تتسارع وتيرة إزالة الأشجار والمساحات الخضراء في القاهرة الكبرى والجيزة، من الدقي وجامعة الدول العربية إلى أحياء أخرى بالعاصمة، تحت عناوين التطوير وتوسعة الطرق والنفع العام. وبينما تتراجع الخضرة التي تحمي السكان من حرارة الأسمنت والتلوث، تكشف شهادات وبيانات أقمار صناعية عن قرارات إدارية تُنفذ بلا تنسيق بيئي كافٍ، وتحوّل الفراغات العامة إلى مشروعات استثمارية ومصادر دخل للمحليات.

 

95 % من أحياء القاهرة فقدت خضرتها

 

يرصد تحقيق لمنصة «صحيح مصر»، استنادًا إلى صور القمر الصناعي الأوروبي Sentinel-2 خلال الفترة بين 2017 و2024، تراجع الغطاء الأخضر في 95% من أحياء القاهرة، مقابل زيادة في حيين فقط من أصل 41 حيًا شملها المسح.

 

وفقدت 54% من الأحياء ما لا يقل عن 40% من غطائها الأخضر، فيما خسرت أحياء مثل الجمالية وحدائق القبة وطرة والساحل أكثر من نصف مساحاتها الخضراء. ويترجم هذا التراجع إلى ضغط معيشي وصحي مباشر على السكان في مدينة تعاني أصلًا الزحام والتلوث وارتفاع درجات الحرارة.

 

وتشير البيانات إلى أن نحو 3.27 مليون مواطن، يمثلون 32% من سكان العاصمة، يعيشون في أحياء لا يتجاوز نصيب الفرد فيها 75 سنتيمترًا مربعًا من المساحات الخضراء. كما يحصل نحو 3.23 مليون آخرين على مساحة تراوح بين متر ومترين مربعين للفرد، وهي أرقام تكشف اتساع الفجوة بين السكان وأبسط حقهم في بيئة قابلة للعيش.

 

وتظهر كلفة هذا التراجع في قصص السكان أيضًا؛ إذ وثق التحقيق حالة جدة ستينية ارتبطت بشجرة «بونسيانا» أمام منزلها في أحد أحياء جنوب القاهرة، قبل أن تُقتلع خلال أعمال رصف الشارع. لم تعوضها أعمال التجميل أو السيراميك عن الظل الذي فقدته، ودخلت في حالة اكتئاب وشكت من حرارة الأسفلت قبل وفاتها بعد أشهر، بحسب رواية حفيدتها.

 

الدقي وجامعة الدول.. تطوير يبتلع الأشجار

 

في الدقي والجيزة، تتواصل أعمال تقليم وإزالة الأشجار في شوارع إيران ومصدق ونادي الصيد وجامعة الدول العربية، وسط اعتراضات على توسع لا يراعي كلفة فقدان الغطاء النباتي. وتكشف تقديرات منشورة عن اقتلاع نحو 25.5 ألف متر مربع من المساحات الخضراء في الجزيرة الوسطى لشارع جامعة الدول العربية وحده.

 

وبررت محافظة الجيزة بعض عمليات الإزالة بدواعي السلامة العامة، خاصة بعد سقوط شجرة في شارع مصدق، غير أن هذا التبرير تحول لدى منتقدين إلى بوابة مفتوحة لإزالة أوسع، بدلًا من فحص الأشجار المهددة وعلاجها أو استبدال المتضرر منها فقط.

 

ولا تقف الأزمة عند شوارع الدقي؛ ففي مصر الجديدة قُطعت، بحسب تقارير، نحو 2500 شجرة معمرة بين 2017 و2020، وخسر الحي نحو 397 ألف متر مربع من المساحات الخضراء، بينما فقد شرق مدينة نصر نحو 311 ألف متر مربع. ومع استمرار التوسع الخرساني، هبط نصيب الفرد من الخضرة في القاهرة إلى نحو 0.74 متر مربع، بعيدًا عن معيار التسعة أمتار مربعة الذي توصي به منظمة الصحة العالمية.

 

كما امتد المسار إلى حدائق ذات قيمة تاريخية، بينها الميريلاند والحديقة الدولية وحديقة الطفل، فضلًا عن مخططات استثمارية طالت حديقة الزهرية في الزمالك. ويخشى منتقدون أن تتحول الحدائق العامة تدريجيًا إلى مقاهٍ ومواقف سيارات ومجمعات تجارية، فيما يبقى المواطن محاصرًا بين الإسفلت والضوضاء وحرارة المدينة.

 

قرارات الإزالة بلا رقابة بيئية

 

رغم أن قوانين البيئة والعقوبات تجرّم التعدي على الأشجار والممتلكات العامة، فإن الاستثناء المرتبط بمشروعات «النفع العام» يفتح الباب عمليًا أمام قرارات الإزالة، خصوصًا في أعمال الطرق والكباري وخطوط المرافق. وتملك المحليات وأجهزة المدن سلطة إصدار التصاريح باعتبار الأشجار جزءًا من المجال العام.

 

ويقول مسؤولون سابقون وحاليون، وفق تقارير صحفية، إن جهات التنفيذ لا تخطر وزارة البيئة مسبقًا في كثير من الحالات، وإن قرارات الإزالة قد تصدر من دون تحديد دقيق للمساحة أو عدد الأشجار، بما يسمح بتجريف ما هو متاح بدلًا من الاقتصار على الضروري.

 

وتكشف واقعة مستشفى الخانكة عام 2021 حجم الخلل؛ إذ طُلبت إزالة 300 شجرة بدعوى الخوف من سقوطها، لكن معاينة لجنة بيئية انتهت إلى أن 30 شجرة فقط تحتاج إلى الإزالة. وهي واقعة تطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا يصبح القطع هو الحل الأول بدلًا من الفحص والعلاج والتقليم العلمي؟

 

واخيرا تزداد الشكوك مع وجود عائد اقتصادي من بيع أخشاب الأشجار المقطوعة في مزادات تعود حصيلتها إلى موازنات هيئات النظافة والتجميل، بالتوازي مع تحويل أجزاء من الحدائق والفراغات العامة إلى مشروعات مدرة للدخل. أما مبادرة «100 مليون شجرة»، فرغم موازنتها الكبيرة، لا تبدو بديلًا فعليًا للأشجار المعمرة التي اقتُلعت؛ فالشتلة الصغيرة لا تعوض ظلًا ولا تمتص تلوثًا ولا تصنع مناخًا محليًا افتقدته المدينة.