دفعت قرارات التعويم المتلاحقة وتقليص الدعم ورفع أسعار الخدمات ملايين المصريين إلى مواجهة يومية مع الجوع والعلاج والسكن، بينما واصلت الحكومة تقديم الإعانات بوصفها إنجازا عوضا عن وقف الآلة المنتجة للفقر.

 

وكشفت الأزمة أن الراتب الذي كان يغطي احتياجات أسرة لم يعد يصمد سوى أيام، بعدما التهم التضخم قيمة الأجور والمعاشات، واتسعت دائرة العوز لتقترب من شرائح ظنت طويلا أنها آمنة.

 

وبحسب تقدير أعدته أستاذة الإحصاء هبة الليثي، بلغ معدل الفقر 35٫7 في المئة خلال 2022 و2023، مقابل آخر معدل رسمي معلن، بما يكشف اتساعا خطيرا أخفته فجوة البيانات الحكومية المعلنة.

 

وفي المقابل، تواصل السلطة الحديث عن الحماية الاجتماعية، مع أن ارتفاع أعداد المستفيدين يعكس زيادة المحتاجين، ولا يثبت نجاح سياسات حولت الدعم من جسر مؤقت إلى وسيلة دائمة لإدارة الحرمان.

 

 

الفقر يتمدد بصمت

 

وتؤكد هبة الليثي أن التضخم كان المحرك الأبرز للزيادة المقدرة في الفقر، وأن الأسر الأكبر عددا أشد تعرضا للسقوط، ما يجعل موجات الغلاء المتتالية عقوبة مضاعفة للعائلات محدودة الدخل سريعا.

 

كما أن توقف نشر بيانات حديثة منتظمة عن الفقر يحرم المجتمع من قياس الكارثة بدقة، ويفتح الباب أمام خطاب رسمي ينتقي مؤشرات النمو، بينما تتدهور القدرة الفعلية على شراء الغذاء والدواء.

 

وبالتالي، لا تكمن الأزمة في نقص السلع وحده، بل في انهيار القوة الشرائية نتيجة خفض قيمة الجنيه وزيادة الرسوم والطاقة والمواصلات، وهي قرارات نقلت كلفة الاختلالات مباشرة إلى جيوب المواطنين.

 

ومن ثم، أصبح العامل اليومي والأرملة والمتقاعد وصاحب الحرفة والفلاح الصغير يدفعون الفاتورة نفسها، رغم تفاوت مواردهم، فيما بقيت الثروات الأعلى أقدر على حماية نفسها من التضخم وتراجع العملة وحدها.

 

غير أن برامج التحويلات النقدية، رغم ضرورتها، لا تعوض خسارة وظيفة مستقرة أو أجرا عادلا أو خدمة عامة جيدة، ولا تمنع الأسرة من العودة إلى العوز كلما قفزت الأسعار مجددا.

 

وعلاوة على ذلك، يؤدي تحويل الدعم العيني إلى مبالغ نقدية ثابتة إلى تحميل الفقير مخاطر التضخم، لأن قيمة الإعانة تتآكل سريعا، بينما تتخلص الموازنة تدريجيا من التزامها بتوفير السلع الأساسية.

 

لذلك، يصبح الحفاظ على الخبز والغذاء والدواء أولوية لا تحتمل التأجيل، مع تحديث قيمة الدعم تلقائيا وفق تكاليف المعيشة الحالية، بدلا من ترك الأسر تفاوض الأسواق يوميا بموارد تتناقص باستمرار.

 

وبناء على ذلك، تحتاج الدولة إلى برنامج غذائي عاجل للمناطق الأشد فقرا، يوسع الوجبات المدرسية ويوفر الأدوية الأساسية، لأن الطفل الجائع والمريض المؤجل علاجه يدفعان ثمن الاختيارات الحكومية مباشرة الآن.

 

 

الإعانات لا تصنع عدالة

 

وترى الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن سياسات رفع الدعم والتقشف أضعفت الفئات الأكثر هشاشة، وأن استهداف الفقراء بالإعانات تحول مرارا إلى غطاء يسمح باستمرار اختيارات توسع الحرمان وتعيد إنتاجه الآن.

 

وفي السياق نفسه، تبتلع خدمة الديون قسما ضخما من الموارد العامة، فتضيق المساحة المتاحة للصحة والتعليم والحماية، بينما تستمر الأولوية للسداد والاقتراض بدلا من بناء اقتصاد يخلق عملا منتجا ودخلا كريما.

 

وفي المقابل، لا يمكن اعتبار زيادة الحد الأدنى للأجور انتصارا إذا سبقتها الأسعار وخفضت قيمتها الحقيقية، خصوصا عندما لا يصل القرار إلى قطاعات واسعة من العمالة غير المنتظمة والمنشآت الصغيرة.

 

ولهذا، يجب ربط الأجور والمعاشات والدعم بمؤشر دوري لتكاليف المعيشة، وإلزام أصحاب الأعمال بالتطبيق، وإنشاء حماية شاملة ومنصفة وملزمة للعمالة اليومية، حتى لا يبقى الملايين خارج أي مظلة دخل حقيقية.

 

إضافة إلى ذلك، يكشف التفاوت بين القاهرة والقرى المحرومة أن توزيع الإنفاق بالتساوي ليس عدالة، لأن الصعيد والريف والمناطق غير المخططة تحتاج نصيبا أكبر من المدارس والمستشفيات والمياه وفرص التشغيل.

 

ومن ناحية أخرى، لا تكفي منافذ السلع الموسمية ولا الحملات الخيرية لوقف التدهور، لأن الأزمة مرتبطة ببنية الأجور والأسعار والضرائب والإنفاق العام الكامل، لا بنقص مؤقت يمكن احتواؤه بكرتونة غذاء عابرة.

 

 

الأجور تخسر السباق

 

ويحذر الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني من أن الزيادات الاسمية لا تعكس تحسنا حقيقيا بالقوة الشرائية، مؤكدا أن التضخم وفوائد الديون قلصا الإنفاق التنموي وأبقيا أجور الملايين دون احتياجات الحياة الكريمة.

 

وفعليا، يطالب الميرغني بإصلاح شامل ومنصف وملزم للمعاشات يضمن كفايتها لأسرة، بعدما اتسعت الفجوة بين الحد الأدنى للمعاش والحد الأدنى للأجر، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الغذاء والسكن والعلاج.

 

لزيادة فاعلية الإنقاذ، ينبغي تمويل تشغيل واسع في القرى والأحياء المهمشة، ودعم الفلاحين والحرف والصناعات الغذائية المحلية، بحيث تتحول المساعدة من إعانة تبقي الفقير واقفا إلى فرصة تمنحه دخلا مستقلا.

 

وفوق ذلك، تقتضي العدالة فرض ضرائب أكثر تصاعدا على الدخول والثروات الكبرى، وملاحقة التهرب والاحتكار، وتأجيل الإنفاق الأقل إلحاحا فورا، بدلا من سد العجز برسوم وزيادات يدفعها المستهلك المحدود الدخل.

 

وبالتوازي، يتطلب وقف الفقر استعادة التعليم والصحة باعتبارهما حقين ممولين جيدا، لأن تراجع الخدمة العامة يجبر الأسرة الفقيرة على شراء الدروس والعلاج، فيضاعف العبء ويعمق عدم تكافؤ الفرص المتاحة بوضوح.

 

أما استمرار النهج الحالي، فيعني توسيع طوابير الإعانات مع كل موجة غلاء، ثم تقديم الزيادة دليلا على الرعاية، بينما الحقيقة أنها شهادة دامغة على عجز السياسة الاقتصادية عن تقليل أعداد المحتاجين.

 

وأخيرا، لن يبدأ إنقاذ المصريين بخطاب جديد عن الصبر، بل بمراجعة التعويم والدعم والإنفاق والضرائب، ووضع الغذاء والدواء والعمل قبل الحجر، حتى تتحمل الثروة نصيبها بدلا من معاقبة الفقر مجددا.