تدخل أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة من التعقيد، في ظل تزامن التحركات الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد مع تصعيد أميركي اقتصادي وعسكري تجاه إيران، وسط روايات متباينة بشأن وضع الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الحرب مع إيران قد تنتهي «قريبًا جدًا»، وأن القوات البحرية الأميركية باتت تفرض سيطرة واسعة على مضيق هرمز، تؤكد طهران أن المضيق لم يعد إلى وضعه الطبيعي، وأن إعادة فتحه بصورة كاملة مرتبطة بشروط سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز مجرد إزالة الألغام أو تأمين حركة السفن.
وفي قلب هذه التحركات، تتجه الأنظار إلى قطر، التي كثفت اتصالاتها مع أطراف خليجية وإقليمية، في محاولة لتهيئة أرضية تسمح بخفض التصعيد وفتح قنوات للحوار، بالتزامن مع توجه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران لإجراء مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين.
وتحمل الزيارة أهمية خاصة في ظل تداخل ملف الملاحة في مضيق هرمز مع الحرب والعقوبات الأميركية والتهديدات المتبادلة، إضافة إلى الجهود العمانية الرامية إلى بلورة ترتيبات مؤقتة ودائمة تضمن عودة حركة السفن إلى المضيق.
قطر تتحرك على أكثر من مسار
تأتي زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري إلى طهران في وقت تشهد فيه المنطقة اتصالات مكثفة بين العواصم المعنية بالأزمة.
وقبل توجهه إلى العاصمة الإيرانية، أجرى الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني اتصالات مع عدد من وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، من بينهم وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني.
وبحسب المعطيات الواردة، ركزت الاتصالات على آخر التطورات الإقليمية، والجهود الدبلوماسية الهادفة إلى خفض التصعيد، وتعزيز الأمن والاستقرار، إلى جانب البحث عن صيغة تضمن حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
وأكدت قطر دعمها للمساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى حل يضمن حرية الملاحة ويمهد الطريق أمام اتفاق شامل يمكن أن يساهم في تحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى موقع قطر في منظومة الأمن الخليجي، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، فضلًا عن دور سلطنة عمان المتزايد في الوساطة بين طهران وواشنطن.
ممر ملاحي مؤقت في مضيق هرمز
لا تقتصر التحركات الدبلوماسية على الاتصالات السياسية، وإنما امتدت إلى بحث ترتيبات عملية تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز.
وكانت مباحثات إيرانية عُمانية قد تناولت إطارًا مرحليًا مقترحًا يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك عبر المضيق، بالتوازي مع بحث مشروع لتطهير الممرات البحرية من الألغام.
وتطرح هذه المبادرة باعتبارها محاولة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الأزمة، وهي كيفية إعادة حركة السفن إلى المضيق من دون انتظار التوصل أولًا إلى تسوية سياسية شاملة للحرب.
وبحسب التصور المطروح، لا يتوقف الأمر عند إنشاء ممر مؤقت، وإنما يتضمن استمرار المفاوضات الفنية بهدف التوصل لاحقًا إلى ترتيبات أكثر ديمومة تتعلق بإدارة حركة الملاحة، وتبادل المعلومات، وتوفير الخدمات الملاحية والأمنية، فضلًا عن بحث آليات التعامل مع المخاطر التي تهدد السفن.
كما تبرز الحاجة إلى إشراك الدول المطلة على الخليج في أي ترتيبات مستقبلية، خصوصًا أن أمن المضيق لا يرتبط بإيران والولايات المتحدة وحدهما، وإنما يمس بصورة مباشرة مصالح دول الخليج والدول المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا.
هرمز.. ممر استراتيجي تحت ضغط الحرب
يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية للتجارة العالمية، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية المتجهة من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
ولهذا السبب، فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.
ومع تصاعد التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة، تحولت حركة الملاحة في المضيق إلى واحدة من أهم أوراق الضغط المتبادلة بين الطرفين.
وفي حين تقول واشنطن إن قواتها تعمل على تأمين الممر البحري وإزالة الألغام وفتح الطريق أمام السفن، تتمسك طهران بموقف مختلف، وترى أن مسألة إعادة الملاحة إلى طبيعتها لا يمكن فصلها عن الحرب والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
ترامب: المضيق مفتوح والحرب تقترب من النهاية
في المقابل، تبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطابًا أكثر تفاؤلًا بشأن التطورات الميدانية.
وقال ترامب إن الحرب مع إيران ستنتهي «قريبًا جدًا»، معتبرًا أن الولايات المتحدة تقترب من تحقيق أهدافها، وخصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز.
وبحسب تصريحاته، أزالت البحرية الأميركية الألغام الموجودة في المضيق، كما تحدث عن مرور كميات كبيرة من النفط، مشيرًا إلى أن نحو 10 ملايين برميل عبرت المضيق خلال يوم واحد.
كما أعلن ترامب أن القوات الأميركية دمرت عشرات الزوارق خلال العمليات الأخيرة، وحذر من استهداف أي سفينة أو قارب يحاول زرع ألغام جديدة في الممر الملاحي.
وتعكس هذه التصريحات محاولة أميركية لتأكيد أن واشنطن باتت قادرة على تأمين حركة الملاحة، إلا أن الموقف الإيراني يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالعوائق المادية أمام السفن، وإنما ترتبط بجوهر الصراع السياسي والعسكري بين البلدين.
طهران: فتح هرمز ليس مقابل رفع العقوبات فقط
وتؤكد التصريحات الإيرانية أن طهران لا تنظر إلى مسألة فتح مضيق هرمز باعتبارها إجراءً منفصلًا عن بقية ملفات الأزمة.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي إن إعادة فتح المضيق لا يمكن اختزالها في مقايضة تقوم على رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية فقط.
وأوضح، وفق التصريحات المنسوبة إليه، أن إنهاء الحرب بصورة دائمة ومستقرة، وضمان عدم تجدد العمليات العسكرية أو التهديدات ضد إيران، تمثل عناصر أساسية في أي تفاهم محتمل.
وبذلك تضع إيران قضية الملاحة ضمن حزمة تفاوضية أوسع، في محاولة لربط الورقة البحرية بالضغوط الاقتصادية والأمنية التي تتعرض لها.
ويرى هذا الطرح أن التخلي عن ورقة هرمز في مقابل تنازل اقتصادي واحد سيكون، من وجهة النظر الإيرانية، تفاوضًا غير متوازن، وهو ما يفسر تمسك طهران بإدراج مجموعة من الضمانات ضمن أي اتفاق يتعلق بالمضيق.
واشنطن توسع الضغط الاقتصادي
بالتوازي مع الأزمة البحرية، صعدت الإدارة الأميركية ضغطها الاقتصادي على إيران، عبر توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات وأفرادًا وكيانات وسفنًا مرتبطة بالاقتصاد الإيراني.
وتقول واشنطن إن هدف الإجراءات الجديدة هو قطع مصادر التمويل التي تعتمد عليها إيران والحرس الثوري، وتضييق قدرة طهران على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
كما شملت الإجراءات قطاعات مثل الشحن والطيران والتكنولوجيا والذهب والأصول الرقمية، مع التلويح بعقوبات ثانوية ضد أطراف أجنبية تستمر في التعامل مع إيران.
ويضع هذا النهج الشركات والمصارف الأجنبية أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فالتعامل مع السوق الإيرانية قد يحقق عوائد تجارية، لكنه في الوقت نفسه قد يعرض المؤسسات لخطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
عراقجي يشتكي إلى الأمم المتحدة
وفي مواجهة التصعيد الاقتصادي الأميركي، وجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة والدول الأعضاء، انتقد فيها الإجراءات الأميركية، ووصفها بأنها «إرهاب اقتصادي».
واتهم عراقجي واشنطن بمحاولة إجبار الدول المستقلة على تغيير علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إيران تحت التهديد بالعقوبات الثانوية.
واعتبر الوزير الإيراني أن فرض قيود أميركية على شركات ومؤسسات تقع خارج الأراضي الأميركية يمثل محاولة لتوسيع نطاق تطبيق السياسات الأميركية خارج الحدود.
كما حذر من أن استمرار هذه الإجراءات قد يؤثر في قدرة المدنيين الإيرانيين على الوصول إلى الغذاء والدواء والمعدات الطبية والطاقة والاحتياجات الأساسية.
وطالب عراقجي الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتعامل مع ما وصفه بالتداعيات الإنسانية والقانونية للعقوبات، مؤكدًا احتفاظ إيران بحقها في المطالبة بالتعويض والمساءلة.
في المقابل، تقدم الإدارة الأميركية العقوبات باعتبارها أداة للضغط على الحكومة الإيرانية وتقليص مصادر تمويلها، وليس باعتبارها إجراءً يستهدف المدنيين بصورة مباشرة.
سلاح الدولار في مواجهة شركاء إيران
لا تستهدف السياسة الأميركية إيران وحدها، بل تسعى كذلك إلى الضغط على الشركات والدول التي تواصل التعامل التجاري والمالي مع طهران.
وتكمن قوة هذه الاستراتيجية في الدور المحوري الذي يلعبه الدولار والنظام المالي الأميركي في التجارة العالمية.
فالشركات التي تعتمد على البنوك والمؤسسات المالية الأميركية أو تتعامل بالدولار قد تجد نفسها أمام خطر العقوبات إذا واصلت بعض الأنشطة المرتبطة بإيران.
ومن هنا، بدأت المخاطر لا تقتصر على العقوبات المفروضة مباشرة على المؤسسات الإيرانية، بل امتدت إلى ما يسمى بالعقوبات الثانوية التي يمكن أن تطال أطرافًا من دول ثالثة.
وتشير المعطيات إلى أن بعض المؤسسات المالية والشركات بدأت بالفعل مراجعة تعاملاتها ومسارات الشحن والتأمين، تحسبًا لاتساع نطاق الإجراءات الأميركية.
النفط يتفاعل مع فرص إعادة فتح هرمز
رغم تصاعد العقوبات، شهدت أسعار النفط تراجعًا مع ارتفاع الآمال بإمكانية التوصل إلى ترتيبات تعيد جزءًا من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتعكس حركة الأسعار مدى حساسية سوق الطاقة تجاه التطورات السياسية في المنطقة.
فكلما ارتفعت احتمالات استمرار إغلاق المضيق أو تعرض السفن للهجمات أو الاحتجاز، ارتفعت علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار النفط.
أما عندما تظهر مؤشرات على وجود قناة تفاوضية أو اتفاق يسمح باستئناف جزء من حركة التجارة، فإن الأسواق تميل إلى خفض تقديراتها للمخاطر، وهو ما يمكن أن يدفع أسعار الخام إلى التراجع.
ومن هنا جاءت أهمية الاتصالات الإيرانية العمانية والتحركات القطرية، إذ لا ينظر إليها باعتبارها مساعي سياسية فقط، وإنما باعتبارها عاملًا مباشرًا في تحديد مستقبل أسواق الطاقة العالمية.
شركات الطاقة تبحث عن طرق بديلة
وفي ظل استمرار المخاطر، بدأت شركات الطاقة في البحث عن وسائل لتقليل الاعتماد على المرور المباشر عبر مضيق هرمز.
وتشير البيانات والمعطيات الواردة إلى أن شركات نفط خليجية لجأت إلى عرض شحنات وتحميل كميات من الخام عبر ترتيبات بحرية بديلة، بما يسمح بتقليل المخاطر المرتبطة بالمضيق.
وتتضمن هذه الترتيبات عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في مناطق خارج المضيق، بما يوفر للشركات والمشترين الآسيويين بدائل في حال استمرار الاضطرابات.
ولا يعني هذا الاتجاه توقف تجارة النفط، وإنما يعكس محاولة لإعادة تنظيم طرق النقل بما يقلل مخاطر الاحتجاز أو الهجمات أو ارتفاع تكاليف التأمين.
وفي الوقت نفسه، بدأت بعض شركات التكرير في إعادة تقييم السفن التي تستخدمها لنقل النفط، خصوصًا الناقلات التي أصبحت موضع خلاف أو تهديد من جانب إيران.
الصين والهند أمام معادلة صعبة
وتبرز الصين والهند باعتبارهما من أكثر الدول تأثرًا بتطورات الأزمة.
فالصين ترتبط بعلاقات تجارية واقتصادية واسعة مع إيران، كما تعد من أبرز مشتري النفط الإيراني، بينما ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات اقتصادية ضخمة مع الولايات المتحدة.
وهذا الوضع يضع الشركات الصينية أمام ضرورة الموازنة بين استمرار الحصول على الطاقة الإيرانية وحماية مصالحها داخل النظام المالي العالمي.
ولم تظهر، وفق المعطيات الواردة، مؤشرات على امتثال حكومي صيني كامل للضغوط الأميركية، إذ تتمسك بكين بحقها في مواصلة التعاون الاقتصادي مع إيران ضمن ما تعتبره الأطر القانونية الدولية.
أما الهند، فتواجه معادلة مختلفة، إذ تحاول الحفاظ على علاقاتها مع إيران، بما في ذلك مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بميناء تشابهار، مع تجنب التعرض لعقوبات أميركية قد تؤثر في تجارتها ونظامها المالي.
وتبدو الشركات الهندية، مثل نظيراتها في دول أخرى، أكثر ميلًا إلى اتخاذ إجراءات احترازية لتقليل المخاطر، خصوصًا في مجالات النقل والتأمين والمدفوعات.
الريال الإيراني تحت الضغط
وتزامن التصعيد الاقتصادي مع استمرار الضغوط على العملة الإيرانية في السوق الموازية.
ويعكس تراجع قيمة الريال المخاوف من ارتفاع التضخم ونقص العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف الاستيراد.
ولا تقتصر تداعيات العقوبات على الشركات الكبرى أو المؤسسات المصرفية، بل يمكن أن تنتقل إلى الحياة اليومية للمواطنين عبر أسعار الغذاء والدواء والسلع المستوردة.
وتواجه الحكومة الإيرانية بالتالي تحديًا مزدوجًا: مقاومة الضغوط الخارجية من جهة، والحفاظ على استقرار السوق المحلية من جهة أخرى.
وتقول طهران إنها تملك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وإنها ستواصل استخدام وسائل للالتفاف على آثارها، لكنها في الوقت نفسه تلمح إلى استعدادها للرد على الضغوط الاقتصادية بإجراءات مقابلة.
هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض
مع استمرار الأزمة، أصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ فقد تحول إلى ورقة تفاوضية مركزية في الصراع الإيراني الأميركي.
فالولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة وتأمين تدفق الطاقة، بينما ترى إيران أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة تمثل ورقة استراتيجية يمكن استخدامها في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.
وبين الموقفين، تحاول قطر وسلطنة عمان الدفع باتجاه صيغة وسط تسمح بتخفيف المخاطر من دون أن يضطر أي طرف إلى تقديم تنازل شامل دفعة واحدة.
ويبدو أن فكرة «الممر المؤقت» قد تكون محاولة لتجاوز الخلاف الأساسي، من خلال فصل الجانب الفني والإنساني للملاحة عن التسوية السياسية الأكبر.
تصريحات ترامب بشأن المرشد الإيراني
وفي سياق آخر، تطرق ترامب إلى وضع المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علنًا، بحسب الرواية الواردة، منذ توليه السلطة عقب مقتل والده علي خامنئي في فبراير الماضي.
وقال ترامب إنه يعتقد أن مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة، رغم إصابته بجروح بالغة، بحسب ما نقلته التصريحات عنه.

