يكشف تطبيق القانون رقم 73 لسنة 2021 داخل الجهاز الإداري للدولة والمؤسسات المشمولة به في مصر، بعد إخضاع نحو 1.5 مليون عامل لتحاليل الكشف عن المخدرات، عن فصل 6500 موظف، في حصيلة تثير تساؤلات واسعة حول كلفة العقوبة على العامل وأسرته.
ولا تنفي خطورة تعاطي المخدرات في المرافق العامة، لكن تحويل فقدان الوظيفة إلى النتيجة الأشد حضورًا يترك آلاف الأسر أمام صدمة اجتماعية واقتصادية؛ إذ يفقد العائل دخله وسمعته وفرصه في بدء حياة مستقرة، بينما تتراجع مساحة العلاج والتأهيل.
فصل يضرب الأسر
ويفترض القانون أن حماية المواطنين من العامل الذي قد يؤدي وظيفته تحت تأثير المخدرات أولوية واجبة، خاصة في المرافق التي ترتبط بالنقل والصحة والتعليم والخدمات العامة، وهي غاية لا ينبغي أن تكون محل خلاف.
غير أن حماية المرفق لا تتحقق بمجرد نقل المشكلة من موقع العمل إلى البيت، لأن العامل المفصول لا يختفي من المجتمع، بل قد ينتقل من دائرة الوظيفة والرقابة إلى دائرة الفقر والعزلة والوصم.
وتتضاعف الأزمة عندما يكون العامل مسؤولًا عن أطفال أو والدين أو التزامات سكن وعلاج، فتتحول نتيجة التحليل إلى عقوبة جماعية تمس أفرادًا لم يرتكبوا فعلًا ولم يملكوا وسيلة لحماية مصدر دخلهم.
كما أن الفصل يهدد الاستقرار النفسي للعامل، خصوصًا إذا كان يحتاج إلى علاج من الإدمان أو يعاني اضطرابًا نفسيًا أو يتناول دواءً مزمنًا، لأن الخوف من الفضيحة قد يدفعه إلى إخفاء المشكلة بدل طلب المساعدة.
ويؤكد الدكتور عمرو عثمان، مساعد وزيرة التضامن ومدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، أن فلسفة القانون ترتبط بحماية الخدمة العامة من العمل تحت تأثير المواد المخدرة، وهو هدف مشروع لا يبرر تجاهل تبعات التنفيذ الاجتماعية.
لكن الفارق كبير بين ردع موظف يهدد حياة الآخرين، وبين معاملة كل حالة إيجابية باعتبارها ملفًا منتهيًا لا يستحق بحث الظروف الصحية أو السلوكية أو المهنية التي أحاطت بها.
وبالتالي، فإن العقوبة التي تقطع الراتب قبل توفير طريق علاجي حقيقي تخلق خطرًا جديدًا: موظف مريض أو متعاطٍ يفقد مورد حياته، ثم يُترك وحيدًا أمام احتمالات الانتكاس والديون والتفكك الأسري.
كما أن وصم المفصول بوصفه «متعاطيًا» يلاحقه بعد مغادرة وظيفته، وقد يحرمه من فرصة عمل جديدة أو يعرّض أسرته للتنمر الاجتماعي، رغم أن العلاج والتعافي يفترضان بيئة تحفظ الكرامة لا تسحقها.
تحليل يهدد العدالة
ويبدأ الإجراء بعينة استدلالية مفاجئة، ثم تُحال النتيجة الإيجابية إلى تحليل توكيدي في الجهات المختصة، ما يعني أن نتيجة الفحص الأول ليست وحدها، قانونيًا، أساسًا كافيًا لإنهاء الخدمة.
غير أن العامل يواجه خلال الفترة الفاصلة بين العيّنة الاستدلالية والنتيجة النهائية وقفًا عن العمل وخصم نصف أجره، وهي مدة قد تتحول إلى ضائقة قاسية للأسر محدودة الدخل قبل صدور الحسم الطبي.
ويفرض ذلك ضرورة أن تكون إجراءات التحليل واضحة ومعلنة للعامل، وأن يُمكّن من إثبات ما يتناوله من أدوية بوصفات طبية معتمدة، حتى لا يُعامل المريض كمتهم بسبب تفاعل دوائي محتمل.
ويشير الدكتور مختار رمضان، مدير عام القضايا بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، إلى أن القانون يستهدف جهات تقدم خدمات مباشرة للجمهور، بما يضع سلامة الخدمة في قلب التطبيق لا مجرد زيادة أعداد المفصولين.
لكن توسيع نطاق الفحص لا يعفي الجهات المنفذة من واجب التدقيق، فكل خطأ في توثيق العينة أو معايرة الجهاز أو تفسير النتيجة قد يكلّف إنسانًا وظيفته وسمعته واستقرار أسرته.
ولذلك، لا تكفي عبارة «التحليل التوكيدي» وحدها لتبديد القلق، ما لم تصاحبها ضمانات عملية لسلامة سلسلة حفظ العينة، وحق العامل في الاطلاع على الإجراءات، ووسيلة تظلم فعالة وسريعة.
كما أن السرعة في العقوبة قد تصبح خصمًا من العدالة إذا لم يُفصل بوضوح بين التعاطي الفعلي وبين أثر دواء علاجي، أو بين حالة تحتاج تدخلًا صحيًا وحالة تشكل خطرًا مباشرًا أثناء العمل.
وفي هذا السياق، تصبح الشفافية ضرورة وليست ترفًا: كم نتيجة استدلالية ثبت عدم صحتها بعد التحليل التوكيدي؟ وكم عاملًا أعيد إلى عمله؟ وأين تُنشر هذه البيانات ليُقاس عدل التطبيق؟
العلاج قبل العقوبة
وتكشف الحصيلة المعلنة، البالغة 6500 مفصول، أن النقاش لا يتعلق بحالات فردية متفرقة، بل بأثر واسع يستدعي مراجعة جدية لما إذا كانت الدولة تملك طاقة علاج وتأهيل توازي صرامة الفصل.
فالعلاج ليس مكافأة للمتعاطي ولا تساهلًا مع الخطر، بل وسيلة لحماية المجتمع من عودة المشكلة في صورة أشد قسوة؛ إذ يظل الموظف بعد فصله مواطنًا يحتاج إلى رعاية وفرصة للاندماج.
وترى المحامية عزيزة الطويل، عضو هيئة الدفاع في الطعن الدستوري المتعلق بالقانون، أن ملف الفصل يثير أسئلة قانونية تتصل بضمانات الدفاع والحق في العمل، وهي أسئلة لا يجب التعامل معها باعتبارها اعتراضًا على مكافحة المخدرات.
كما أن حق العامل في معرفة نتيجة تحليله وتقديم دفاعه وتفسير أدويته والطعن على الإجراء لا يناقض سلامة المرافق، بل يمنح القرار النهائي قوة قانونية وأخلاقية تحميه من الشك.
ومن ثم، فإن التدرج المنضبط في التعامل مع الحالات غير الخطرة، عبر الإحالة للعلاج والمتابعة والاختبارات الدورية، قد يحقق حماية المرفق دون أن يحول كل نتيجة إيجابية إلى حكم اقتصادي على الأسرة.
ويحتاج التطبيق كذلك إلى فصل واضح بين العامل الذي يثبت أداؤه لعمله تحت تأثير المخدر، وبين شخص تظهر عينته إيجابية ثم يثبت أنه ملتزم بعلاج طبي أو يحتاج برنامج تأهيل بإشراف متخصص.
وعلاوة على ذلك، فإن الكشف المبكر يفقد قيمته إذا صار العامل يخشى منه أكثر مما يثق فيه؛ لأن الخوف سيدفع البعض إلى تجنب العلاج أو إخفاء المشكلة أو الانسحاب من العمل قبل الوصول إلى حل صحي.
وتبقى المعضلة الحقيقية في أن القانون يرفع شعار حماية الناس من الخطر، لكنه قد ينتج خطرًا اجتماعيًا موازيًا إذا عالج الإدمان بالفصل فقط، من دون ضمانات تحقيق عادلة ومسار علاجي متاح وفرصة حقيقية للتعافي.

