تداعى قطاع مراكز البيانات في الشرق الأوسط أمام تداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما تحولت منشآت البنية التحتية الرقمية إلى أهداف مباشرة للهجمات، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد طفرة كبيرة في استثمارات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

 

وترصد الكاتبة جورجيا باتلر في تحليل نشره موقع دي سي دي كيف فرض الصراع إعادة التفكير في تصميم مراكز البيانات وحمايتها، وما إذا كانت الحرب ستغير خطط شركات التكنولوجيا الكبرى في المنطقة.

 

ويناقش موقع دي سي دي تأثير الحرب على سوق مراكز البيانات في الشرق الأوسط، بعدما استهدفت هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ منشآت تابعة لشركات تكنولوجية كبرى، في وقت كانت فيه دول الخليج وإسرائيل تدفع بقوة نحو جذب استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية ومشروعات الذكاء الاصطناعي.

 

اندلعت الحرب في صباح 28 فبراير 2026، عندما هوت الصواريخ والقنابل من السماء فوق إيران. وشنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عشرات الغارات الجوية على إيران، بالتزامن مع استمرار المفاوضات بشأن برنامجها النووي.

 

وأعلنت القوات الجوية الإسرائيلية إسقاط أكثر من 1200 قنبلة في ذلك اليوم، بينما قالت الولايات المتحدة إنها نفذت عشرات الضربات الجوية ضمن ما أطلقت عليه اسم «عملية الغضب الملحمي».

 

وردت إيران بدورها بهجمات واسعة، واستهدفت في جانب منها مراكز بيانات مملوكة لشركات أمريكية في أنحاء المنطقة.

 

وبالنسبة إلى السكان، خلّفت الحرب آثارًا مدمرة، كما شكّل اندلاعها مفاجأة إلى حد كبير. صحيح أن التوترات كانت تتصاعد، وصحيح أن قادة الدول المعنية لا يترددون عادة في خوض المواجهات، لكن اندلاع حرب شاملة لم يكن أمرًا متوقعًا بسهولة.

 

وفوجئ قطاع مراكز البيانات بالتصعيد على نحو مماثل. وقال ديفيد ساندرس، المدير الإقليمي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة التحليل داتا سنتر هوك، لموقع دي سي دي إن صفقة ضخمة للغاية وُقعت في الإمارات قبل اندلاع الحرب بفترة قصيرة، إلى جانب صفقات كبيرة في إسرائيل، ولم تكن هناك آنذاك مؤشرات حقيقية على قرب اندلاع صراع.

 

طفرة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي قبل الحرب

 

وأوضح ساندرس أن أسواق الشرق الأوسط وإسرائيل شهدت نشاطًا كبيرًا قبل الحرب، مدفوعة بتوافر الطاقة، وتطوير العديد من الكابلات البحرية الجديدة والتخطيط لإنشائها، إلى جانب تنامي شهية الشركات لدخول هذه الأسواق.

 

وأكدت تحليلات السوق هذا الاتجاه. وقدرت شركة موردور إنتليجنس في عام 2025 قيمة سوق مراكز البيانات فائقة النطاق في الشرق الأوسط بنحو 4.61 مليار دولار، وتوقعت ارتفاعها إلى 16.38 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 23.53%.

 

ورغم اختلاف الأرقام بين شركات التحليل، تظل الرسالة الأساسية واحدة: يتزايد اهتمام المستثمرين بالمنطقة بصورة واضحة.

 

وضخت شركات التكنولوجيا استثمارات ضخمة لتطوير مشروعات في الشرق الأوسط، بينها مجمعات تصل قدرتها إلى جيجاواتات. ويبرز مجمع شركة جي 42 في الإمارات، الذي ستستخدمه شركة أوبن إيه آي، نموذجًا على ذلك.

 

وفي السعودية، يتجه مشروع «نيوم» العملاق، الذي خُطط له في السابق كمدينة خطية تمتد لمسافة 170 كيلومترًا، نحو تعزيز موقعه كمركز لمراكز البيانات. وتخطط شركة داتا فولت لإنشاء مجمع بقدرة 1.5 جيجاوات في منطقة أوكساغون الصناعية التابعة لنيوم.

 

وحصلت شركة هيومين، المدعومة من صندوق الثروة السيادي السعودي، على 211 قطعة أرض في المملكة لإنشاء مراكز بيانات، كما تعمل مع صندوق البنية التحتية الوطني السعودي «إنفرا» لتطوير قدرة تصل إلى 250 ميجاوات من مراكز البيانات.

 

وتملك شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة، وهي جوجل ومايكروسوفت وأمازون وأوراكل، مناطق سحابية قيد التشغيل أو التطوير في أنحاء الشرق الأوسط، بما يمثل استثمارات بمليارات الدولارات.

 

وتسعى دول عديدة في المنطقة علنًا إلى استقطاب هذه المشروعات والاستثمارات الأجنبية. وتستهدف الإمارات التحول إلى «قائد عالمي» في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول ثلاثينيات القرن الحالي ضمن استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، بينما تتبنى قطر والسعودية استراتيجيات مماثلة وتضخان موارد مالية كبيرة لتحقيق أهدافهما.

 

وبالتدريج، أخذت اقتصادات المنطقة تتجه نحو تبني الذكاء الاصطناعي وتوسيع بنيتها التحتية الرقمية.

 

لكن الحرب اندلعت.

 

وخلال أيام من بدء الغارات على إيران، رد الجيش الإيراني بهجمات شملت مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون في الشرق الأوسط.

 

وفي الأول من مارس، أكدت خدمات أمازون السحابية أن طائرات مسيرة أصابت مركزَي بيانات تابعين لها في الإمارات مباشرة، بينما ألحقت ضربة بطائرة مسيرة أضرارًا بموقع ثالث في البحرين، بعدما وقع الهجوم في محيط المنشأة.

 

وفي أبريل، اندلع حريق في منطقة الخدمات السحابية التابعة لخدمات أمازون السحابية في البحرين عقب هجوم جديد. وبحلول 10 مايو، صنفت خدمات أمازون السحابية منطقتي الإمارات والبحرين ضمن حالة «الاضطراب»، وحثت العملاء بقوة على الانتقال إلى مناطق أخرى، متوقعة أن تستغرق عملية استعادة الخدمة عدة أشهر.

 

كما أصابت شظايا مركز بيانات تابعًا لشركة أوراكل في دبي.

 

وفي المقابل، استهدفت الولايات المتحدة مراكز بيانات داخل إيران، وأصابت مركزين على الأقل. كما أصابت صواريخ منشأة اتصالات تابعة لشركة الأقمار الصناعية إس إي إس في إسرائيل.

 

وفي أواخر مارس، أدرج الحرس الثوري الإيراني 18 شركة تكنولوجية أمريكية لديها مواقع في الشرق الأوسط ضمن «أهداف مشروعة»، بدعوى استخدام تقنياتها في دعم الهجمات على إيران.

 

وبعد ذلك بفترة قصيرة، وجه الحرس الثوري تهديدًا مباشرًا إلى مركز البيانات التابع لشركة جي 42 في الإمارات، الذي كان قيد الإنشاء، والذي يفترض أن تستخدم شركة أوبن إيه آي ما لا يقل عن جيجاوات واحد من قدرته.

 

وقال مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري الإيراني في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس»: «لا شيء يخفى عن أنظارنا. وستُعتبر جميع شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المنطقة أهدافًا مشروعة لنا».

 

وبعد أيام من تهديد أوبن إيه آي، جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

 

استهداف البنية التحتية الرقمية يغيّر حسابات الشركات

 

سيكون من التكهن الربط بصورة مباشرة بين التهديد الذي استهدف مشروع مركز البيانات الإماراتي التابع لجي 42 وبين اتفاق وقف إطلاق النار، لكن العلاقات الوثيقة بين شركات التكنولوجيا الكبرى والحكومتين الأمريكية والإسرائيلية تفرض نفسها في هذا السياق.

 

وتعتمد اقتصادات الولايات المتحدة وإسرائيل بدرجة كبيرة على التطور التكنولوجي، بينما يعني تدمير مراكز البيانات خسائر بمليارات الدولارات.

 

وقال ساندرس إن أهمية هذه المنشآت للاقتصاد العالمي وللحياة اليومية «لا يمكن التقليل منها»، مشيرًا إلى أن تشغيلها قد تتولاه شركات محلية، لكن عملاءها الأساسيين شركات تكنولوجية أمريكية ضخمة.

 

وخلال إعداد التحقيق، تواصل دي سي دي مع عدد من مختبرات الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، بينها خدمات أمازون السحابية وجوجل ومايكروسوفت وأوراكل. ورفضت خدمات أمازون السحابية ومايكروسوفت وأوراكل إجراء مقابلات أو تقديم تعليقات، بينما لم ترد الجهات الأخرى على محاولات التواصل معها.

 

لكن وقف إطلاق النار ظل هشًا للغاية، وأثار تساؤلات حول مستقبل العديد من مشروعات مراكز البيانات في المنطقة.

 

وحذّر ساندرس مجددًا من مخاطر استهداف البنية التحتية للاتصالات خلال النزاعات، قائلًا إن أنظمة الاتصالات تشكل الأهداف الرئيسية في أي حرب، وإن مراكز البيانات باتت تضم هذه الأنظمة على نطاق واسع وبدرجة عالية من التعقيد.

 

وأشار إلى الحرب في أوكرانيا، التي أبرزت أهمية نظام ستارلينك، موضحًا أن إتاحة إيلون ماسك النظام لأوكرانيا ساعدها على مواصلة عملياتها والحفاظ على خطوط الاتصال.

 

وأضاف أن الأمر ذاته ينطبق على أي نزاع مسلح، بغض النظر عن مستوى تطور تكنولوجيا الاتصالات أو شكلها.

 

إسرائيل تقدم نموذجًا لمراكز البيانات المحصنة

 

يرى إيلي ماتارا، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في شركة ميد وان الإسرائيلية المتخصصة في مراكز البيانات، أن عدم الاستعداد لاحتمال اندلاع حرب في المنطقة يعكس قدرًا من السذاجة عند النظر إلى طبيعة السوق.

 

وقال إن الناس لا يتعلمون من تجارب الآخرين، ولذلك يتكرر التاريخ، مشيرًا إلى أن المنطقة شهدت صراعات متكررة على مدار أكثر من ألفي عام، من اليونانيين والإمبراطورية الرومانية والبيزنطيين إلى الإمبراطورية العثمانية.

 

لكن جاري فوتشاتشيك، الرئيس التنفيذي لشركة بيور دي سي، يخالف هذا الرأي. وقال إن من السهل دائمًا النظر إلى الماضي وتحليل ما كان ينبغي فعله، لكن لا أحد يتوقع اندلاع حرب عند تصميم مركز بيانات، مضيفًا أن المستثمر الذي يتوقع اندلاع حرب بصورة مستمرة ربما لن يختار إنشاء مركز بيانات في المنطقة أصلًا.

 

وتتميز إسرائيل داخل قطاع مراكز البيانات بخبرتها في تشغيل المنشآت في ظل النزاعات، كما تشتهر باعتماد مراكز البيانات تحت الأرض، وهو المجال الذي تتخصص فيه ميد وان.

 

وأوضح ماتارا أن طفرة مراكز البيانات بدأت في إسرائيل نحو عام 2006، وأن الشركة حددت نوعين من المخاطر، الأول يتمثل في الكوارث الطبيعية مثل الزلازل وأمواج تسونامي، والثاني في الكوارث التي يسببها البشر، ومنها سقوط الصواريخ.

 

ولهذا السبب، قررت الشركة زيادة رأس المال المخصص للمشروع وبناء مراكز البيانات تحت الأرض، بهدف توفير حماية أكبر للعملاء وجعل المنشآت أكثر جاذبية.

 

لكن غالبية مراكز البيانات في إسرائيل لا تقع داخل ملاجئ أو منشآت محصنة تحت الأرض. فمركز جوجل يقع فوق الأرض، وكذلك مركز أمازون، بينما يقع مركز أوراكل على جانب تل.

 

ولا تفرض الحكومة الإسرائيلية إنشاء مراكز البيانات تحت الأرض، كما حاولت شركات مثل أمازون ومايكروسوفت تجنب هذا الخيار بالاعتماد على مفهوم التكرار بين المواقع بدلًا من تكرار الأنظمة داخل الموقع الواحد.

 

ومع ذلك، ترى ميد وان أن إنشاء مراكز البيانات تحت الأرض يمثل أفضل ممارسة لتعزيز الحماية، مع الإقرار بأن أي مركز بيانات لا يستطيع مواجهة جميع التهديدات.

 

وتملك أوراكل أيضًا بعض مراكز البيانات تحت الأرض. وتستخدم الشركة مركز بيانات تابعًا لشركة باينت داتا كوميونيكيشنز في القدس، يقع داخل ملجأ تبلغ مساحته 14 ألف متر مربع أسفل خمسة طوابق لمواقف السيارات ومبنى مؤلف من 17 طابقًا في مجمع هار هوتسفيم التكنولوجي بالقدس.

 

وكشفت أوراكل في عام 2024 عن خطط لإنشاء مركز بيانات آخر يمتد تسعة طوابق تحت الأرض.

 

وسبق أن تحدثت دي سي دي مع شركات أخرى في المنطقة بشأن إنشاء مراكز بيانات قادرة على مقاومة النزاعات، وذلك قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

 

وتعد شركة إن إي دي من المطورين الجدد نسبيًا في قطاع مراكز البيانات بإسرائيل، وقد بدأت في أبريل 2025 أعمال إنشاء أول مجمع لها، وهو مشروع تبلغ قيمته 350 مليون دولار ويقع على الساحل، على مسافة نحو 20 كيلومترًا من منطقة تل أبيب الكبرى.

 

وقال الرئيس التنفيذي للشركة دانيال إفراتي لدي سي دي في عام 2023 إن إسرائيل تواجه تهديدات مختلفة عن مناطق أخرى في العالم، مشيرًا إلى تعرض البلاد بصورة دورية لهجمات صاروخية.

 

ولهذا السبب، تبني إن إي دي مركز بيانات يجمع بين منشآت فوق الأرض وأخرى تحت الأرض، لخدمة العملاء الحكوميين والقطاع الخاص.

 

ولم يكن اختيار الموقع مرتبطًا بالحماية من الصواريخ وحدها، إذ قال إفراتي إن الشركة أرادت اختيار منطقة «آمنة نسبيًا»، بالنظر إلى وجود تهديدين رئيسيين للصواريخ من الجنوب، أي قطاع غزة، ومن الشمال، أي لبنان، ولذلك سعت إلى الابتعاد مسافة لا تقل عن 30 كيلومترًا عن الجبهتين.

 

ومنذ إجراء تلك المقابلة، تعرض نحو 80 إلى 90% من البنية التحتية في غزة للضرر أو الدمار، وفق الأمم المتحدة، نتيجة الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين. كما تواصل إسرائيل حملات القصف في لبنان وقت إعداد التقرير.

 

وقالت إن إي دي إن غالبية المنافسين في المنطقة لا يخططون لبناء مراكز بيانات تحت الأرض، مشيرة إلى إمكانية توفير حماية مناسبة للمراكز فوق الأرض، لكنها اختارت الحل تحت الأرض لتعزيز مستوى الأمان.

 

بين الحفر تحت الأرض وحماية مراكز البيانات فوقها

 

اختارت شركة سيرفر فارم مسارًا مختلفًا، فأبقت مراكز بياناتها فوق الأرض بدلًا من حفرها عميقًا تحت الرمال.

 

وقال أرون شينوي، الرئيس التنفيذي للتسويق في سيرفر فارم، لدي سي دي في عام 2023 إن مركز البيانات الإسرائيلي كان أول مشروع جديد بالكامل للشركة، وإنها اختارت بناء المنشأة داخل جانب تل بدلًا من إنشاء منشأة عميقة تحت الأرض، ما وفر حماية طبيعية بفضل انحدار الأرض.

 

وأوضحت الشركة أن هذا الأسلوب مكّنها من إنشاء مركز بيانات بقدرة 10.5 ميجاوات خلال نحو 13 شهرًا، مع تلبية متطلبات الحماية.

 

ويرتبط الأمر بدرجة كبيرة بكيفية تصميم المبنى، وإنشاء مناطق عازلة ضد الانفجارات بين المحيط الخارجي للموقع، الذي قد يتكون من جدار خرساني، وغلاف المبنى، إلى جانب إنشاء مناطق عازلة أخرى داخل المبنى نفسه، وفصل قاعات البيانات عن ممرات الخدمات.

 

لكن التحدي الأكبر من ناحية المرونة يكمن في حماية المنشآت الخارجية، إذ يمكن نظريًا وضع المبردات والمولدات تحت الأرض، لكن ارتفاع التكلفة والقيود التشغيلية يجعلان هذا الخيار مناسبًا لعدد محدود من المؤسسات القادرة على تحمل تكلفته.

 

أما غالبية السوق، فلا تبدو مستعدة لدفع تكلفة هذا المستوى من الحماية.

 

لكن الظروف ربما تغيرت.

 

وقال ماتارا إن شركته شهدت زيادة كبيرة في الطلب على سعة مراكز البيانات منذ اندلاع الحرب، بلغت نحو 200%.

 

وأوضح أن الشركة تستقبل طلبات متزايدة من عملاء جدد، إلى درجة أنها تضطر إلى المفاضلة بين العملاء بسبب محدودية المساحة والطاقة.

 

وأشار كذلك إلى عودة شركات التكنولوجيا الكبرى إلى التواصل مع ميد وان، قائلًا إن بعض شركات الحوسبة السحابية فائقة النطاق طلبت وجود موقع واحد على الأقل تحت الأرض لضمان توفير مستوى أعلى من الأمان وعدم تعرض جميع المواقع في المنطقة للاستهداف في الوقت نفسه.

 

وقال براد سميث، رئيس شركة مايكروسوفت، لمجلة نيكي آسيا في أبريل، إن الشركة تعيد تقييم طريقة تصميم وبناء مراكز البيانات في المناطق عالية المخاطر، بعد استهداف إيران مراكز البيانات.

 

وأضاف أن الهجمات ستؤثر بمرور الوقت في تصميم مراكز البيانات وإنشائها، وأن التصميم لن يكون بالضرورة موحدًا في جميع المناطق. ولم تكشف الشركة حتى الآن تفاصيل عملية حول شكل هذه التغييرات.

 

ويرى ماتارا أن عدم امتلاك شركة ما حتى موقع واحد تحت الأرض يمثل نوعًا من «المقامرة»، مرجحًا أن تكون حساسية الشركات تجاه التكلفة أحد أسباب ذلك.

 

وبطبيعة الحال، يتطلب إنشاء مركز بيانات تحت الأرض تكلفة أعلى بسبب أعمال الحفر، لكن الوصول إلى مستوى الحماية نفسه في منشأة فوق الأرض يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الجدران الخرسانية السميكة والمقواة.

 

وأوضح ماتارا أن الصواريخ التي أطلقتها إيران خلال الحرب الأخيرة حملت متفجرات تعادل طنًا من مادة تي إن تي، وأن حماية مركز بيانات من هذا النوع من الصواريخ تتطلب جدارًا من الخرسانة المسلحة يبلغ سمكه أربعة أمتار.

 

وتعني هذه المواصفات استثمارًا هائلًا؛ ففي الظروف العادية تشكل الخرسانة نحو 10 إلى 20% من تكلفة الإنشاء، بينما قد ترتفع النسبة إلى نحو 50% في هذه الحالة، حتى مع الارتفاع الأخير في أسعار المولدات والمعدات الأخرى.

 

وأشار إلى أن بناء المنشأة تحت الأرض لا يوفر حماية كاملة من الصواريخ الضخمة، لكنه يوفر حماية أكبر أمام الصواريخ الأصغر إذا سقطت على مسافة قريبة، بحيث يمكن لمركز البيانات مواصلة العمل.

 

ويرى ماتارا أن المسألة في النهاية تقوم على الموازنة بين التكلفة والاحتياجات.

 

الحرب لا توقف مشروعات مراكز البيانات في الخليج

 

رغم الحرب، لا يبدو أن مشروعات مراكز البيانات الجاري إنشاؤها في المنطقة شهدت تراجعًا واضحًا.

 

وقال ساندرس إن أحد محللي داتا سنتر هوك الموجودين في المنطقة واصل حضور موقع مشروع كبير لمركز بيانات في أبوظبي طوال فترة الحرب، وأبلغه بأنه يذهب إلى العمل يوميًا ولم يطرأ أي تغيير على سير المشروع.

 

بل على العكس، تجاوز المشروع الجدول الزمني المحدد، كما حصل العميل نفسه على عقد للمرحلة التالية من المشروع مع المقاول العام.

 

وأكد جريج جاسمن، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في شركة خزنة المحلية لتشغيل مراكز البيانات، استمرار مشروعات الشركة وأعمال الإنشاء، مشيرًا إلى أن الشركة لجأت، عند الحاجة، إلى إجراءات قائمة على تقييم المخاطر ركزت على السلامة واستمرارية الأعمال والانضباط في إدارة التغييرات، مع استمرار عمليات التسليم وفق الخطط الموضوعة.

 

وأثارت شركة بيور دي سي اهتمامًا إعلاميًا بعد أن ذكرت شبكة سي إن بي سي أن شظايا أصابت مركز بيانات تابعًا لها في الإمارات.

 

وقال فوتشاتشيك في ذلك الوقت إن الشركة أوقفت قرارات الاستثمار بشأن جميع فرص مراكز البيانات، وإن شركات أخرى قد تتجنب تطوير مراكز جديدة في المنطقة حتى استقرار الأوضاع.

 

لكنه أوضح لاحقًا لدي سي دي أن مركز البيانات لم يتعرض في الواقع لإصابة مباشرة بشظايا، بل عثرت الشركة على بعض الحطام داخل الموقع دون وقوع أضرار.

 

كما لم تفرض الشركة على موظفيها الحضور إلى المنشأة خشية وقوع أي حادث، لكن العاملين قرروا الحضور إلى العمل رغم ذلك.

 

ولم تتوقف أعمال الإنشاء في الموقع، لأن المشروع كان قد اكتمل أصلًا. وقال فوتشاتشيك إن الشركة تواصل التخطيط لمشروعات جديدة، وتعمل على تطوير منشآت أخرى، كما لم تتوقف محادثاتها مع العملاء، بل زادت خلال الشهر الأخير المناقشات بشأن التوسع.

 

وعن احتمال اعتماد إجراءات حماية إضافية في مشروعات مراكز البيانات المستقبلية، قال فوتشاتشيك إن القرار يعتمد في الأساس على احتياجات العميل. فإذا طلب العميل تحصينات إضافية، تستطيع الشركة الاتفاق معه على تنفيذها، لكن هذه الإجراءات قد ترفع تكلفة المشروع إلى مستوى يجعله غير قابل للتنفيذ تجاريًا.

 

وأضاف أن الأمر سيعتمد على طبيعة البيانات والاستخدامات التي سيستضيفها مركز البيانات.

 

ويرى ساندرس أن الوقت لا يزال مبكرًا لتحديد تأثير الحرب في تصميم المشروعات المستقبلية، مشيرًا إلى أن هذه المخاطر ستدخل بالتأكيد ضمن حسابات المشاريع الجديدة.

 

لكن جزءًا كبيرًا من سعة مراكز البيانات في دول الخليج يخضع حاليًا للإنشاء، ما يجعل تغيير عنصر أساسي في التصميم في هذه المرحلة سببًا لتأخيرات كبيرة وتكاليف باهظة.

 

وفي المقابل، يشهد ماتارا زيادة في الاهتمام بمراكز البيانات تحت الأرض من جانب شركات أوروبية، ويتمسك بأن إسرائيل ستواصل الاعتماد على هذه المنشآت «بغض النظر عما يحدث».

 

أما انتشار مراكز البيانات تحت الأرض في بقية أنحاء الشرق الأوسط، فيرى أنه سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى صلابة أي اتفاق سلام طويل الأجل.

 

وبغض النظر عن نتيجة المفاوضات وما ستعنيه بالنسبة إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وأرباح شركات التكنولوجيا الكبرى، يختتم ماتارا حديثه برسالة مختلفة عن الحسابات التجارية.

 

وقال إنه يأمل أن ينتهي هذا النشاط التجاري بسبب إحلال السلام، وأن توقع المنطقة اتفاقات سلام وتتحول إلى منطقة أكثر أمنًا واستقرارًا، مضيفًا أنه مستعد للمخاطرة بأعماله التجارية مقابل تحقيق هذا الهدف.

 

https://www.datacenterdynamics.com/en/analysis/war-and-peace-in-the-middle-east/