أقر مجلس الوزراء المصري بالقرار رقم 65 لسنة 2026 إنشاء منطقة حرة خاصة باسم شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز على مساحة 737915 متر مربع في العلمين الجديدة بمحافظة مطروح لتخزين وتداول الزيت الخام والمنتجات البترولية بما يوسع الوجود الإماراتي مباشرة إلى جوار توسعات ميناء الحمراء البترولي.

 

ويأتي القرار بينما تتكاثر أسئلة الرقابة على تجارة الطاقة بين مصر وليبيا والإمارات بعد توثيق الأمم المتحدة مسارات لوقود ليبي مهرب وصلت إلى مصر وشحنات أخرى اتجهت إلى الإمارات وهو سياق يجعل معرفة منشأ الشحنات المنتظرة في العلمين وطرق فحصها مسألة تتجاوز بيانات الحكومة المتكررة عن جذب الاستثمار.

 

 

وائل جمال يضع الامتيازات تحت الرقابة

 

ويكشف القرار المنشور أن المنطقة ستقام جنوب طريق الإسكندرية مطروح الساحلي ويحدها غربا نطاق توسعات ميناء الحمراء كما يلزم الشركة بتصدير 100% من حجم إنتاجها سنويا واستخدام مكون محلي بنسبة 50% مع استيفاء اشتراطات البيئة والأمن الصناعي وتأمين المنشآت بالكاميرات وأبراج الحراسة.

 

لكن قرار الإنشاء لا يقدم للرأي العام تفاصيل هيكل ملكية الشركة ولا نسب مساهمة الأطراف ولا مدة حيازة الأرض ولا قيمتها ولا صيغة تقاسم العوائد كما لا يبين بصورة منشورة قواعد التدقيق في هوية الموردين أو المالك المستفيد من الشحنات وهو نقص جوهري في مشروع يتعامل مع خام ومنتجات عابرة للحدود.

 

ويمنح قانون الاستثمار مشروعات المناطق الحرة معاملة ضريبية وجمركية خاصة إذ لا تخضع المشروعات وأرباحها الموزعة لقوانين الضرائب والرسوم المعتادة بينما تخضع مشروعات التخزين في المناطق الحرة الخاصة لرسم 2% من إجمالي الإيرادات عند التصدير وهو ما يزيد أهمية نشر تقديرات الإيرادات والعائد الفعلي للخزانة قبل بدء التشغيل.

 

ولهذا تبدو ملاحظات الباحث الاقتصادي وائل جمال عن ضعف الرقابة على إدارة الأصول العامة ذات صلة مباشرة بالمشروع إذ سبق أن انتقد غياب الإلزام بنشر تقارير مستقلة عن بعض أدوات إدارة أصول الدولة كما حذر من أن الاستحواذات الإماراتية في مصر تتجاوز الحساب التجاري إلى موازين نفوذ اقتصادي وسياسي أوسع.

 

 

غودزوفسكا تكشف اقتصاد سرقة الوقود

 

وكشفت لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بليبيا في تقريرها الصادر خلال 2026 أن شبكات تهريب المنتجات النفطية من شرق ليبيا واصلت استخدام مسارات بحرية معقدة شملت عمليات نقل بين السفن قرب بورسعيد وشمال شرق الإسكندرية كما رصدت وصول شحنات غير مشروعة إلى الأراضي المصرية خلال عام 2025.

 

وفوق ذلك أثبت التقرير أن الديزل المصدر بصورة غير مشروعة من شرق ليبيا بيع كوقود بحري قرب بورسعيد ووصل إلى الشاطئ المصري قبل إعادة تداوله بحرا كما وثق توسع النشاط من بنغازي إلى موانئ أخرى وهو ما يجعل الساحل المصري جزءا مثبتا في خريطة حركة بعض الوقود المهرب لا مجرد احتمال جغرافي.

 

وتتسق هذه النتائج مع تحقيق منظمة سنتري الذي قدر خسائر ليبيا من تهريب الوقود بنحو 20 مليار دولار بين 2022 و2024 وقال إن أكثر من نصف كميات الوقود المستوردة ضمن برنامج الدعم تعرضت للتحويل إلى شبكات غير مشروعة مستفيدة من ترتيبات مبادلة الخام بالوقود ومن نفوذ جماعات مسلحة داخل مؤسسات الدولة.

 

وفي هذا الملف قالت جوستينا غودزوفسكا المديرة التنفيذية لمنظمة سنتري إن قرابة 7 مليارات دولار من الوقود المدعوم كانت تسرق سنويا عبر عمليات يقودها مسؤولون يفترض أنهم يحرسون الموارد العامة كما أكد التحقيق أن شبكات التهريب استفادت من مساعدة خارجية بينها أطراف مرتبطة بالإمارات وروسيا وتركيا.

 

ومع ذلك لا يثبت تقرير الأمم المتحدة ولا تحقيق منظمة سنتري أن شركة الفجيرة العلمين اشترت وقودا ليبيا مهربا أو أن المنطقة الحرة أنشئت لتخزين تلك الشحنات ولذلك يظل هذا الربط اتهاما يحتاج إلى دليل مباشر لكن وجود مسارات مثبتة بين ليبيا ومصر والإمارات يفرض على الحكومة نشر نظام تحقق علني من مصدر كل شحنة.

 

 

عدلي يربط المال الإماراتي بالنفوذ

 

وسبق مشروع المنطقة الحرة مسار متدرج بدأ باتفاق تعاون بين وزارة البترول وحكومة الفجيرة في أغسطس 2024 ثم استقبلت الموانئ المصرية أول ناقلة ضمن الاتفاق في نوفمبر من العام نفسه قبل توقيع 3 اتفاقيات في أكتوبر 2025 شملت تأسيس شركة مساهمة مصرية وإنشاء منطقة لوجستية وعقدا لتخزين الخام في ميناء الحمراء.

 

وبعد ذلك ظهرت تقديرات بأن شركة الفجيرة العالمية للطاقة تعتزم استثمار 500 مليون دولار في المرحلة الأولى مع استغلال طاقة تخزينية تصل إلى 150 ألف طن شهريا بينما كانت وزارة البترول ترفع سعة ميناء الحمراء من 2 مليون و800 ألف برميل إلى 5 ملايين و300 ألف برميل وتستهدف الوصول إلى 20 مليون برميل بحلول 2030.

 

ويتزامن هذا التوسع النفطي مع حضور إماراتي متسع داخل الاقتصاد المصري شمل صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار واستثمارات في العقارات والتمويل والموانئ والطاقة وهو نمط يجعل منح منطقة حرة نفطية جديدة في الساحل الشمالي خطوة ضمن مسار أكبر لا صفقة منفصلة يمكن تقييمها بمعزل عن توزيع السيطرة الاقتصادية.

 

وفي هذا السياق قال أستاذ الاقتصاد السياسي عمرو عدلي إن اعتماد مصر على الدعم المالي الخليجي خلال السنوات الماضية ارتبط بمصالح سياسية لدى دول الخليج في بقاء نظام مصري مستقر وصديق وهو توصيف يوضح لماذا لا يمكن فصل تدفقات رأس المال الإماراتي عن بنية العلاقة السياسية بين القاهرة وأبوظبي.

 

ومن ثم تصبح مسؤولية الحكومة محددة قبل تشغيل المنطقة إذ يتعين عليها إعلان المالكين النهائيين للشركة ونسب المساهمة وقيمة الأرض ومدتها ورسوم التخزين وقواعد فحص شهادات المنشأ وقوائم السفن والمتعاملين وآلية منع غسل منشأ المنتجات لأن الاعتماد على رقابة داخلية غير منشورة لا يكفي في قطاع تحيط به شبكات تهريب موثقة دوليا.

 

وأخيرا لا يحتاج ملف العلمين إلى اتهامات غير مثبتة كي يصبح مثيرا للمساءلة فالمعلومات المعلنة وحدها تكشف منطقة نفط حرة بامتيازات خاصة وموقع ملاصق لميناء يتوسع بسرعة وشريكا إماراتيا يراكم نفوذا اقتصاديا بينما تثبت تقارير دولية أن وقودا ليبيا مسروقا تحرك بالفعل عبر مصر والإمارات وتبقى الحكومة مطالبة بكشف الضمانات قبل وصول الشحنات.