أصدر عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري قرارا جمهوريا بتجديد تكليف حسن عبد الله قائما بأعمال محافظ البنك المركزي لمدة عام من 18 أغسطس 2026 حتى 17 أغسطس 2027 ليواصل إدارة السياسة النقدية وسوق الصرف للعام الخامس .

 

ويأتي التجديد بينما تتحمل الأسر المصرية نتائج سنوات من تراجع الجنيه وارتفاع الأسعار وكلفة الاقتراض بما يجعل استمرار القيادة نفسها رسالة واضحة بأن السلطة اختارت مواصلة النهج القائم رغم اتساع الفجوة بين المؤشرات الرسمية وتجربة المواطنين اليومية.

 

وفي المقابل لا يمكن اختزال الأزمة في شخص المحافظ وحده لأن قرارات الدين والإنفاق والدعم والاستثمار الحكومي تقع خارج البنك المركزي لكن بقاء حسن عبد الله يضع أداء العملة والتضخم والفائدة والسيولة مباشرة تحت ميزان المساءلة العامة.

 

وبحسب البيانات الرسمية بلغ التضخم الحضري السنوي 14.9% في يوليو 2026 بعد 14.3% في يونيو وهو ارتفاع يعيد التأكيد أن تراجع التضخم عن قممه السابقة لم يتحول بعد إلى انخفاض فعلي في الأسعار التي يدفعها المواطن .

 

وإزاء ذلك تبدو المفارقة أكثر حدة لأن البنك المركزي أبقى في يوليو سعر الإيداع عند 19% والإقراض عند 20% والعملية الرئيسية عند 19.5% وهي مستويات تعكس تشددا نقديا مرتفعا لكنه يضغط أيضا على التمويل والاستثمار وتكلفة الدين.

 

 

حصيلة الجنيه والتضخم

 

فعلى صعيد العملة كان الدولار يدور قرب 19.14 جنيها عند تولي حسن عبد الله المهمة في أغسطس 2022 بينما تجاوز 49 جنيها في 2026 بما يعني أن الجنيه فقد قرابة 61% من قيمته المقاسة أمام العملة الأمريكية .

 

ومنذ ذلك الحين مرت مصر بموجات خفض وإعادة تسعير واسعة وانتهت إلى مرونة أكبر في سعر الصرف وهي سياسة ساعدت على تقليص السوق الموازية لكنها نقلت جزءا كبيرا من كلفة التصحيح إلى أسعار الغذاء والدواء والطاقة.

 

وبالتوازي ارتفعت فاتورة الاستيراد بالعملة المحلية كلما ضعف الجنيه فأصبح أثر الصرف يتجاوز شاشات البنوك إلى تكلفة الإنتاج والنقل والخدمات وهو ما يجعل تقييم نجاح السياسة النقدية مرتبطا بقدرتها على حماية الاستقرار لا مجرد توحيد السعر.

 

ومع ذلك تشير زيادة الاحتياطي الأجنبي إلى 56.2939 مليار دولار بنهاية يوليو 2026 إلى تحسن واضح في السيولة الخارجية لكن هذا التحسن لا يلغي السؤال عن نوعية الموارد ولا عن مدى استدامتها في مواجهة التزامات الدين والاستيراد .

 

وفي السياق نفسه سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 43.1 مليار دولار خلال أحد عشر شهرا وهو تدفق استثنائي يدعم النقد الأجنبي ويخفف الضغط على السوق لكنه يوضح أيضا اعتماد الاستقرار على مصادر خارجية أكثر من توسع الصادرات الإنتاجية .

 

ويشير محمد أبو باشا رئيس بحوث الاقتصاد الكلي في المجموعة المالية هيرميس إلى أن أثر سنة الأساس غير المواتية قد يبقي التضخم مرتفعا خلال أغسطس قبل أن يبدأ مسارا هبوطيا في الربع الأخير من 2026 .

 

وفي تقدير هذا المسار فإن هبوط المعدل السنوي مستقبلا لن يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه لأن التضخم يقيس سرعة الزيادة لا مستوى المعيشة ولذلك يظل المواطن أمام قاعدة سعرية أعلى بكثير من سنوات ما قبل الأزمة.

 

ثم إن البنك المركزي نفسه يتوقع بقاء مخاطر صعودية على التضخم مع اضطرابات المنطقة وارتفاع الطاقة وإجراءات الضبط المالي وهو اعتراف بأن مساحة المناورة محدودة وأن أي صدمة جديدة قد تعيد الضغوط قبل أن يلمس الناس تحسنا ملموسا .

 

 

الفائدة بين الكبح والكلفة

 

أما أسعار الفائدة فقد تحولت إلى أداة دفاع رئيسية عن استقرار الأسعار والجنيه لكن إبقاء الإقراض عند 20% يعني أن تكلفة التمويل تظل ثقيلة على الشركات خصوصا الأنشطة الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج سيولة للتوسع وخلق فرص العمل.

 

وبينما يساعد العائد المرتفع على جذب المدخرات وتقليل الطلب فإنه يرفع أيضا تكلفة اقتراض الحكومة في سوق محلية تعتمد عليها بكثافة ما يحول مكافحة التضخم إلى فاتورة مالية أكبر يمكن أن تزاحم الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.

 

ومن جهة أخرى تكشف هذه المعضلة حدود قدرة البنك المركزي على إصلاح اختلالات مصدرها المالية العامة وهيكل الإنتاج لأن الفائدة تستطيع كبح الطلب لكنها لا تنتج دولارات ولا تزيد الصادرات ولا تخفض اعتماد الاقتصاد على الواردات.

 

وإلى جانب ذلك يرى فاروق سوسة المحلل في جولدمان ساكس أن تباطؤ التضخم واستقرار سعر الصرف وتحسن البيئة الخارجية قد يدفع البنك المركزي إلى تثبيت الفائدة عند 19% حتى نهاية 2026 قبل استئناف الخفض لاحقا .

 

وعلى هذا الأساس توقع سوسة خفضا تراكميا بنحو 5 نقاط مئوية خلال 2027 وصولا إلى مستوى نهائي قرب 13% في الربع الأول من 2028 وهو تصور يعكس أن العودة إلى تمويل أرخص ستظل بطيئة .

 

كذلك فإن أي خفض سريع للفائدة قبل انحسار ضغوط الأسعار قد يعيد الضغط على الجنيه بينما استمرار الفائدة المرتفعة يضغط على الاستثمار وهذه الحلقة تضع صانع السياسة أمام خيارات مؤلمة لأن كل مسار يحمل تكلفة مباشرة على الاقتصاد والمواطن.

 

ورغم ذلك لا تظهر الحصيلة أن المواطنين استفادوا من تشدد نقدي طويل بالقدر نفسه الذي تحملوا كلفته فالقوة الشرائية ما زالت أضعف والأسعار تراكمت عند مستويات مرتفعة والائتمان المكلف يحد من قدرة قطاعات واسعة على التعافي.

 

 

الاحتياطي لا يكفي وحده

 

أما على مستوى التضخم المتوقع فيحذر دانيال ريتشاردز كبير الاقتصاديين في بنك الإمارات دبي الوطني من أن زيادة أسعار الكهرباء بنحو 12% قد تظهر في قراءة أغسطس بما يعيد تمرير قرارات التسعير الإداري إلى ميزانيات الأسر .

 

وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي قد يرتفع التضخم إلى 16.7% خلال النصف الثاني من 2026 بسبب أسعار الطاقة وضعف الجنيه وآثار سنة الأساس وهو ما يؤجل الوصول إلى نطاق هدف البنك المركزي مقارنة بالتوقعات السابقة .

 

ومن الناحية الاجتماعية تعني هذه النسب أن الأسرة التي استنزفت مدخراتها خلال سنوات الغلاء لا تستفيد كثيرا من القول إن التضخم انخفض من قمته لأن الأسعار الجديدة أصبحت نقطة البداية بينما الأجور لا تلحق دائما بالزيادة المتراكمة.

 

وفوق ذلك يظل ارتفاع الاحتياطي مؤشرا مهما لكنه لا يكفي وحده للحكم على قوة الاقتصاد فإذا ترافق مع التزامات خارجية كبيرة وفجوة تجارية وحاجة مستمرة للتمويل فإن هامش الأمان قد يبقى أقل مما توحي به الأرقام المجردة.

 

لذلك يصبح تجديد التكليف عاما خامسا فرصة لمساءلة النهج لا للاحتفاء بالاستمرارية وحدها فالمعيار ليس بقاء السوق الرسمية هادئة مؤقتا وإنما قدرة السياسة على خفض التضخم دون سحق الاستثمار وحماية العملة دون تحميل الأسر صدمات متكررة.

 

وبناء على ذلك تتحمل الحكومة المسؤولية الأكبر عن معالجة جذور الأزمة عبر خفض الدين وترشيد الإنفاق وزيادة الإنتاج والصادرات فيما يتحمل البنك المركزي مسؤولية اختيار الأدوات والتوقيت والشفافية بما يمنع تحول العلاج النقدي إلى عبء اجتماعي دائم.

 

وخلاصة الأمر أن قرار السيسي يمدد إدارة حسن عبد الله حتى أغسطس 2027 لكنه يمدد معها اختبارا مفتوحا لسياسة فقد خلالها الجنيه نحو 61% من قيمته أمام الدولار وبقي التضخم مرتفعا والفائدة عند مستويات تثقل الاقتصاد والأسر.