كشفت مصادر لبنانية، فجر اليوم الخميس ، أن طائرات الاحتلال الإسرائيلي شنت سلسلة غارات عنيفة على مرتفعات علي الطاهر ودوحة كفررمان ومنطقة الدبشة في قضاء النبطية جنوب لبنان، مستخدمة صواريخ ارتجاجية بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف، فيما لم تعلن السلطات اللبنانية حصيلة مؤكدة للإصابات حتى الساعات الأولى.

 

ويربط استمرار الغارات بين التصعيد الميداني وفشل الحكومة اللبنانية في تحويل اتفاق الإطار الموقع برعاية أمريكية إلى وقف فعلي للنار أو انسحاب إسرائيلي واضح، بعدما انتهت جولة مفاوضات روما في 6 أغسطس من دون تحقيق المطلبين، بينما بقي سكان الجنوب تحت القصف والتفجيرات وقيود العودة إلى بلداتهم.

 

خوري: واشنطن لا تضغط

 

وأوضح الباحث والصحفي رامي خوري أن تغيير السياسة الإسرائيلية في لبنان يحتاج إلى ضغط أمريكي فعلي، لا إلى تفاهمات رمزية أو وعود تفاوضية، وهو تقييم يضع الحكومة اللبنانية أمام نتيجة مباشرة لمسارها الدبلوماسي، إذ استمرت الضربات الإسرائيلية رغم الاتفاقات والاجتماعات التي قدمتها بيروت باعتبارها طريقا لاستعادة الاستقرار.

 

وفي الميدان، استهدفت الغارات مرتفعات علي الطاهر ودوحة كفررمان، بينما تعرضت تلة الدبشة لقصف مدفعي ثقيل ومتواصل، وواصلت المقاتلات الإسرائيلية التحليق فوق الجنوب خلال الهجوم، قبل أن تفيد مصادر محلية بانسحاب الطيران الحربي بعد تنفيذ عدة ضربات، من دون إعلان رسمي عن حجم الخسائر المادية أو البشرية.

 

وبالتزامن، دوت الانفجارات الناتجة عن الصواريخ الارتجاجية بقوة في منطقة النبطية، ووصل صداها إلى مدينة صيدا ومناطق محيطة بها، بما وسع التأثير المباشر للغارات إلى نطاق يتجاوز المواقع المستهدفة، وأعادت المشاهد المتداولة صور القصف الكثيف الذي شهدته المرتفعات نفسها خلال موجات سابقة من الهجمات الإسرائيلية.

 

وعقب ذلك، أفادت تقارير لبنانية بأن القوات الإسرائيلية نفذت أيضا تفجيرات في مجدل زون والمنصوري والخيام وحداثا، مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة وقصف مدفعي على مناطق حدودية، وهو ما يؤكد أن هجوم فجر الخميس لم يكن واقعة منفصلة، بل جزءا من نشاط عسكري ممتد على عدة بلدات جنوبية.

 

ومن جهة أخرى، أظهرت بيانات وزارة الصحة اللبنانية المنشورة الخميس أن حصيلة الهجمات الإسرائيلية منذ بدء التصعيد في 2 مارس وصلت إلى 4348 شهيدا و12307 مصابين، بينما خلّف القصف المتكرر دمارا واسعا وموجات نزوح، ما يجعل استمرار الحكومة في مسار تفاوضي بلا وقف نار ملموس موضع انتقاد متزايد.

 

بيطار: السيادة بلا ضمانات

 

وقال الأكاديمي اللبناني كريم بيطار إن لبنان لم يحصل حتى أواخر يوليو على التزام أمريكي حازم بالضغط على إسرائيل للانسحاب، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي عن استعادة السيادة وبين استمرار الغارات والاحتلال، ويضع وعود الحكومة أمام اختبار يومي تفرضه الطائرات والمدفعية على سكان الجنوب.

 

وعلى المستوى السياسي، وقع لبنان وإسرائيل اتفاق إطار برعاية أمريكية في 26 يونيو، ونص المسار على إعادة انتشار إسرائيلية تدريجية مقابل ترتيبات أمنية وانتشار للجيش اللبناني، لكن جولة روما التي انتهت في 6 أغسطس لم تنتزع وقفا حقيقيا للنار ولم تحقق تقدما في الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

 

وفي المقابل، واصلت إسرائيل التعامل مع الاتفاق باعتباره إطارا يسمح لها بربط الانسحاب بتقييمها المنفرد للترتيبات الأمنية، بينما ظلت بيروت تعتمد على الوساطة الأمريكية من دون أدوات ضغط مستقلة، وهو خلل وثقته تطورات أغسطس عندما تواصل القصف في الوقت نفسه الذي استمرت فيه الاجتماعات والتصريحات الحكومية عن المسار الدبلوماسي.

 

وفوق ذلك، انتقد بيطار بندا في اتفاق الإطار قد يحد من تحرك الدولة اللبنانية في المحافل السياسية والقانونية الدولية، واعتبره مكسبا كبيرا لإسرائيل وضربة للمدنيين الذين يطالبون بالعدالة، بما يضيف بعدا آخر إلى أزمة الحكومة التي لم تنجح في وقف القصف ولا في ضمان مسار واضح للمساءلة.

 

وبينما رفعت الحكومة شعار عودة الدولة إلى الجنوب، بقيت قرى حدودية تحت وطأة الغارات والتفجيرات والوجود العسكري الإسرائيلي، وأصبح التناقض بين الزيارات الرسمية وواقع القصف أكثر وضوحا بعد هجمات 20 أغسطس، لأن السكان يواجهون مخاطر يومية لا تعالجها صور رفع العلم ولا بيانات الإدانة وحدها.

 

ولهذا، لا تستطيع الحكومة اللبنانية تقديم مفاوضات روما باعتبارها إنجازا مكتمل النتائج، فالمعطيات المنشورة عن الجولة أكدت أن الوفد اللبناني لم يحصل على وقف للنار ولم يحقق تقدما في ملف الانسحاب، فيما جاءت الغارات الجديدة على النبطية لتمنح هذا الفشل ترجمة ميدانية مباشرة خلال أقل من أسبوعين.

 

مهند الحاج : الانسحاب غير قريب

 

ورأى مهند الحاج علي، نائب مدير الأبحاث في مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط، أن ما يجري على الأرض يشير إلى رغبة إسرائيل في إبقاء الجيش اللبناني منطقة فاصلة أمام نطاقها الأمني، مع غياب مؤشرات على انسحاب قريب، وهو تقدير يتطابق مع استمرار الضربات والتفجيرات جنوبا.

 

وبحسب الحاج علي، فإن استمرار الوجود الإسرائيلي يمنح الصراع أسبابا إضافية للبقاء ويعطل ملف نزع سلاح حزب الله، لأن أي مطالبة داخلية بالسلاح تصطدم عمليا ببقاء الاحتلال والقصف، وهو ما يكشف محدودية سياسة حكومية تطلب ترتيبات أمنية داخلية بينما لا تملك ضمانة مقابلة بإنهاء العمليات الإسرائيلية.

 

وعسكريا، تكررت الضربات على مرتفعات علي الطاهر ودوحة كفررمان والدبشة خلال أغسطس، وسجلت تقارير لبنانية في أيام سابقة قصفا مدفعيا وتحركات عسكرية في المنطقة نفسها، ما يجعل استهدافها فجر الخميس امتدادا لنمط متكرر، وليس حادثا استثنائيا يمكن عزله عن المشهد الأمني المستمر منذ أشهر.

 

وفي سياق متصل، سبقت غارات الخميس موجة أكثر دموية في 15 أغسطس أسفرت عن مقتل 11 شخصا في جنوب لبنان، بينهم أطفال وفق تقارير دولية، وهو تصعيد يوضح أن اتفاق الإطار لم يوقف سقوط المدنيين، وأن السلطة اللبنانية ما زالت تفاوض تحت ضغط عسكري إسرائيلي يفرض الوقائع قبل أي تسوية.

 

وأخيرا، تعيد غارات 20 أغسطس تثبيت حقيقة ميدانية لا تستطيع الحكومة اللبنانية تجاوزها بالبيانات، وهي أن جنوب لبنان ما زال ساحة مفتوحة للقصف الإسرائيلي رغم الاتفاق والمفاوضات، وأن معيار نجاح أي مسار رسمي يبقى وقف الهجمات وانسحاب القوات وعودة السكان بأمان، وهي نتائج لم تتحقق حتى الآن.