محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
"قال حمار الحكيم توما: متى ينصف الزمان فأركب، فأنا جاهل بسيط، أمّا صاحبي فجاهل مُركَّب، فقيل له: وما الفرق بين الجاهل البسيط والجاهل المُركَّب؟ فقال: الجاهل البسيط هو من يعلم أنّه جاهل، أمّا الجاهل المُركَّب فهو من يجهل أنّه جاهل". ... هكذا بدأ توفيق الحكيم كتابه "حمار الحكيم"، وهكذا تقول الأسطورة القديمة والدائمة ما دام الإنسان حيًّا يرزق، ويجهل، ويجهل أنّه يجهل.
يسأل شاب بسيط، في موضع مُركَّب، عن الحدّ الذي يتحوّل عنده الرجل إلى خروف مركوب من زوجته القوية؟ يحمل السؤال الصحيح نصف الإجابة كما تعلّمنا، لكنّ مقطعًا مصورًا لكوميدي مصري يخبرنا أنّ السؤال الخطأ قد يحمل الإجابةَ كلّها. فالسؤال هنا، وحده، يجيب عن الحدّ الفاصل، لا بين الرجل والخروف فحسب، بل بين الخروف البسيط والخروف المُركَّب
.
تتّسع دوائر النقاش حول المقطع المُهين لصاحبه والمُخيف لفتيات وسيّدات كثيرات، ليس لأنّه مُخيف في ذاته، ولكن لأنّ واقعنا في مصر يشهد على وقوع جرائم قتل وطعن وضرب مبرّح وقعت بسبب تصريحات وتحريضات أقلّ من ذلك. ولذلك، ليس المهمّ ما قيل، المهمّ ما وصل إليه. ما قيل ساذج في مبناه ومعناه، لكنّ السياق سريع الاشتعال كفيل بتحويل شظية إلى قنبلة.
لم يشغلني مقطع الفيديو الذي أثار الجدل في المجال العام المصري طوال الأسبوع الماضي، وما زال، بقدر ما شغلني سؤال: كيف وصل هذا الشاب إلى موضع التأثير الجادّ عبر منصة؟ كيف تجاوز مساحة "الستاند أب كوميدي" التي قد تحتمل التجاوز أو التحفيل (المجازي بطبعه) إلى الكلام في العلاقات الإنسانية ومعاييرها بهدف توعية "العيال الصغيّرين" كما يقول؟ الإجابة، فيما أظن، أنّ أهمّ شروط التصدّر في مرحلة ما بعد الثورات العربية هي عدم الأهلية، وأنّ إبعاد كتّاب وإعلاميين ومثقّفين جادّين ومؤهّلين من منصّاتهم الجماهيرية التي تدخل كلّ بيت لصالح مُخبِرين ومُهرِّجين تافهين لم يكن لمواقفهم فحسب، بل بسبب أهليتهم ايضًا. فالمؤهَّل، حتّى لو تحدّث في غير السياسة، قادر على شحن وعي قارئه أو مشاهده بما يدفعه إلى المساءلة والنقد، ومن ثمّ الحضور. والمطلوب هو الغياب، غياب المواطن من الحضور، والمشاركة، والفعل، وتحوّله إلى خروف.
أن تكون خروفًا هو أن تكون تابعًا بلا إرادة، نطّاحًا بلا وعي، عاجزًا عن حماية رقبتك إذا أرادوا أكل لحمك. هذا هو الخروف البسيط، أمّا المُركَّب فهو الخروف الذي لا يدرك أنّه خروف: تابع لأنّه وطني، نطّاح لأنّه "ذكر"، عاجز عن حماية نفسه لأنّه مظلوم ومضطهد ومُتآمَر عليه من آكلي لحم الخرفان.
أن تكون خروفًا بسيطًا فذلك أمر غير مقبول، لكنّه مفهوم، وقد يدعو إلى التعاطف أحيانًا. أمّا غير المفهوم فهو أن تتحوّل إلى خروف مُركَّب، لا يدرك أنّه خروف، ولا يعرف مَن حوّله إلى خروف، ولا كيف؟
نعم، المعركة هي مع السلطة، فهي أصل الشرور في واقعنا المصري والعربي، وهذا لا يعني التوقّف عن الاشتباك مع أدواتها، لكنّه يعني ألّا يتحوّل هذا الاشتباك إلى بديل من مواجهتها، أو وسيلة لتوجيه الغضب بعيدًا منها. ثمّة فارق واضح بين تسكين العرَض وعلاج المرض، ولا يعني التمادي في تعاطي المسكّنات سوى مزيد من الألم ومن تفاقم المرض على المدى البعيد، وهذا بديهي إلى درجة تدعو إلى الرثاء، لأنّنا مضطرّون لاستدعائه، كما أنّه ضروري إلى درجة تدعو (مع الرثاء) إلى مزيد من استدعائه وتكراره والإلحاح عليه، حتّى لا يحولنا الإهمال إلى خراف مُركَّبة ومركوبة.
نعم، توجيه اللوم والنقد والغضب نحو منتجي خطابات العنف واجب وضروري، لكنّه ليس بديلًا من (أو تعويضًا عن) مواجهة من أطلقهم، وهيّأ لهم سياقات "الاشتغال"، ولا فارق (أبدًا) بين مَن يبحث عن رجولته في تغييب دور زوجته، ومن يبحث عن دوره في الاشتباك مع خِراف السلطة بدلًا منها. كلاهما يختار معركته مع الطرف الأضعف، ثمّ يمنح انتصاره اسمًا أكبر من حجمه: هذا يسمّيه رجولة، وذلك يسمّيه اشتباكًا ومعارك متوازية.

