كشف استقبال قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي للرئيس الصيني شي جين بينغ في القاهرة، مع استبعاد العاصمة الإدارية والعلمين من البرنامج، هشاشة الدعاية الخارجية التي قدمت المدينتين باعتبارهما واجهة مصر الجديدة أمام العالم.

 

وأثار الغياب تساؤلات حادة لأن المرحلة الأولى من العاصمة كلفت وفق تقديرات متداولة بين 58 و60 مليار دولار، بينما أنفقت الدولة نحو 58 مليار جنيه على إنشاءات العلمين الجديدة وحدها.

 

وبدلا من عرض المدينتين على أهم شريك آسيوي، انتقل شي بين مطار القاهرة وقصر الاتحادية والمتحف المصري الكبير، وسط إغلاقات واسعة عطلت الحركة على محاور تربط شرق العاصمة بغربها أيضا.

 

وكشف مقطع مصور مرور موكب الرئيس الصيني فوق كوبري 6 أكتوبر، بينما تكدست مئات السيارات أسفله، في مشهد لخص كلفة اختيار القاهرة المزدحمة لزيارة كان يمكن تأمينها بالصحراء بسهولة.

 

 

القاهرة تهزم الدعاية

 

ويرى الكاتب والباحث الإعلامي خالد الأصور أن اختيار القاهرة يرتبط بثقلها الحضاري ومكانتها التاريخية، مرجحا أن الرئيس الصيني يفضل العاصمة العتيقة على مدن حديثة لم تكتسب رمزية مماثلة حتى الآن.

 

وبحسب الأصور، لا تنفصل الزيارة عن اهتمام الصين بالبروتوكول والحضارات القديمة، وهو ما يجعل قصر الاتحادية والأهرامات والمتحف الكبير أكثر جاذبية لرئيس تحدث مرارا بإعجاب عن تاريخ الشعوب العريقة أيضا.

 

غير أن هذا التفسير يمنح القاهرة انتصارا رمزيا، لكنه يطرح في المقابل سؤالا محرجا حول جدوى قصور ومطارات ومقار حديثة أنشئت لتقديم المدينتين بوصفهما مركزا جديدا للحكم والاستثمار أمام العالم.

 

كما أن العاصمة الجديدة تضم مطارا مقاما على 600 فدان، بطاقة تبلغ 380 ألف مسافر سنويا، فضلا عن منظومات مراقبة وطرق حديثة كان يفترض أن تجعل استقبال الوفود أكثر سهولة.

 

وفوق ذلك، شاركت شركات صينية في بناء منطقة الأعمال المركزية والبرج الأيقوني والقطار الكهربائي، ما كان يمنح زيارة شي للعاصمة معنى اقتصاديا مباشرا وفرصة لعرض نتائج التعاون أمام الإعلام الدولي.

 

وفي المقابل، لم يتضمن البرنامج جولة في العلمين رغم قصورها الرئاسية ومنشآتها الحديثة، ورغم استقبال السيسي فيها قادة عربا وأوروبيين، لتبقى المدينة الصيفية خارج اهتمام أقوى ضيف زار البلاد أيضا.

 

ومن ثم، بدت المدينتان صالحتين للافتتاحات المحلية والاحتفالات الرسمية، لكنهما غابتا عندما سنحت فرصة اختبار قدرتهما على صناعة صورة دولية وجذب استثمارات جديدة من سوق يتجاوز عدد سكانه المليار نسمة.

 

 

فرصة تسويق مهدرة

 

ويقول استشاري الإدارة الاستراتيجية محمد زويل إن العاصمة والعلمين خسرتا اقتصاديا وإعلاميا، لأن زيارة شي كانت فرصة هائلة لتقديم منطقة الأعمال المركزية نموذجا للتعاون المصري الصيني أمام المستثمرين العالميين مباشرة.

 

ويؤكد زويل أن القاهرة تمتلك تاريخا ورمزية وكثافة ثقافية لا يمكن شراؤها بالمال، موضحا أن نقل الوزارات والمكاتب لا ينقل روح عاصمة صنع حضورها الإقليمي والعالمي عبر قرون من التراكم التاريخي.

 

وبناء على ذلك، يكشف برنامج الزيارة حدود الاعتقاد بأن الأبراج والقصور والطرق تستطيع وحدها إنتاج عاصمة، فالمكانة لا تصدر بقرار إداري ولا تولد تلقائيا بعد ضخ مليارات في الخرسانة وحدها.

 

وفي الوقت نفسه، لا تعني رمزية القاهرة إعفاء الحكومة من مسؤولية الفرصة الضائعة، إذ كان ممكنا الجمع بين قمة الاتحادية وجولة قصيرة بالعاصمة الجديدة لإظهار المشروعات الصينية القائمة هناك بوضوح.

 

علاوة على ذلك، كان ممكنا ضم العلمين إلى البرنامج باعتبارها واجهة ساحلية جديدة، لكن غياب المدينتين معا يوحي بأنهما لم تدخلا بعد خريطة الجذب الدولي التي وعدت بها الدعاية الحكومية.

 

وعلى العكس، كرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاتجاه نفسه، فاختار القاهرة التاريخية والإسكندرية خلال زياراته الأخيرة، ولم يتوجه إلى العاصمة الجديدة أو العلمين رغم قربها من مسارات تحركه المعلنة أيضا.

 

وهكذا، يتجاوز الغياب تفضيل رئيس واحد، ليكشف نمطا ينجذب فيه الضيوف إلى التاريخ والنيل والآثار، بينما تبقى المدن الأعلى تكلفة عاجزة عن فرض نفسها ضمن البرامج الدولية الكبرى حتى الآن.

 

وبالتالي، خسرت الحكومة دعاية مجانية كان يمكن أن تصل إلى الجمهور الصيني، وخاصة أن مصر استقبلت نحو 600 ألف سائح صيني خلال العام الماضي تركز اهتمامهم بالمناطق التاريخية والشاطئية فعليا.

 

 

عمران بلا روح

 

وسبق للباحث العمراني يحيى شوكت وصف العاصمة الجديدة بأنها مشروع عقاري ضخم أقيم دون دراسات اقتصادية واجتماعية كافية، معتبرا أن تجارب المدن السابقة لم تنجح في تخفيف كثافة القاهرة أساسا.

 

وتمنح زيارة شي هذا النقد دلالة جديدة، لأن انتقال الحكم والوزارات لم يكن كافيا لنقل مركز الجاذبية، بينما واصلت القاهرة تحمل الزيارات والإغلاقات والأعباء التي قيل إن العاصمة الجديدة ستخففها.

 

ومن ناحية أخرى، أظهرت الإغلاقات أن المواطن دفع كلفة الاختيار مرتين، أولا عبر الإنفاق على مدن بديلة، ثم عبر تعطيل الطرق القديمة لتأمين موكب ضيف لم تستفد منه المنشآت الجديدة.

 

أما الحديث عن الشراكة بين الحضارات، فيفسر زيارة المتحف والأهرامات، لكنه لا يفسر غياب أي محطة حديثة كان يمكن أن تجمع الرمزية التاريخية بعرض الإنجاز العمراني الذي تفاخرت به الحكومة.

 

وفي المحصلة، أكد استقبال شي أن القاهرة ما زالت عنوان مصر الذي لا تنافسه مدينة مصنوعة حديثا، وأن المليارات اشترت مباني شاهقة لكنها لم تشتر تاريخا ولا حضورا ولا جاذبية عالمية.

 

وأخيرا، يضع تغييب العاصمة والعلمين حكومة السيسي أمام سؤال العائد، فإذا كانت استثمارات تناهز 60 مليار دولار لا تستحق جولة لأبرز شريك في مشروعاتها، فلمن شيدت هذه الواجهات الباهظة أصلا.