تواجه الأسر المصرية قبيل العام الدراسي الجديد زيادة بنحو 20% في أسعار الأدوات المدرسية والمكتبية، بالتزامن مع مصروفات المدارس والزي والكتب، ما يحول تجهيز الأبناء إلى عبء مالي جديد يضغط على ميزانية البيت قبل بدء الدراسة.
ولا يفرق الغلاء بين أسرة لديها طفل في مدرسة حكومية أو خاصة أو دولية؛ فكل بيت يبدأ الموسم بسلسلة طلبات لا تنتهي، بينما تتآكل الأجور أمام الأسعار ويصبح التعليم حقًا مكلفًا لا خدمة عامة مضمونة.
فاتورة الدراسة تتضخم
ارتفعت أسعار الأدوات المكتبية ومستلزمات المدارس بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، بحسب أحمد عبد الفتاح، المسؤول في مكتبات «سمير وعلي»، نتيجة زيادة تكاليف الاستيراد والشحن والخامات العالمية.
ولا تقف الزيادة عند القلم والكراسة؛ فالزي المدرسي والحقيبة وزجاجة المياه والكتب الخارجية والمواصلات تدخل جميعها في فاتورة واحدة، تدفعها الأسرة في فترة قصيرة دون أن تتوافر لها مساحة حقيقية للتخطيط.
وتنتقل زيادة الدولار والخامات المستوردة إلى المنتجات المحلية أيضًا، لأن قطاعات من الصناعة المصرية تعتمد على مستلزمات إنتاج تأتي من الخارج، فيدفع المستهلك ثمن اضطراب السوق مهما كان مصدر السلعة التي يشتريها.
وتتوقع المكتبات تصاعد الإقبال على الشراء مع نهاية أغسطس وبداية سبتمبر، أي في الوقت الذي تضطر فيه الأسر إلى الدفع مهما ارتفع السعر، لأن تأجيل الأدوات يعني دخول الطفل المدرسة ناقص التجهيز.
ويتحول هذا التوقيت إلى فرصة تجارية موسمية لا تراعي ظروف الأسر؛ فالطلب يكون إلزاميًا ومركزًا في أيام قليلة، بينما تغيب رقابة حقيقية تمنع المغالاة أو تضمن توافر بدائل محلية بسعر مناسب.
ولا تكون قائمة الأدوات دائمًا خاضعة لمعيار موحد؛ فقد تختلف من مدرسة لأخرى، وتزداد فيها طلبات لا يوضح أحد ضرورتها التعليمية، فيتحمل ولي الأمر كلفة قرارات لا يشارك في وضعها.
وتبدأ الأزمة حين تتراكم بنود صغيرة في ظاهرها: كراسة ودفتر رسم وألوان ومسطرة وملابس وحذاء وحقيبة، ثم تتحول في النهاية إلى مبلغ يستهلك جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة الشهري.
فبدل أن يكون الاستعداد للعام الدراسي لحظة فرح للطفل، يصبح مصدر توتر للأب والأم، بين البحث عن الأرخص والقلق من أن يذهب الابن إلى المدرسة بأدوات أقل من زملائه.
أسر تدفع وحدها
قال علاء عادل، سكرتير عام شعبة الأدوات المكتبية باتحاد الغرف التجارية، إن تكلفة الأدوات تختلف حسب نوع المنتجات والعلامات التجارية، وقد تبدأ من 200 إلى 250 جنيهًا عند اختيار البدائل الاقتصادية.
لكن هذا الحد الأدنى لا يعبر عن كلفة التعليم الفعلية؛ فهو لا يشمل الحقيبة أو الزي أو المصروفات أو الكتب الخارجية أو المواصلات، وهي بنود تفرض نفسها على الأسرة قبل أن يفتح الطالب كتابه الأول.
وتصل أسعار الحقائب المدرسية الاقتصادية إلى ما بين 100 و200 جنيه، بينما تقفز بعض الأنواع إلى آلاف الجنيهات، ما يجعل الحقيبة نفسها رمزًا لفجوة اجتماعية تدخل من بوابة المدرسة إلى الفصل الدراسي.
وقدّر عادل إنفاق الأسر على الأدوات والمستلزمات المدرسية بنحو 20 مليار جنيه خلال الموسم، يرتفع إلى 40 مليار جنيه عند إضافة الكتب الخارجية، وهي أرقام تكشف حجم المال الذي يدفعه المواطن لتعليم أبنائه.
ولا تعني هذه المليارات أن الأسر تنفق بترف؛ فالكثير منها يلجأ إلى الاقتراض أو تقليل الإنفاق على الغذاء والعلاج أو شراء احتياجات الأطفال بالتدريج، فقط لضمان دخولهم المدرسة من دون إحراج.
وتضاعف المصروفات المدرسية هذا العبء؛ فحين تُضاف الرسوم إلى الأدوات والزي والكتب والنقل، تصبح كلفة التعليم عبئًا متزايدًا على الأسرة، لا سيما مع وجود أكثر من طالب في البيت الواحد.
والدولة لا تستطيع الحديث عن تكافؤ الفرص ما دامت الأسرة تدفع ثمنًا مختلفًا جذريًا لتعليم أطفالها بحسب قدرتها على تغطية الطلبات المتزايدة، فيما يتراجع دور المدرسة في حماية الفقراء من آثار الغلاء.
كما أن التقسيط الذي توفره بعض المكتبات ليس إنقاذًا حقيقيًا؛ فهو يحول الأدوات الأساسية للطالب إلى دين استهلاكي، ويؤجل الأزمة إلى أشهر لاحقة بدل أن يعالج أصلها وهو ضعف القدرة الشرائية.
تعليم تحت ضغط الغلاء
يبقى التضخم العامل الأكثر قسوة في هذه الأزمة؛ فحتى عندما يقال إن معدلاته تتراجع، لا تعود الأسعار إلى الوراء، وتظل الأسرة مطالبة بالإنفاق وفق مستويات جديدة لا تتناسب مع دخلها الحقيقي.
وتشير الباحثة الاقتصادية شيرين العزاوي، في دراستها عن تفاوت التضخم في مصر، إلى أن الأسر الأفقر تتعرض لغلاء أعلى من الشرائح الأغنى، لأن الاحتياجات الأساسية تستهلك معظم دخلها ولا تترك لها هامشًا للمناورة.
ولهذا تصبح زيادة 20% في السبلايز أخطر على الأسرة محدودة الدخل؛ فهي لا تعني التخلي عن علامة تجارية فاخرة، بل قد تعني شراء أدوات أقل جودة أو تأجيل دواء أو الاستدانة لضمان استمرار الطفل في الدراسة.
وتزداد المشكلة حين يتراجع الإنفاق الحقيقي على التعليم مقارنة بالتضخم، لأن الأسر تجد نفسها مضطرة لتعويض نقص الخدمة من جيوبها، عبر الكتب الخارجية والدروس والأنشطة والأدوات الإضافية.
ولا يكفي رفع شعار تطوير التعليم إذا كان ولي الأمر يواجه كل عام قائمة أطول ومصروفات أكبر، بينما يبقى الطفل مرهونًا بقدرة أسرته على الدفع لا بحقه الدستوري في تعليم مناسب وآمن.
ويحتاج الأمر إلى رقابة على قوائم المدارس، وإتاحة بدائل اقتصادية معتمدة، وتشديد المتابعة على المصروفات غير المعلنة، ودعم حقيقي للمدارس الحكومية حتى لا تتحول الفجوة التعليمية إلى عقاب للفقراء.
فغضب المصريين من غلاء مصاريف المدارس والأدوات ليس غضبًا موسميًا عابرًا؛ إنه اعتراض على تعليم يزداد كلفة كل عام، وعلى دولة تترك الأسر وحدها أمام فاتورة تتضخم أسرع من دخولها.

