يوقن المؤمن أن الموت ليس نهاية الطريق، بل بداية لقاء الله والحساب على العقيدة والأقوال والأعمال، ثم المصير إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو نار أُعدت للكافرين والعصاة.
ويستعد المسلم لهذا اللقاء بالإيمان الصحيح والقلب السليم والعمل الصالح، ملتزمًا الفرائض، متقربًا بالنوافل، متحليًا بالتقوى والإخلاص والصدق والصبر والعدل والرحمة والكرم.
الموت بداية الحساب
حسم الوحي الإلهي سؤال المصير بعد الموت، وكشف حقيقة الحياة الآخرة بعيدًا عن الفلسفات العدمية والعبثية التي تحرف الإنسان عن غاية وجوده.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
ويعيش المؤمن مستحضرًا الموت، مستعدًا لما بعده، عالمًا أن الفوز الحقيقي يتحقق بالنجاة من النار ودخول الجنة، لا بجمع متاع الدنيا الزائل.
ويُطلق بعض العلماء على معرفة سبل الاستعداد للموت والحساب اسم «فقه القدوم على الله»، وهو فقه يحتاج المسلم إلى تعلمه والعمل بمقتضاه.
الاستعداد بالعمل الصالح
يتطلب الاستعداد للقاء الله أداء الفرائض، واجتناب المحرمات، والاحتكام إلى الشريعة، والإكثار من النوافل، ومجاهدة النفس حتى تستقيم على الطاعة.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46].
ولا يحمّل الله عباده ما يتجاوز قدرتهم، بل يحاسبهم وفق ما بلغهم من العلم، وما منحهم من طاقة واستطاعة.
قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286].
وقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7].
الإيمان شرط القبول
يمثل الإيمان بالعقيدة الصحيحة أساس الاستعداد للقاء الله، فلا ينفع العمل دون إخلاص، ولا تُقبل الطاعة إذا أفسدتها العقائد الباطلة أو طلب السمعة.
قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].
وتُعرض أعمال الإنسان كلها على الله، فلا تخفى عليه خافية، وسيخبر كل إنسان بما قدمه خلال حياته الدنيا.
قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105].
التقوى خير الزاد
تُعد التقوى أعظم ما يحمله المؤمن إلى الآخرة؛ لأنها تدفعه إلى الطاعة، وتحجزه عن المعصية، وتعينه على اكتساب الأخلاق الحسنة.
قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
وعرّف علي بن أبي طالب رضي الله عنه التقوى بأنها: «الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».
وتشمل التقوى تطهير القلب من الشرك والنفاق والرياء والشهوات المحرمة والتعلق بالدنيا، حتى يلقى العبد ربه بقلب سليم.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 87-89].
من الظلمات إلى النور
تجعل التقوى المؤمن أهلًا لولاية الله، فيخرجه سبحانه من ظلمات الكفر والجهل والمعصية والغفلة إلى أنوار الإيمان والعلم والطاعة واليقظة.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257].
وأوضح السعدي أن الله يخرج المؤمنين من الشرور المتنوعة إلى أنوار الخير العاجل والآجل، وأنهم نالوا هذا العطاء بإيمانهم وتحقيقه بالتقوى.
فالتقوى من تمام الإيمان، وبها يستقيم القلب، ويصلح العمل، ويستشعر الإنسان رقابة الله في السر والعلن، ويتهيأ للقاء ربه مطمئنًا.
محبة الله ورسوله
لا يكتمل استعداد المؤمن حتى تستولي محبة الله ورسوله على قلبه، وتتقدم على محبة الأهل والأموال والتجارة والمساكن وسائر متعلقات الدنيا.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾.
﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].
وتستلزم هذه المحبة تعظيم شريعة الله، وحب ما يرضيه، وبغض الكفر والفسوق والعصيان، وتقديم أوامره على رغبات النفس وضغوط الحياة.
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾.
﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ».
«أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ».
«وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» [رواه البخاري: 16].
الفوز بلقاء الله
يتهيأ المؤمن للقاء ربه بتجديد الإيمان، وإصلاح القلب، ومحاسبة النفس، ورد المظالم، والتوبة من الذنوب، والمداومة على الطاعات قبل انتهاء الأجل.
ويأمل أن يأتي يوم القيامة بنفس راضية، وقلب مطمئن، وصحيفة بيضاء، فيكون ضمن من يحبهم الله ويحبونه، برفقة الأنبياء والشهداء والصالحين.
ذلك هو الفوز العظيم الذي ينبغي أن تتجه إليه حياة المسلم، وأن يصبح الاستعداد له مقدمًا على كل غاية دنيوية زائلة.
المصادر والمراجع:
الصلابي، علي محمد، (2011)، الإيمان باليوم الآخر .. فقه القدوم على الله، ط2، دار المعرفة، بيروت، 2011.
السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، (1998)، التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، دار أضواء السلف، ط1، 1998م.

