الظلم ليس مجرد اعتداء على حق من حقوق الناس، بل هو انحراف يمس علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره، ويشمل إضاعة الحقوق، وإيذاء النفوس، وإهانة الإنسان وقهره، وانتهاك الحرمات، واستضعاف الناس وحرمانهم واضطهادهم، سواء استند الظالم إلى حجة أو فعل ذلك بغير حجة.
والإسلام يرفض الظلم والعدوان، ويجعل حفظ الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية من المبادئ التي لا يجوز تجاوزها، كما يحذر من عواقب الظلم على الفرد والمجتمع والظالم نفسه. وقد تناول القرآن الكريم هذه القضية في مواضع متعددة، وربط العدوان بالإثم، ودعا إلى مقاومة الظلم دون تجاوز حدود العدل، كما جاءت السنة النبوية مؤكدة حرمة الاعتداء حتى على غير المسلمين.
الظلم يبدأ من النفس
الظلم منبوذ في الفطرة الإنسانية، غير أن بعض النفوس المريضة قد تجد في العدوان والتشفي لذة مؤقتة، بينما ينشأ السلوك العدواني في كثير من الأحيان نتيجة عوامل مكتسبة، كالتربية الخاطئة أو التجارب المؤذية التي تترك آثارا مشوهة في شخصية الإنسان.
وفي هذا السياق قال المتنبي: «والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم»، وهي رؤية ارتبطت ببيئة عاش فيها الشاعر وشهد فيها التنافس على النفوذ، غير أن النفوس السليمة لا ترى في الظلم طبعاً ملازماً للإنسان، بل تستعيذ بالله منه لما يحمله من قبح وعدوان ومخالفة للأخلاق.
ويظهر هذا المعنى في موقف يوسف عليه السلام حين رفض أن يأخذ شخصاً بغير حق، فقال تعالى: «قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ».
عواقب الظلم تتسع
وقد لا يتوقف أثر الظلم عند حدود الفعل الأول، إذ يمكن أن يولد ظلماً مضادا أشد منه، فتتسع دائرة الانتقام وتتراكم المظالم حتى ينقلب أثرها على الظالم ومن يتصل به، ولذلك حذر القرآن من الفتنة التي لا تقف نتائجها عند الذين بدأوا بالظلم.
قال تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً».
كما قد يتعرض المظلوم لآثار قاسية نتيجة ما يتعرض له من ضغوط شديدة، وقد تمتد تلك الآثار إلى حالته النفسية والجسدية، خاصة عندما يستمر القهر وتغيب سبل الإنصاف ويشعر الإنسان بأنه عاجز عن استرداد حقه.
ومن أشد نتائج الظلم نشوء الحروب والثارات الجماعية والفردية، وانتشار صور العدوان المادي والمعنوي، وما يصاحب ذلك من إراقة الدماء وهتك الأعراض وسلب الأموال واغتصاب الأرض، وهي نتائج تهدم استقرار المجتمعات وتفتح أبوابا متتالية من الانتقام.
وقد جاء في النص القرآني: «وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ»، بما يؤكد أن تجاوز حدود الحق يدخل صاحبه في دائرة الظلم، حتى عندما يبرر فعله برد فعل سابق.
الأمن حق لا يستقيم بدونه
ومن أقسى ما يتركه الظلم في النفس البشرية فقدان الأمن، والشعور المستمر بالخوف والقلق، وما ينشأ عنهما من إحباط وضعف للأمل وإذلال وإقصاء، فضلا عن تراجع الاستقرار المادي والمعنوي والقدرة على الإبداع.
ولهذا امتن الله تعالى على قريش بنعمة الأمن إلى جانب نعمة الطعام، فقال سبحانه: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ».
والآية تلفت إلى أن الأمن ليس أمرا هامشيا في حياة الإنسان، بل من الضرورات التي يرتبط بها استقرار المجتمع وقدرته على العمل والإنتاج وبناء الحياة بعيدا عن الخوف والاضطراب.
الظالم أول من يدفع الثمن
ولا تقف خطورة الظلم عند ما يصيب المظلوم، فالقرآن يحذر من عاقبة الظالمين أنفسهم، ويصور سوء المصير الذي ينتظرهم نتيجة ما ارتكبوه من تجاوزات، قال تعالى: «لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ».
كما يرد الظلم في القرآن بوصفه صفة جامعة لأهل النار في مواضع من وصفهم، ومن ذلك قوله تعالى: «وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ».
وهكذا لا يقدم الإسلام الظلم باعتباره مخالفة عابرة، وإنما يحذر من عاقبته الدنيوية والأخروية، لأن المعتدي قد ينجو فترة من حساب الناس، لكنه لا يخرج بذلك من حساب الله تعالى.
العدوان صورة من الظلم
ومن أشكال الظلم العدوان، وقد وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم في مواضع متعددة، وجاء ذكره مقرونا بالنهي والتحذير، كما اقترن بالإثم والبغضاء والظلم، ومن ذلك قول الله تعالى: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا».
فالعدوان في التصور الإسلامي ليس وسيلة مشروعة لتحقيق المصالح أو فرض القوة، وإنما هو صورة مادية من صور الظلم، ولذلك لا يباح رد الاعتداء إلا في حدود دفعه ومن دون تجاوز أو تعد على حقوق الآخرين.
قال تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ».
فالآية تقيد الرد بالمثل، وتمنع تحويل دفع العدوان إلى عدوان جديد يتجاوز مقدار الاعتداء الأصلي، بما يحافظ على ميزان العدل حتى في لحظة الصراع.
الإسلام ينصر المظلوم
ولا يقتصر رفض الإسلام للظلم على المسلمين وحدهم، بل يمتد إلى كل مظلوم، وهو ما يظهر في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حلف الفضول الذي عقد في الجاهلية لنصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أصحابها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت».
ويكشف هذا الحديث عن تقدير النبي صلى الله عليه وسلم لمبدأ نصرة المظلوم وإعادة الحق إلى صاحبه، حتى عندما كان ذلك الميثاق قد نشأ قبل الإسلام، وهو ما يؤكد أن مقاومة الظلم قيمة إنسانية لا تتعارض مع مبادئ الشريعة.
حقوق غير المسلمين مصونة
ويؤكد الإسلام كذلك حرمة ظلم غير المسلم الذي يعيش في حماية المسلمين، ولذلك جاء الوعيد شديدا في حق من يعتدي على المعاهد أو ينتقص حقه أو يحمله ما لا يطيق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة».
فالحديث يضع الاعتداء على حقوق المعاهد ضمن الذنوب التي تستوجب الخصومة مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، بما يعكس شدة التحذير من انتهاك الحقوق أو استغلال القوة ضد من يعيش في عهد وأمان.
وتسقط هذه النصوص بوضوح التصورات التي تربط الإسلام برفض الآخر أو إهدار حقوق غير المسلمين، إذ إن تحريم الظلم والعدوان يشمل الإنسان الذي يقع عليه الاعتداء، ولا يجعل اختلاف الدين مبررا لسلب الحقوق أو انتهاك الكرامة.
ومن ثم، فإن العدوان في المنظور الإسلامي ليس شجاعة ولا انتصارا، وإنما مظهر من مظاهر الظلم التي حذر منها القرآن الكريم والسنة النبوية، ودعا الإسلام إلى مقاومتها وإعادة الحقوق إلى أصحابها، مع الالتزام بالعدل وعدم تجاوز حدود الرد.

