تصاعد الأزمات الاقتصادية يعجل بالنهاية و«الحكومة لازم ترحل» تتصدر مطالب نواب وخبراء: حكومة مدبولي تفتقر لبرنامج اقتصادي واضح ومستقر
دفعت الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وزيادات الكهرباء أصواتاً نيابية جديدة إلى المطالبة برحيل حكومة مصطفى مدبولي، وسط اتهامات بأنها استنفدت أدواتها ولم تعد قادرة على تخفيف الضغوط عن المواطنين.
وفجرت الزيادات الأخيرة موجة انتقادات أكثر حدة داخل البرلمان، بعدما تزامنت مع أزمات المعاشات واستمرار الغلاء وتآكل الدخول، لتتسع المطالب من تعديل وزاري إلى إنهاء عمل الحكومة وتشكيل فريق جديد.
وفي أغسطس 2026، قال النائب ضياء الدين داود إن حكومة مدبولي باتت في أيامها الأخيرة قبل الرحيل، منتقداً زيادة أسعار الكهرباء ومعتبراً أنها تناقض تعهدات بعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية.
كذلك دعا النائب عبد المنعم إمام الحكومة إلى تقديم استقالتها، مستخدماً تعبير تخفيف الأحمال للسخرية من أدائها، ومعتبراً أن رحيلها نفسه قد يكون مساهمة في تخفيف الضغوط المتراكمة على الأسر.
وبالتوازي، طالب النائب إيهاب منصور الحكومة بالتوقف والرحيل، معترضاً على زيادات الكهرباء وما وصفه باستمرار تحميل المواطن فاتورة اختيارات لا يملك التأثير فيها، بينما تتراجع قدرته على الوفاء بالاحتياجات الأساسية.
ومن جهة أخرى، ربط النائب فريدي البياضي مطالبته برحيل الحكومة بأزمة المعاشات والتأمينات، منتقداً تكرار المواعيد المعلنة لإنهائها دون حل نهائي، ومحملاً رئيس الوزراء مسؤولية استمرار معاناة أصحاب المعاشات والمستحقين.
وفي مجلس الشيوخ، انضم النائب باسم كامل إلى الدعوات نفسها بعد زيادة أسعار الكهرباء، معتبراً أن مواصلة تحميل الفقراء ومحدودي الدخل أعباء جديدة تكشف غياب بدائل تقلل كلفة الإصلاح عليهم.
ثم أعلن النائب حسين هريدي في 4 أغسطس 2026 أن وقت رحيل الحكومة حان، داعياً إلى رئيس وزراء بخلفية اقتصادية يستطيع التعامل مع الأسعار والدين والاستثمار بعيداً عن الحلول السهلة.
وبحسب هريدي، فإن النهج الذي يعتمد على جيب المواطن بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية جعل الأسر تدفع ثمن إخفاقات متراكمة، وهو ما يفسر اتساع الغضب كلما أعلنت الحكومة زيادة جديدة.
واليوم طالب النائب حسن عمار بتعديل فوري للحكومة، مؤكداً أن المواطن تحمل وحده فاتورة الإصلاح الاقتصادي، وأن استمرار الأوضاع المعيشية الصعبة يفرض مراجعة للأداء وقدرة الفريق على إدارة المرحلة المقبلة.
تغيير المنهج قبل الأسماء
في المقابل، يرى الدكتور مدحت نافع أن الأزمة لا تُحل باستبدال بعض الوزراء، بل بإعادة بناء طريقة إدارة الاقتصاد، مؤكداً أن المرحلة تحتاج حكومة أصغر وأكثر فاعلية في اتخاذ القرار.
ووفق نافع، فإن رفع الأسعار يظل من أسهل الحلول عندما تضيق الأدوات، بينما الإصلاح الحقيقي يبدأ بخفض كلفة الدولة وتحسين كفاءة الإنفاق ومعالجة جذور الاختلالات قبل مطالبة المواطن بأعباء جديدة.
كما شدد نافع على ضرورة تنسيق السياسات النقدية والمالية والصناعية وسياسات الطاقة والتجارة والاستثمار، محذراً من أن استمرار كل جهة في العمل بأولويات منفصلة يبدد أثر الإصلاح ويزيد التشابك الاقتصادي.
ومن ثم، يصبح تغيير الحكومة ذا معنى فقط إذا رافقه تغيير في الصلاحيات والأولويات وآليات المحاسبة، لأن تبديل الأسماء مع بقاء المنهج نفسه سيعيد إنتاج الأزمات ذاتها مهما تغيرت الوجوه.
وبناءً على ذلك، تتقاطع رؤية نافع مع مطالب النواب في نقطة أساسية، وهي أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقرار منفرد أو زيادة، بل بقدرة الحكومة على تقديم بدائل مقنعة ومستدامة.
برنامج وطني بلا ارتباك
على صعيد آخر، يذهب الدكتور محمد فؤاد إلى أن مصر تحتاج برنامج إصلاح اقتصادي وطني مستقلاً وواضحاً، لا استجابات مؤقتة للأزمات أو ترتيبات تتحرك تحت ضغط فجوات التمويل وسعر الصرف.
وبحسب فؤاد، فإن المشكلة ليست في نقص الخطط المعلنة، بل في غياب برنامج ثابت يحظى بالالتزام والمتابعة والرقابة، بحيث يعرف المستثمر والمواطن اتجاه الدولة وأولوياتها ومواعيد تنفيذها بصورة قابلة للقياس.
إلى جانب ذلك، حذر فؤاد من الخلط بين امتلاك الدولة أصولاً كبيرة وبين توافر السيولة المستدامة، موضحاً أن الملاءة لا تلغي الحاجة إلى تدفقات منتظمة تدعم النشاط وتقلل الضغوط التمويلية.
لهذا، فإن أي حكومة جديدة ستواجه الاختبار نفسه إذا لم تحدد بوضوح مصادر النمو والإيرادات وخفض الدين ودور القطاع الخاص، بعيداً عن الاعتماد على بيع الأصول أو التمويل قصير الأجل.
ومع ذلك، تقول الحكومة إن مؤشرات الاقتصاد سجلت تحسناً، إذ أعلن مدبولي أمام البرلمان أن التضخم تراجع إلى 11.9 بالمئة في يناير 2026 والنمو بلغ 5.3 بالمئة قبل التوترات الإقليمية.
الأسعار تختبر نتائج الإصلاح
أما الدكتور عبد المنعم السيد، فيركز على أن السيطرة على الأسعار لا تتحقق بالسياسة النقدية وحدها، بل تتطلب زيادة المعروض من السلع والخدمات وتشديد الرقابة وتقليل الضغوط التي تنتقل للمستهلك.
ومن ناحية أخرى، يرى السيد أن تحسين مناخ الاستثمار يحتاج تحول الحكومة تدريجياً من دور المالك والمشغل إلى دور المنظم والرقيب والمحفز، بما يوسع مساحة القطاع الخاص ويرفع كفاءة الموارد.
فضلاً عن ذلك، تكشف بيانات البنك المركزي أن تراجع التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما تباطؤ سرعة ارتفاعها، وهو فارق يفسر المسافة بين المؤشرات الرسمية وتجربة الأسر.
وفي المحصلة، تصطدم رواية التحسن الحكومي بواقع دخول لم تلحق بقفزات الأسعار وخدمات ارتفعت تكلفتها، ما يجعل الأرقام الكلية أقل إقناعاً لمن يقيس الاقتصاد بقدرته على شراء الغذاء والطاقة والعلاج.
وأخيراً، فإن تصاعد دعوات الرحيل داخل البرلمان بالتزامن مع انتقادات الخبراء يضع حكومة مدبولي أمام نهاية أقرب، لكن تغييرها لن يخفف الأزمة ما لم يبدأ برنامج واضح بأولويات قابلة للتنفيذ.

