فإن استمرار الوضع يضع الجهات التنفيذية أمام مسؤولية واضحة، لأن حماية الأراضي الزراعية لا تقتصر على إصدار خطط ومشروعات كبرى، بل تبدأ من صيانة الترع والتحويلات وضمان وصول المياه للمزارعين في المواعيد اللازمة.

 

ويؤكد الأهالي أن الخطر لا يتعلق بمحصول موسم واحد فقط، بل بإمكانية تدهور خصوبة التربة إذا استمر استخدام مياه غير مناسبة، وهو ما قد يرفع تكاليف الزراعة مستقبلا ويقلص العائد الاقتصادي للأسر المعتمدة عليها.

 

 

انسداد يكشف أزمة الصيانة

 

وبالاستناد إلى خبرته في هندسة الري والصرف، يؤكد محمد نصر الدين علام أهمية الإدارة المنتظمة للمجاري المائية ورفع كفاءة شبكات الري، وهي رؤية تجعل سرعة إزالة الانسداد ضرورة تشغيلية وليست استجابة مؤقتة للشكوى فقط.

 

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الأزمة تبدأ فنيا بتطهير التحويلة وفحص مسار المياه قبلها وبعدها، ثم تحديد سبب الانسداد، سواء كان تراكم مخلفات أو قصورا في الصيانة، لمنع تكرار المشكلة بعد أيام من الإصلاح.

 

كذلك، يحتاج الأمر إلى جدول متابعة معلن للمناسيب والتصرفات داخل الترعة، لأن المزارع لا ينبغي أن يكتشف انقطاع المياه بعد تعرض أرضه للعطش، بل يجب أن تتدخل الإدارات المختصة قبل تحول الخلل إلى خسائر.

 

وفي السياق نفسه، يطالب الأهالي بإعادة ضخ مياه الري الطبيعية فورا، معتبرين أن أي تأخير إضافي يعني اتساع دائرة المضطرين لاستخدام مصادر غير آمنة، وهو ما ينقل الضرر من الحقل إلى السوق ثم إلى المستهلك.

 

 

الصرف يهدد المحاصيل

 

وعلى صعيد الزراعة، يحذر نادر نور الدين في مداخلاته المتخصصة من التعامل مع إعادة استخدام مياه الصرف باعتبارها بديلا بسيطا، إذ ترتبط صلاحيتها بنوعية المياه ودرجة المعالجة والمحاصيل المستهدفة والضوابط الفنية اللازمة.

 

ومن ثم، فإن استخدام مياه الصرف دون تحقق من المعالجة أو الجودة يمثل مخاطرة لا يمكن تحميلها للمزارع وحده، لأن قرار الري يرتبط بسلامة الغذاء، ويتطلب رقابة مؤسسية واختبارات تضمن عدم انتقال الملوثات إلى المحاصيل.

 

إضافة إلى ذلك، قد تواجه المحاصيل المروية بمياه رديئة مشكلات في النمو والإنتاجية، فضلا عن تراكم عناصر ضارة في التربة، ما يجعل الحل الحقيقي هو إعادة مورد الري الآمن بدلا من تكريس البدائل الاضطرارية.

 

وبموازاة ذلك، فإن أي حديث رسمي عن تعظيم الإنتاج الزراعي يفقد جزءا من معناه عندما يعجز مزارعون عن الحصول على مياه الري بسبب انسداد محلي، خصوصا إذا استمرت الشكوى من دون جدول زمني واضح للإصلاح.

 

ولهذا، فإن الأزمة تحتاج إلى تحرك مشترك من إدارة الري والوحدة المحلية والجهات الزراعية، ليس فقط لفتح التحويلة، وإنما لمعاينة الأراضي التي رويت بالصرف وتقييم المحاصيل المتأثرة واتخاذ إجراءات وقائية قبل تداولها.

 

وعلاوة على ذلك، يطالب الأهالي بإجراء تحقيق إداري في أسباب تأخر التعامل مع الشكوى، مؤكدين أن الردود المستفزة لا تحل أزمة المياه، بل تضاعف شعور المواطنين بأن معاناتهم لا تجد من يتحمل مسؤوليتها.

 

 

مخاطر تمتد إلى الغذاء

 

وفي الجانب البيئي، أوضح خالد القاضي في حديث سابق عن استخدام مياه الصرف زراعيا أن الاستفادة منها ترتبط بمعالجتها بالشكل الصحيح، وهو ما يضع خطا فاصلا بين إعادة الاستخدام المنضبط والري بمياه ملوثة.

 

وبناء على ذلك، فإن أخطر ما في واقعة كفر أبو حطب هو تحول الاضطرار إلى ممارسة متكررة إذا استمر انقطاع المياه، لأن تكرار الري بالصرف قد يوسع نطاق التلوث ويجعل معالجته لاحقا أكثر صعوبة وكلفة.

 

أما صحيا، فإن الخطر لا ينتهي عند حدود الحقل، فالمحاصيل الملوثة قد تصل إلى أسواق لا يعرف المستهلكون مصدر مياه ريها، بما يخلق حلقة خفية من التعرض للملوثات ويضعف القدرة على تتبع الضرر.

 

وفي الوقت ذاته، تصبح مسؤولية الجهات الصحية والزراعية مضاعفة إذا ثبت ري محاصيل غذائية بمياه غير معالجة، إذ يفترض أن تبدأ أعمال الفحص وأخذ العينات بالتوازي مع إصلاح التحويلة، لا بعد وصول المنتجات إلى الأسواق.

 

ومن جانب آخر، فإن حماية الرقعة الزراعية تقتضي اعتبار شبكات الري بنية أساسية لا تقل أهمية عن الطرق والكهرباء، لأن انسدادا صغيرا في نقطة توزيع قد يهدد دخل أسر كاملة ويضع الأمن الغذائي المحلي تحت الضغط.

 

وإزاء ذلك، يطالب الأهالي بتحرك ميداني عاجل من وزارة الموارد المائية والري والجهات التنفيذية، مع إعلان نتيجة المعاينة والإصلاح للرأي العام المحلي، حتى لا تتحول الأزمة إلى سلسلة شكاوى تتكرر بلا حل جذري.

 

وأخيرا، تكشف واقعة كفر أبو حطب أن ترك المزارعين وحدهم أمام نقص المياه ليس مجرد تقصير خدمي، بل مسار قد ينتهي بخسارة الأرض أو تلويث الغذاء، فيما تبقى كلفة الإهمال موزعة على المجتمع بأكمله.

 

وفي المحصلة، تبدأ الاستجابة الجادة بتطهير التحويلة واستعادة تدفق المياه وفحص المحاصيل المتضررة ومحاسبة المقصرين، لأن استمرار ري الأراضي بالصرف تحت ضغط العطش يمثل إنذارا لا يحتمل بيانات مطمئنة أو تأجيلا جديدا.