تواجه القاهرة الكبرى صراعًا متصاعدًا على المخلفات بعد توسع الجهات المحلية في مشروعات الجمع والتدوير الذكي؛ فبينما تتحدث تقديرات عن 18 ألف طن يوميًا، يهدد اقتناص البلاستيك والكانز من مسار جامعي القمامة بتقليص دخل آلاف الأسر.

 

ولا تتعلق القضية بمنظر شوارع أنظف أو ماكينة أكثر حداثة فقط، بل بحق العامل الذي أمضى عمره في جمع وفرز ما يعتبره الآخرون نفايات. فحين تستحوذ المنظومة الجديدة على المواد الأعلى سعرًا وتترك له بقايا الطعام والورق، يصبح «التطوير» نقلًا للخسارة إلى الحلقة الأفقر.

 

 

أرقام متضاربة وثروة كبيرة

 

تتحول المخلفات المنزلية في القاهرة إلى سوق خامات مفتوح؛ إذ تضم البلاستيك والمعادن والورق والكرتون، وهي مواد تدخل في سلاسل إنتاج مربحة ولا تنتهي قيمتها عند لحظة إلقائها في الصندوق.

 

وتشير المادة المتداولة إلى ضخ 18 ألف طن يوميًا من المخلفات في العاصمة، بينها أكثر من 8 آلاف طن من المواد الصلبة القابلة للاسترداد وإعادة التدوير.

 

غير أن الرقم نفسه يحتاج إلى تدقيق رسمي؛ إذ سبق لمحافظ القاهرة إبراهيم صابر أن أعلن في ديسمبر 2025 وصول إنتاج المحافظة إلى نحو 24 ألف طن يوميًا، بينها 8 آلاف طن تجمع وتدوّر في منطقة الزبالين بمنشأة ناصر.

 

هذا التباين ليس تفصيلًا حسابيًا، لأن غياب قاعدة بيانات منشورة ودقيقة يفتح الباب أمام عقود واستثمارات وتقييمات لا يعرف المواطنون ولا العاملون أساسها الحقيقي.

 

وتتضاعف أهمية الأرقام مع ارتفاع أسعار الخامات؛ فطن الألومنيوم الخردة، المعروف بالكانز، تجاوز وفق تقديرات السوق حاجز 110 آلاف جنيه، بينما تختلف أسعار طن البلاستيك بحسب النوع والجودة والمعالجة.

 

لذلك لا يمكن التعامل مع القمامة باعتبارها عبئًا بيئيًا فقط؛ فهي مورد اقتصادي ضخم، وسلسلة عمل تبدأ من باب الشقة ولا تنتهي إلا عند المصنع.

 

ويحذر شحاتة المقدس، نقيب العاملين بالنظافة وتحسين البيئة، من أن البلاستيك والكانز يمثلان عماد دخل جامعي القمامة، وأن سحبهما من الدورة التقليدية يهدد بتحويلهم إلى عمال يجمعون العبء الأكبر بلا عائد عادل.

 

وتكشف اعتراضات المقدس أن المشكلة ليست رفض التكنولوجيا في ذاتها، بل رفض إدخالها من دون عقد واضح يضمن نصيب العاملين القائمين بالفعل في جمع وفرز المخلفات.

 

 

الماكينات تسحب قيمة المخلفات

 

بدأت محافظة الجيزة تجربة ماكينات الاستبدال الذكية في حي الدقي، لتمنح المواطنين نقاطًا أو مقابلًا مقابل الزجاجات البلاستيكية والعبوات المعدنية.

 

ظاهريًا، تبدو الفكرة تشجيعًا لسلوك بيئي أفضل وفصلًا للمخلفات من المنبع، وهي خطوة مطلوبة في مدينة تتراكم فيها القمامة يوميًا.

 

لكن الماكينة لا تلتقط أي مخلفات؛ بل تنتقي تحديدًا أكثر الأنواع قيمة وربحًا، أي البلاستيك والكانز، وهما ما يعتمد عليه جامعو القمامة لتعويض هزال المقابل الذي يحصلون عليه من السكان.

 

وعندما تخرج هذه المواد من يد الجامع قبل وصوله إلى الشارع أو باب المنزل، يتبقى له الجزء العضوي المرهق والأقل قيمة والأعلى كلفة في النقل والتعامل.

 

هنا يظهر التناقض: تُكافأ الأسر على تسليم المواد القابلة للبيع، بينما يُترك العامل التقليدي أمام مخلفات لا تحقق دخلًا كافيًا ولا تضمن له حماية اجتماعية.

 

وترى الدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة الدولة السابقة لشؤون البيئة والباحثة التي عملت لعقود مع مجتمع الزبالين، أن هذا القطاع ليس كتلة عشوائية كما يُصوَّر، بل شبكة إنتاج حقيقية تضم ورشًا وخبرات متراكمة.

 

وسبق لإسكندر أن أشارت إلى وجود مئات المشروعات الصغيرة والمتوسطة لإعادة التدوير في منطقة الزبالين، وإلى أن الفصل من المنبع يمكن أن يخلق فرص عمل واسعة إذا صُمم لصالح العاملين لا على حسابهم.

 

وهذا هو الاختبار الحقيقي للماكينات: هل تصبح أداة ترفع دخل الجميع وتُنظّم السوق، أم وسيلة لجمع الخام الثمين لصالح شركات أو جهات أقوى ثم ترك العمال التقليديين بلا بديل؟

 

 

قانون بلا ضمانات اجتماعية

 

فتح قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 الباب أمام القطاع الخاص والاستثمار في الجمع والنقل والمعالجة والتدوير، ضمن مسعى رسمي لتحويل المخلفات إلى جزء من الاقتصاد الدائري.

 

كما توسعت الدولة في إنشاء محطات وسيطة ومصانع للتدوير ومعالجة المخلفات العضوية وإنتاج الوقود البديل، وهي بنية لا يمكن إنكار ضرورتها في مدينة بحجم القاهرة.

 

لكن القانون والإنشاءات لا يصنعان عدالة تلقائيًا؛ فالمنظومة التي تتجاهل ملكية العامل لمصدر دخله تنتهي غالبًا إلى احتكار القيمة وإلقاء التكلفة الاجتماعية على الفقراء.

 

والسؤال الذي لم يُحسم بعد هو: من يملك الحق في المواد القابلة للبيع بعد خروجها من المنزل؟ الشركة المتعاقدة، أم المواطن، أم جامع القمامة الذي بنى رزقه وعمله عليها لسنوات؟

 

ويؤكد الباحث العمراني الدكتور وائل صلاح فهمي، أستاذ التصميم العمراني بجامعة حلوان، في دراساته عن زبالي القاهرة أن محاولات خصخصة جمع المخلفات أضرت تاريخيًا باقتصاد هذه المجتمعات حين حرمتها من الوصول إلى المواد القابلة للتدوير.

 

وتوضح أبحاث فهمي أن كفاءة جامعي القمامة لم تكن مجرد عمل يدوي بدائي، بل منظومة استرداد موارد اعتمدت على الفرز الدقيق وشبكات الورش والتجارة المحلية.

 

لذلك فإن دمجهم لا يعني تسجيل بعض الأسماء أو منحهم وعودًا عامة، بل يتطلب عقودًا مكتوبة، وحصة محددة من عائد المواد، وتأمينًا اجتماعيًا وصحيًا، وحقًا في إدارة الماكينات أو المشاركة في أرباحها.

 

والتصريحات عن تسليم الماكينات إلى متعهدي المناطق يمكن أن تكون بداية عملية، بشرط ألا تتحول إلى إعلان مؤجل بلا جدول زمني أو ضمانات تنفيذ.

 

كما ينبغي نشر تفاصيل التجربة: عدد الماكينات، كميات العبوات التي تجمعها، الجهة التي تشتري الخام، سعر البيع، ونصيب العاملين في كل مرحلة.

 

فلا معنى لمشروع يرفع معدلات التدوير على الورق، إذا كان يدفع آلاف الأسر إلى فقدان موردها الوحيد أو يدفعهم إلى الإضراب وترك المخلفات العضوية تتراكم في الشوارع.

 

المطلوب ليس الاختيار بين البيئة ولقمة العيش؛ بل منظومة تضمن الاثنين، لأن القمامة التي تُدر المليارات لا يجوز أن تتحول إلى ثروة للشركات وخسارة لمن صنعوا اقتصاد تدويرها قبل أن تصل الماكينات.